51

0

رصد مآثره في ذكرى يوم العلم 16 أفريل: العلامة عبد الحميد بن باديس شخصية عابرة للأجيال

بقلم: سعيد بن عياد
 
يوم العلم الذي يصادف الـ16 أفريل من كل عام هو موعد تتقاطع فيه انجازات الآباء حراس الهوية الوطنية وتطلعات الأجيال في عالم تهيمن عليه وسائط التكنولوجيات الجديدة فارضة قواعدها وسلطانها مما يستدعي الرفع من وتيرة ترسيخ العلوم بكل فروعه في المجتمع.

تحيي الجزائر اليوم الذكرى 86 لوفاة العلامة عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الإصلاحية ومؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وقد اعتمدت الجزائر المستقلة سنة 1976 في ذكرى، تاريخ وفاته يوما للعلم بمرسوم وقعه الرئيس الراحل هواري بومدين، ترسيخا لقيمة العلم باعتباره مفتاح المستقبل وصمام الأمان في مواجهة تحديات العولمة إضافة للحفاظ على مآثر الرجل ونضالاته ضد الأمية والجهل الذي طبقه الاستعمار الفرنسي كسياسة ممنهجة قصد التحكم في الإنسان وجعله يعيش على الهامش بدءا من محاولات يائسة لضرب ركائز الهوية الجزائرية.
لقد اشتغل عبد الحميد بن باديس منذ نعومة أظافره على إرساء مقاربة جزائرية لحماية مقومات الهوية الجزائرية متحديا برامج ومخططات الإدارة الاستعمارية الفرنسية وأذنابها. وفي هذا الإطار خاض معارك جريئة مدافعا عن مكونات الهوية الجزائرية ورفض الخضوع لمخططات الانسلاخ والاندماج. وارتكز في معركته الحاسمة مجردا من الإمكانيات على الحضور في الشارع والعمل الجواري من خلال التعليم المفتوح للذكور والإناث مراهنا على بناء جيل جديد يمكنه حمل الرسالة بمعناها الشامل الإصلاحي والتحرري لدحر الاستعمار.
موازاة مع الحركة النضالية السياسية الوطنية التي بدأت تتبلور بشكل أكثر صلابة سهر ابن باديس الذي وُلد في 4 ديسمبر 1889 بمدينة قسنطينة، على إعداد العنصر البشري الواعي والمدرك للتحديات يومها وأبرزها رفض الخضوع للأمر الواقع الذي شرعت فرنسا الاستعمارية منذ بداية الاحتلال على تكريسه بالقوة ونشر البدع والإغراء. 
في 5 ماي 1931 رفع منسوب المقاومة عبر الإصلاح من بوابة التعليم والتربية بتأسيس رفقة ثلة من اخوانه العلماء، على غرار البشير الإبراهيمي والطيب العقبي ومبارك الميلي، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وتولي قيادتها، تعبيرا عن رفض الوجود الاستعماري بعد مرور قرن من الإبادة والنهب واستهداف الهوية الجزائرية بمكوناتها. 
لقد شكل شعار الجمعية، الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا، بوصلة أنارت الطريق مجددا أمام الأجيال الناشئة واضعا حدا للتشكيك،  الأمر الذي شعر به قادة الاحتلال بأن ساعة الرحيل دقت. ولقناعته ورفاقه بان المناخ الاجتماعي العام يومها لم يكن يؤهل الجزائريين للثورة على الوجود الاستعماري المتحكم بالعنف والتمييز والتجهيل بالإنسان،  راهنوا على إطلاق مسار إصلاحي شامل تحت راية العلم جوهره العقيدة الإسلامية واللغة العربية بهدف توقيع القطيعة مع المجتمع الأوروبي الغازي والبقاء على مسافة بعيدة من الإدارة الاستعمارية من جانب والتصدي للبدع التي الصقها المستعمر بالدين الإسلامي باعتباره الحاضنة القوية للهوية الجزائرية. 
