47

0

"وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْۖ".. عنوان خطبة الجمعة من جامع الجزائر

بواسطة: بركة نيوز

تناول خطيب جامع الجزائر ، الأُسْتَاذُ الدُّكْتُور عِماد بْن عَامِر، اليوم، خلال خطبة الجمعة موضوع الصفح والغفران.

ماريا لعجال 

وجاءت الخطبتين على النحو التالي: 

الخُطْبَةُ الأُولَى:

الحَمْدُ لِلَّهِ الكَرِيمِ المَنَّانِ، ذِي العَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالغُفْرَانِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَمْدًا يَلِيقُ بِوَجْهِ رَبِّنَا الرَّحْمٰنِ،

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، شَهَادَةَ حَقٍّ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمَ نَصْبِ المِيزَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَفْضَلُ مَنْ تَمَثَّلَ أَخْلَاقَ القُرْآنِ، فَصَدَقَ وَعَفَا وَأَصْلَحَ وَتَجَاوَزَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ مِنْ أَعْدَاءٍ وَخِلَّانٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَزَوْجِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، مَا تَعَاقَبَ المَلَوَانِ. أَلَا وَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالإِعْلَانِ، وَخُذُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَتَجَاوَزُوا عَمَّا بَدَرَ مِنْهُمْ مِنْ تَقْصِيرٍ أَوْ إِسَاءَةٍ أَوْ عُدْوَانٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التِّبْيَانِ:{يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ اُ۪تَّقُواْ اُ۬للَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٞ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٖۖ وَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعْمَلُونَۖ ١٨} [سورة الحشر:18].، أَلَا وَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَبَعْدُ: فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ:{وَلَا يَاتَلِ أُوْلُواْ اُ۬لْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُّوتُوٓاْ أُوْلِے اِ۬لْقُرْب۪يٰ وَالْمَسَٰكِينَ وَالْمُهَٰجِرِينَ فِے سَبِيلِ اِ۬للَّهِۖ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْۖ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌۖ ٢٢} [سورة النور:22].

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ: لَقَدْ وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِي قِصَّةِ الإِفْكِ، مِنْ طَرِيقِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَمِمَّا جَاءَ فِيهِ": لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ فِي بَرَاءَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا الآيَاتِ العَشْرَ مِنْ سُورَةِ النُّورِ: {۞ اِنَّ اَ۬لذِينَ جَآءُو بِالِافْكِ عُصْبَةٞ مِّنكُمْ لَا تَحْسِبُوهُ شَرّاٗ لَّكُمۖ ١١} قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مُسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ –: وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مُسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللهُ الآيَةَ: {وَلَا يَاتَلِ أُوْلُواْ اُ۬لْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُّوتُوٓاْ أُوْلِے اِ۬لْقُرْب۪يٰ وَالْمَسَٰكِينَ وَالْمُهَٰجِرِينَ فِے سَبِيلِ اِ۬للَّهِۖ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْۖ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌۖ ٢٢} [سورة النور:22]. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللهِ! إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مُسْطَحٍ بِالنَّفَقَةِ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا"

وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْۖ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌۖ

عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ صُدِّرَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِنَهْيِ أُولِي الفَضْلِ وَالسَّعَةِ أَنْ يَقْطَعُوا نَفَقَاتِهِمْ عَنْ ذَوِي القَرَابَةِ وَالمَسَاكِينِ وَالمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالسِّرُّ فِي تَقْدِيمِ صِفَةِ الفَضْلِ عَلَى صِفَةِ السَّعَةِ، أَنَّ الفَضْلَ صِفَةٌ تُوجِبُ الكَرَمَ وَالصَّفْحَ وَسَائِرَ المَعَانِي الحَسَنَةِ وَالخِلَالِ الحَمِيدَةِ، أَمَّا السَّعَةُ وَالغِنَى فَإِنَّهُمَا لَا يُوجِبَانِ صِفَاتٍ حَسَنَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُمَا فَاضِلًا، فَكَانَ الفَضْلُ مُقَدَّمًا عَلَى الغِنَى فِي هَذَا الخِطَابِ الرَّبَّانِيِّ. ثُمَّ أَمَرَتِ الآيَةُ المُؤْمِنِينَ بِالعَفْوِ وَالصَّفْحِ، لِنَيْلِ مَغْفِرَةِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ.

وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْۖ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌۖ

أَيُّهَا المُتَدَبِّرُونَ لِكَلَامِ اللهِ تَعَالَى: إِنَّ الأَمْرَ بِالعَفْوِ وَالصَّفْحِ يَدُلُّ دَلَالَةً قَاطِعَةً عَلَى أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ فِي المَعْنَى وَإِنِ اقْتَرَبَا. فَأَمَّا العَفْوُ: فَمُشْتَقٌّ مِنَ المَحْوِ، إِذْ يُقَالُ: عَفَا الأَثَرُ، إِذَا مُحِيَ، وَأَمَّا فِي اِصْطِلَاحِ الشَّرْعِ فَهُوَ: ) إِسْقَاطُ العُقُوبَةِ، وَتَرْكُ المُؤَاخَذَةِ عَلَى الذَّنْبِ، مَعَ القُدْرَةِ عَلَى إِنْفَاذِهَا، وَقَدْ يَبْقَى أَثَرُ الغُصَّةِ فِي النَّفْسِ أَحْيَانًا. (

