50257
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 178

بقلم إسماعين تماووست
ليس أصعب على الإنسان من أن يحمل في قلبه أسرارًا يعلم يقينًا أنها لن تُقال.
ليس خوفًا… بل احترامًا للدم، ووفاءً لأولئك الذين رحلوا وهم يرمقونه بنظرات الرجاء.
في حياة رجال الظل، هناك لحظات لا تُكتب، ولا تُروى، ولا تصل حتى إلى حكايات المتعبين في المقاهي..
لحظات تشبه الندوب القديمة… لا تظهر للعين، لكنها توجع الروح كلما مرّت بها الذكرى.
كنت أشاهد أصدقاء الأمس يسقطون واحدًا تلو الآخر، لا برصاص العدو وحده، بل بثقل الخيانة، وضياع المبادئ.
وكلما اتسعت مساحة الغدر، ضاق صدري أكثر.
فأنا الذي أقسمت يومًا أن أكون صادقًا مع قضيتي… لا أملك حتى الحق في البكاء.
تعلمت أن الدموع عند رجال الظل ترفٌ لا يليق،
وأن الحزن يُدفن مع الجثث التي نواريها في الليل، بلا شاهدة، بلا وداع.
كثيرًا ما تمنيت لو أملك ترف أن أشكو، أن أصرخ.
لكن من يشكو، لمن يشكو؟
وكل الأبواب موصدة في وجه من تعلّم أن لا ينتظر مكافأة ولا عزاء.
الأسرار…
هي أمانات ثقيلة.
إن أفصحت عنها خنت، وإن صمتّ نزفت من الداخل حتى يصير القلب هشيمًا.
لا أحد يعرف كم من الوجوه الزائفة صافحتها مجبرًا.
كم من الأيدي الملطخة دمًا وضعت يدي فيها مضطرًا.
كم من الخيانات تغاضيت عنها، ليس جبنًا…
بل لأن بعض المعارك تُخاض بالصمت.
وبعض الانتصارات لا يُعلن عنها.
كنت أدرك دائمًا أني أمشي فوق حبلٍ مشدود فوق هاوية.
خطوة واحدة خاطئة، كفيلة أن تجعلني رقمًا جديدًا في سجل الغائبين.
لكن رغم ذلك…
لم أرتجف.
لا لأني لا أخاف… بل لأن الخوف لا مكان له حين يصبح الوطن على المحك.
أصعب ما في الأمر أن تنام وأنت تعلم أن يدًا غادرة قد تطالك في أي لحظة.
أن تحيي وجوهًا تعرف أنها تُدبّر لك موتك.
ومع ذلك… تبتسم.
تمضي.
وتحمل سرّك معك.
لست بطلًا…
ولا أزعم أنني كنت ذلك الرجل المثالي الذي لا يخطئ.
لكني كنت مخلصًا لفكرة،
مؤمنًا أن الوطن يُبنى على أكتاف من يتحمّلون أن يكونوا غير مرئيين.
اليوم، وبعد أن تساقطت أوراق الحكاية،
لا يزال في صدري الكثير.
كلمات لو خرجت… لأحرقت.
وأسرار لو قيلت… لقلبت موائد كثيرة.
لكني أعلم أن بعض الأمانات لا يُفرَّط فيها،
وأن من ماتوا وهم يحملون أسماءً في صدري…
يستحقون أن أبقى صامتًا.
ذلك الصمت…
هو أثقل سلاح حملته في حياتي....
لدى الإنسان ذاكرة ظالمة.
تختار أن تحتفظ بما يوجع، وتمحو ما يبهج.
في كل ليلة، حين يهدأ صخب المدينة،
ويغفو الناس على وسائدهم الدافئة،
أجلس أنا في عتمة غرفتي،
وأحاول أن أساوم الذاكرة.
أرغب أن أنسى، لكنها تأبى.
تمرّ أمام عيني وجوه أعرف أنها فارقت الحياة منذ زمن،
أسمع ضحكات رفاق لن تعود،
وأتذكر تفاصيل وجوه أعداء كنت أعرف أن كل منهم يحمل موتي في جيبه.
عجيب أمر الذاكرة…
لا تحتفظ بكلمات الحبّ القليلة التي سمعتها،
ولا بمصافحات الإخلاص النادرة،
لكنها تصرّ أن تحفظ لحظات الدم،
ورائحة البارود،
وارتجاف الأيادي ساعة الاغتيال.
كل ركن في هذه المدينة يخبئ لي ذكرى.
هناك، عند زقاق ضيق في الحي القديم،
أذكر كيف اختبأنا لساعات،
وكانت قلوبنا تدقّ كطبول حرب.
وفي شارع آخر،
أتذكر صراخ امرأة تسحب ابنها من بين أيدينا،
تصرخ: "خليه… راه صغير!"
وكان صغيرًا…
لكن الرصاص لا يعترف بالأعمار.
أدركت مع الوقت أن رجال الظل لا يحملون سجلات لحياتهم.
لا صور جماعية، ولا فيديوهات لحفلات،
لا ألبومات لذكريات طيبة.
