285

0

رجل المواقف الصعبة يترجل

اليمين زروال في ذمة الله: رئيس صنع الإستثناء في تاريخ الجزائر

"ستخرج الجزائر من محنتها وتقف على رجليها، ويأتي اليوم الذي تأتون فيه طارقين بابنا الواحد تلو الآخر" — هكذا وعد الرئيس الأسبق المجاهد اليمين زروال شعبه في أحلك الظروف، وكان وفياً لوعده.

 

ضياء الدين سعداوي 

 

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقى الشعب الجزائري نبأ وفاة أحد أبرز رجالات الجزائر الحديثة، رئيس الجمهورية الأسبق المجاهد اليمين زروال، الذي وافته المنية ليلة السبت 28 مارس 2026 عن عمر ناهز 84 عاماً ، بعد صراع مع مرض عضال في المستشفى العسكري محمد الصغير نقاش بالعاصمة.

 

من جبال الأوراس إلى قيادة الدولة

 

ولد الفقيد في 3 جويلية 1941 بمدينة باتنة، وسط بيئة أوراسية عُرفت بالنضال والصلابة. التحق بصفوف جيش التحرير الوطني وعمره لم يتجاوز السادسة عشرة، ليكون واحداً من صناع ملحمة الإستقلال في الولاية الأولى التاريخية.

 

بعد الإستقلال، واصل مسيرته العسكرية متدرجا في المناصب القيادية، فتولى قيادة المدرسة العسكرية بباتنة، ثم الأكاديمية العسكرية بشرشال، فالنواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة، وصولاً إلى منصب قائد القوات البرية. تلقى تكويناً عسكرياً  متقدمًا في الإتحاد السوفيتي والمدرسة الحربية الفرنسية، ما أهله ليكون قائداً عسكرياً محنكاً

 

رئاسة في زمن العاصفة

 

في 30 جانفي 1994، وتحت وطأة أخطر أزمة أمنية وسياسية عرفتها الجزائر، تم تعيينه رئيساً للدولة. كانت البلاد تغرق في دوامة العنف، والمؤسسات مهددة بالانهيار، لكن زروال قبل التحدي متسلحاً برزانة العسكري وثبات المجاهد.

 

لم تكن رئاسته مجرد فترة انتقالية عابرة، بل قاد فيها سفينة الوطن عبر أخطر الأمواج. انتخب في 16 نوفمبر 1995 في أول إنتخابات رئاسية تعددية في تاريخ الجزائر، ليكسب شرعية شعبية عززت موقفه في مواجهة التحديات.

 

إنجازات تليق بالرجل

 

في عهده، أطلق "قانون الرحمة" الذي فتح باب التوبة أمام المسلحين، وأقر دستور 1996 الذي أسس لغرفتين في البرلمان وحدد العهدات الرئاسية. كان رافضاً للتدخلات الأجنبية في الشأن الوطني، واشتهر بموقفه الشجاع عندما رفض لقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك في ظل شروط مهينة.

 

لكن أبرز ما يميز مسيرته السياسية هو قراره الطوعي بتقصير عهدته والانسحاب من السلطة في 11 سبتمبر 1998، حين أعلن تنظيم إنتخابات رئاسية مسبقة، مغادرا قصر الرئاسة في 27 أفريل 1999. قالها صريحة: "لم آت إلى السلطة بحثاً عن المجد أو المنصب، بل جئت لأخدم الجزائر في ظرف صعب، وسأغادرها عندما أرى أن مصلحة البلاد تقتضي ذلك".

 

الزاهد في منصبه

 

بعد تسليم السلطة، عاد إلى بيته المتواضع في مسقط رأسه بباتنة، يعيش حياة المواطن البسيط، يتجول في شوارعها دون حراسة، رافضاً كل الإمتيازات التي قدمها له المنصب. تنازل عن سيارة فاخرة وفيلا في العاصمة، واختار حياة الزهد التي جعلته نموذجاً نادراً في العالم العربي.

 

حتى في اعتزاله، ظل مخلصاً للوطن. حين نودي للترشح عام 2009 قال: "لست طامعا في منصب أو مسؤولية، ولكنني أعتبر نفسي ابن هذا الشعب، وإذا كان الشعب بحاجة إلي، فإنني مستعد لتلبية ندائه" (تصريح نقلته الصحافة في 6 جانفي 2009، قبل أن يصدر بيان رفض الترشح بتاريخ 16 من الشهر نفسه).

 

هذا التصريح الذي نقلته الصحافة في مطلع جانفي 2009، جاء في سياق الحديث عن إمكانية تلبية نداء شعبي لخوض الإنتخابات الرئاسية، قبل أن يصدر الفقيد بعد أيام قليلة بياناً رسمياً يرفض فيه الترشح نهائيا، مؤكداً تمسكه بالتداول السلمي للسلطة وتخليه عن العمل السياسي. لكن العبارة تبقى شاهدة على روحه الوطنية التي لم تكن تأبه بالمنصب بقدر ما كانت تنظر إلى واجبها تجاه الوطن متى استدعت الحاجة.

 

رحيل الجسد وبقاء الأثر

 

رحل اليمين زروال، لكنه ترك إرثاً نادراً في تاريخ الجزائر الحديث، رئيس حكم في أصعب الظروف، ثم تنازل طواعية عن السلطة، وعاش كمواطن بسيط. نعته رئاسة الجمهورية في بيان رسمي، وأعلنت الحداد الوطني لثلاثة أيام.

 

رحل "رجل المواقف الصعبة" كما لقبه الجزائريون، لكنه يبقى شاهداً على أن الوطنية ليست شعارات، بل أفعال، وأن القيادة الحقيقية هي خدمة الوطن ثم العودة إلى صفوف الشعب دون تطلع للكرسي.

 

إنا لله وإنا إليه راجعون. رحم الله الفقيد بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه والشعب الجزائري الصبر والسلوان.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services