وسارعت الإدارة الاستعمارية الغاشمة الى مطاردة العلامة وكل من انخرط في مسار المواجهة الناعمة والفعالة مدركة أن جيلا جديدا سوف ينمو ويترعرع ويترجم تلك الإرادة إلى أفعال ضمن مشروع تحرري وهو ما تجسد بعد عشريتين بتبلور معالم ثورة أول نوفمبر المجيدة التي وجدت مجتمعا جزائريا ناضجا وجاهزا لتحمل المسؤولية التاريخية.
ابن باديس لم يكلّ ولم يتعب، فقد انخرط في تلك المعركة الحاسمة بكل قوته الذهنية والفكرية مستثمرا كل لحظة في انجاز التحول المجتمعي عبر التربية والتعليم وإصداره شخصيا جرائد مثل المنتقد والشهاب ومشاركته في تحرير صحف للجمعية مثل السنة والصراط والبصائر، محملة برسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مستغلا كل ثغرة في المنظومة الاستدمارية الفرنسية لرص الصف الوطني وبناء جيل يتمتع بمناعة وطنية قلبها النابض الهوية الجزائرية. 
لقد نال منه العناء والتعب وزاده تشددا رد الفعل الاستعماري المتسم بالمطاردة والمراقبة والتحريض عليه دون أن يتراجع قيد أنملة عن رفع التحدي الكبير وقد لمس ثمار معركته الحاسمة التي امتدت إلى مختلف ربوع الوطن وبالذات إلى مدينة الجزائر العاصمة التي كان يسافر إليها بالقطار مرة كل نهاية أسبوع ناشرا أفكاره الإصلاحية قبل أن تنتهي رحلته في خدمة الشعب الجزائري والجزائر في 16 أفريل 1940 عن عمر ناهز الـ 51 سنة كرسها لنشر العلم والتربية ومقاومة الاستعمار. 
وبمرور الزمن لا تزال رسالة العلامة عبد الحميد بن باديس بوصلة للأجيال باعتبار العلم بكل مكوناته وخاصة التكنولوجيات الجديد، يبقى المسلك الأكثر جدوى للتمتع بقدرات ومؤهلات مواجهة التحديات في عالم تبرز فيه قوى الهيمنة والابتزاز واستهداف البلدان الناشئة. ولذلك سخرت الدولة الجزائرية مباشرة بعد استرجاع السيادة الوطنية، بفضل ثورة عارمة بالدم والمعاناة والصبر والتعذيب خاضها جيل نوفمبر ببسالة مشهود لها في العالم، موارد وإمكانيات هائلة للتربية والتعليم أبرز معالمها مجانية التعليم الذي يكرسه الدستور كأحد معالم الاستقلال وبناء الإنسان المحصن بهويته الجزائرية.
لذلك فان إحياء ذكرى يوم العلم اليوم تتجاوز بكثير مجرد الوقوف عند خلفيتها التاريخية بل تمتد إلى الغوص في نضالات شخصية عبد الحميد بن باديس الإصلاحي والمتبصر ورصد مآثره ومآثر رفاقه لنقلها للأجيال الجديدة قصد تعزيز ركائز الهوية وترجمتها في الحياة اليومية خاصة في طلب العلم وصقل المواهب وإبراز الكفاءات وتقدير التفوق. إنه التحدي الأول في عالم اليوم الذي يشهد استقطاب القوى الكبرى للأدمغة باعتبار المادة الخام المنتجة للابتكار والإبداع والاختراع أصبحت في صلب معادلة التطور والهيمنة سواء في الاقتصاد أو الفكر الإنساني أو العلوم العسكرية أو التكنولوجيات الجديدة،  ويبقى التاريخ والذاكرة قلبها النابض حتى لا تنحرف البوصلة الأصلية للمجتمع الجزائري.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services