كل ما نملك…
مشاهد متقطعة
كفواصل دامية في شريط قديم.
صرت أخشى أن أنسى أسماءهم.
أن تبتلعهم الذاكرة المهترئة كما ابتلعت غيرهم.
ولهذا أكتب.
أسجّل.
أرسمهم على الورق لأنني أخشى أن يضيعوا.
تعلمت أن الموت لا يأخذ الأجساد فقط،
بل يمحو آثار الخطى،
وصدى الأصوات.
وأنا رجل لا يخاف الموت…
لكنني أخاف النسيان.
أن يتحوّل رفاقي إلى مجرد أرقام،
أن يصير نزفهم هامشًا في كتاب التاريخ.
وحين يحدث ذلك…
حين يُمحى اسم الشهيد من جدار مدرسته،
ويُنسى وجهه بين صور الموتى،
يموت للمرة الثانية.
لهذا كنت أقف في صمت أمام كل قبر صديق فقدته،
وأهمس باسمه…
فقط كي يبقى حيًّا في صدري.
لهذا أكتب…
لا لأحصل على مجد،
ولا لأُرضي أحدًا.
بل لأن الكتابة هي معركتي الأخيرة ضد النسيان..
"ثمّة أوجاع لا تحتاج إلى صراخ… يكفي أن تمرّ بنا خلسة لتترك فينا ما يشبه النحيب الصامت."
منذ أن كتبت أولى سطوري عن تلك الأيام، أدركت أنني لا أروي حكاية رجل أمن فقط، بل أسجّل جزءًا من تاريخ وطن وُلد من رحم النار، ونجا بأعجوبة من أنياب الظلام. كنت أعلم أن الحكايات العظيمة، غالبًا ما تظل حبيسة صدور أصحابها، لأن لا أحد يجرؤ على أن يقول الحقيقة كاملة.
لم يكن العدو يرتدي دومًا زيًّا مموّهًا ولا يرفع سلاحًا في وجهك. أحيانًا كان يتخفّى في شكل جار مبتسم، أو قريب يدسّ الخنجر بابتسامة باردة. والأصعب من مواجهته، أن تظل حارسًا على بوابة الحقيقة، تعرف الأسماء والوجوه، لكنك تضطر للصمت، لأن بعض الحروب تُخاض في العتمة.
تعلمت حينها أن البطولة الحقيقية ليست في أن تطلق النار، بل أن تعرف متى تكتمها. أن تمشي بين الناس وفي قلبك ألف مأتم، وتبقى متماسكًا. أن تنام وأنت تعرف أن رأسك مطلوب، وتنهض في الغد لتواصل الدفاع عن وطنك بنفس العزيمة.
الحياة كانت في ذلك الزمن مسرحًا من الدم والخذلان. كنا نحفظ وجوه الشهداء كما نحفظ أسماءنا، ونُشيّع أصدقاءنا كما نودّع فصول السنة. كان الفقد يتربص بنا عند كل زاوية، والذاكرة مثقلة بما لا يُقال.
أدركت لاحقًا أن أصعب انتصار، هو أن تحافظ على إنسانيتك وسط جحيم العنف. أن تبتسم لطفل يمرّ بجانبك دون أن ترتاب من الظل الذي خلفه. أن تحافظ على لون السماء في عينيك، حين تتكالب السواد حولك.
حتى الكتابة، لم تكن فعل ترف، بل مقاومة صامتة. كنت أكتب كي لا أموت مرتين: مرة حين يسقط الجسد، ومرة حين يُدفن الاسم في زوايا النسيان. وكل حرف دوّنته، كان بمثابة اعتذار مؤجل لأرواح الرفاق الذين غادروا دون ضجيج.
في معركة الظلام تلك، كان العدو يتكاثر من رحم الطمع والخيانة، والرفاق يتساقطون كأوراق الخريف. وكأن الموت قرر أن يقيم بيننا طويلاً. لم نكن نعدّ الشهداء بالأرقام، بل نحفظهم بالأسماء والقصص. لأن كل واحد منهم كان شجرة سقطت قبل أوانها.
اليوم، وأنا أكتب من عزلتي، لا أسعى لأن أكون بطلًا في ذاكرة أحد. يكفيني أن أكون شاهدًا لم يخن الحكاية، ولم يُزيّف وجعها.
هكذا علمتني تلك الأيام… أن الوطن لا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يُدفع من أجله. أن الحبّ الحقيقي، هو أن تمنح ما تستطيع لمن تحب، حتى لو كان المقابل حفنة من النسيان.
ولأنني لست ممن يطلب المجد، ولا يسعى للثناء، أكتفي بأن أترك هذه الكلمات شاهدة، على زمن كان فيه الصمت خيانة، والصدق عقوبة، والحقيقة أقصر طريق إلى المقصلة.
في كل سطر أكتبه، أدفن وجعًا، وأحمل دعاءً… لمن لا تزال أرواحهم عالقة في زوايا الطرقات التي عانقت دماءهم.
وختامًا… "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ" [آل عمران: 169]
لأنهم لا يموتون… بل يظلّون أحياء في القلوب التي لم تنس...
.يتبع

