36

0

يناير مشهد يجسد العمق الثقافي للجزائر ويعزز الارتباط بين جيل اليوم والأمس

لوحة ثقافية زينت ساحة البريد المركزي

يناير ليس مجرد تقويم جديد أو موعد سنوي عابر، بل احتفال تقليدي متجذر في عمق التاريخ والثقافة، ارتبط منذ القدم بموسم الحرث والبذر ووفرة الغلال. ويُعد هذا العيد مناسبة رمزية تعكس علاقة الإنسان بالأرض ودورة الطبيعة، كما يجسد التفاؤل ببداية سنة مليئة بالخيرات والرزق، ليس بالنسبة للفلاحين فقط، بل لكل أفراد المجتمع. ويظل يناير، في الذاكرة الشعبية، تعبيرًا عن الأمل والتجدد واستمرار الحياة، بما يحمله من دلالات اجتماعية وثقافية عميقة.

هاجر شرفي 

ومع حلول يناير، تحتفل الجزائر بالتراث الأمازيغي العريق من خلال عادات وتقاليد متوارثة، تمزج بين الاحتفاء بالزراعة والتمسك بالأرض، وإشاعة أجواء الفرح والتضامن الاجتماعي في العام الجديد. وتتنوع مظاهر الاحتفال من منطقة إلى أخرى، لكنها تلتقي جميعها في قيم مشتركة، أبرزها التآزر، والكرم، والاعتزاز بالانتماء الثقافي، ما يجعل يناير مناسبة جامعة تعكس وحدة الشعب الجزائري في تنوعه.

اعتراف بالمكون الأمازيغي 

وقد عرفت السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا في التعاطي مع “يناير” في الجزائر، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي. فبعد أن كان احتفالًا شعبيًا بسيطًا تمارسه العائلات في نطاق محلي، أصبح اليوم مناسبة وطنية معترفًا بها رسميًا. فمنذ سنة 2018، أُقرّ يناير عطلة وطنية رسمية مدفوعة الأجر، في خطوة اعتُبرت محطة مفصلية في مسار الاعتراف بالمكوّن الأمازيغي كرافد أساسي لا يتجزأ من الشخصية الوطنية الجزائرية.

ولم يكن هذا القرار مجرد إجراء إداري، بل تجسيدًا لإرادة سياسية وثقافية تهدف إلى تثمين التعدد اللغوي والثقافي وتعزيز الانسجام الوطني.

وتُوّج هذا المسار باستحداث “جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغية”، التي تُمنح سنويًا تزامنًا مع هذه المناسبة، تشجيعًا للإبداع الأدبي والفكري، ودعمًا للغة الأمازيغية باعتبارها مكوّنًا أصيلًا من مكونات الخصوصية الثقافية الجزائرية. وقد أسهم هذا الاعتراف في إعادة الاعتبار للاحتفال بيناير ومنحه بعدًا وطنيًا جامعًا.

مشهد عزز الارتباط  بين الماضي والحاضر 

وفي هذا السياق، عاشت ساحة البريد المركزي أجواء احتفالية مميزة، عكست أصالة الذاكرة الوطنية وثراء الموروث الثقافي الجزائري، حيث احتضنت الساحة احتفالات رأس السنة الأمازيغية في مشهد جمع بين الماضي والحاضر، وأكد على مكانة يناير كرمز للوحدة الثقافية الجامعة. وشهدت الفعاليات حضورًا واسعًا من مختلف فئات المجتمع والجمعيات الثقافية، التي توافدت للمشاركة في هذه المناسبة واستحضار قيمها الرمزية.

وتنوعت الفعاليات بين عروض فنية قدمتها فرق فلكلورية من مختلف مناطق الوطن، عكست غنى التراث الجزائري وتنوعه الثقافي، من رقصات وأغانٍ شعبية وأهازيج تقليدية، لاقت تفاعلًا كبيرًا من الجمهور، كما خُصصت فضاءات لورشات موجهة للأطفال، أضفت بعدًا تعليميًا وترفيهيًا على الاحتفالات، وساهمت في تعريف الأجيال الصاعدة بالعادات والتقاليد المرتبطة بيناير، في إطار تفاعلي يعزز الوعي بالانتماء الثقافي وروح المواطنة.

 

وفي سياق الحدث، صرح مدير ديوان الترقية والثقافة،ببلدية  الجزائر  الوسطى،
" محمد أمين "، أن هذه الفعاليات تبرز المزيج الثقافي الذي تزخر به الجزائر، وتعكس ثراءها الحضاري وتنوعها الثقافي. كما أوضح أن طبعة هذه السنة تميزت عن سابقاتها بإحياء “القعدات الشعبية”، التي شهدت تطورًا ملحوظًا مقارنة بالطبعة الماضية، حيث أصبحت تضم مختلف مناطق الوطن، في صورة تجسد التعايش والوحدة الوطنية، وتؤكد أن يناير مناسبة جامعة لكل الجزائريين دون استثناء.

من جهتها، أشارت الممثلة "وسيلة مقران "إلى الدور الهام الذي يلعبه الاحتفال بيناير في تسليط الضوء على الموروث الثقافي، معتبرة أن مثل هذه التظاهرات تساهم في تقريب المواطن من تاريخه وذاكرته الجماعية. كما شجعت جمهورها على حضور الفعاليات والاستمتاع بالعروض الفنية المتنوعة، التي تعكس روح الفولكلور الجزائري وتمنح الفرصة لاكتشاف غنى التراث الوطني.

 

وفي الإطار ذاته، أكدت ممثلة جمعية “كراكوزا”، "صفية عامر"، على أهمية الدور الذي تلعبه الجمعيات الثقافية في إحياء الرصيد الثقافي والحفاظ على الموروث الشعبي. وأشارت إلى مساهمتهم في تنظيم نشاطات وورشات تعليمية موجهة للأطفال، من بينها ورشات لصناعة الحلويات التقليدية مثل “الطمينة الجزائرية”، بهدف ربط الجيل الجديد بموروثه الثقافي ونقله بطريقة تربوية تفاعلية.

 

وعلى هامش هذه الاحتفالات، ثمّن رئيس "فرقة تيريزي من برج منايل " المشاركة المتواصلة في هذه المناسبة، مؤكدًا أن حضورهم السنوي نابع من قناعة راسخة بأن يناير يخص الجزائر ككل، وليس منطقة بعينها. وأضاف أن هذه الاحتفالات تعكس روح التلاحم الوطني، وتسهم في توحيد مختلف شرائح المجتمع حول قيم مشتركة.

خلال الفعاليات، كان لنا اللقاء مع المشاركة "بسنة سيلينا"، التي أشادت بأهمية الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، معتبرة إياه مناسبة تجمع العائلات وتدخل الفرح إلى البيوت. كما أكدت أن يناير يساهم في ترسيخ الشعور بالانتماء الوطني والحفاظ على التراث الثقافي الجزائري، مشددة على ضرورة استمرار مثل هذه المبادرات التي تحافظ على الذاكرة الجماعية وتنقلها من جيل إلى آخر

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services