وَأَمَّا الصَّفْحُ: فَفِي أَصْلِ اللُّغَةِ: الإِعْرَاضُ عَنِ الإِسَاءَةِ، وَفِي اِصْطِلَاحِ الشَّرْعِ: )مَحْوُ أَثَرِ الذَّنْبِ وَالإِسَاءَةِ مِنَ النَّفْسِ وَالقَلْبِ، وَعَدَمُ التَّذْكِيرِ بِهِ، وَتَرْكُ التَّثْرِيبِ عَلَيْهِ وَلَوْمِهِ( فَيَكُونُ الصَّفْحُ أَبْلَغَ مِنَ العَفْوِ، وَأَرْفَعَ مِنْهُ دَرَجَةً.وَأَمَّا المَغْفِرَةُ: فَمُشْتَقَّةٌ مِنَ الغَفْرِ أَيِ السَّتْرِ، وَمِنْهُ المِغْفَرُ الَّذِي يَلْبَسُهُ المُحَارِبُ لِيَسْتُرَ رَأْسَهُ، وَفِي اِصْطِلَاحِ الشَّرْعِ:).سَتْرُ الذَّنْبِ، وَعَدَمُ إِظْهَارِ الإِسَاءَةِ، مَعَ تَرْكِ العُقُوبَةِ( وَلِذَا كَانَتِ المَغْفِرَةُ مِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ الكَمَالِ الَّتِي اخْتَصَّ اللهُ تَعَالَى بِهَا نَفْسَهُ.

وَمِنْ أَجْمَلِ مَا قِيلَ فِي مَعَانِي هَذِهِ الأَلْفَاظِ إِذَا اجْتَمَعَتْ»: العَفْوُ يَرْفَعُ العُقُوبَةَ، وَالصَّفْحُ يَرْفَعُ اللَّوْمَ عَلَيْهَا، وَالمَغْفِرَةُ تَسْتُرُ الذَّنْبَ وَتَمْحُو أَثَرَهُ بِالكُلِّيَّةِ، وَهِيَ أَرْفَعُ المَرَاتِبِ«.

وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْۖ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌۖ

أَهْلَ الإِيمَانِ: إِنَّ أَعْلَى دَرَجَاتِ الدِّينِ مَرْتَبَةُ الإِحْسَانِ، وَإِنَّ مِنْ أَشْرَفِ مَرَاتِبِ الإِحْسَانِ مَرْتَبَةَ الصَّفْحِ وَالعَفْوِ، وَلِعَظِيمِ قَدْرِهَا وَشَرِيفِ مَنْزِلَتِهَا، فَقَدْ أَمَرَ بِهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ المُطَهَّرَةُ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَفِي مَلَابِسَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ، فِي مَعْرِضِ الحَدِيثِ عَنْ صِفَاتِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ بِصَالِحِ فِعَالِهِمْ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَمَغْفِرَةِ الرَّبِّ الكَرِيمِ، فَقَالَ تَعَالَى: {۞ سَارِعُوٓاْ إِلَيٰ مَغْفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا اَ۬لسَّمَٰوَٰتُ وَالَارْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ١٣٣ اَ۬لذِينَ يُنفِقُونَ فِے اِ۬لسَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَٰظِمِينَ اَ۬لْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ اِ۬لنَّاسِۖ وَاللَّهُ يُحِبُّ اُ۬لْمُحْسِنِينَۖ ١٣٤ اَ۬لذِينَ يُنفِقُونَ فِے اِ۬لسَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَٰظِمِينَ اَ۬لْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ اِ۬لنَّاسِۖ وَاللَّهُ يُحِبُّ اُ۬لْمُحْسِنِينَۖ ١٣٤}

وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّورَى: {وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثْلُهَاۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَي اَ۬للَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ اُ۬لظَّٰلِمِينَۖ ٣٧} إلى أن قال تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اِ۬لُامُورِۖ ٤٠} [سورة الشورى:40-37 ]. وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: »مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ. « وَفِي المُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَبَدَرْتُهُ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَبَدَرَنِي فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: »يَا عُقْبَةُ بْنَ عَامِرٍ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ. «

وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْۖ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌۖ

أُمَّةَ الخَيْرِيَّةِ: لَقَدْ ضَرَبَتِ الصَّفْوَةُ مِنَ الخَلْقِ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ فِي الحِلْمِ وَكَظْمِ الغَيْظِ وَالعَفْوِ عَنِ المُسِيئِينَ. فَهَذَا نَبِيُّ اللهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَصْفَحُ عَنْ إِخْوَتِهِ الَّذِينَ أَلْقَوْهُ فِي الجُبِّ، وَأَبْعَدُوهُ عَنْ أَبِيهِ يَعْقُوبَ سِنِينَ عَدَدًا، قَائِلًا لَهُمْ:{قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اُ۬لْيَوْمَۖ يَغْفِرُ اُ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَهُوَ أَرْحَمُ اُ۬لرَّٰحِمِينَۖ ٩٢} [سورة يوسف:92]. وَهَذَا نَبِيُّ المَرْحَمَةِ ﷺ يَقْتَبِسُ مِنْ أَنْوَارِ كَرَمِ أَخِيهِ يُوسُفَ وَعَفْوِهِ، فَيَقُولُ لِأَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ كَمَا جَاءَ فِي السِّيَرِ: »أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ« وَلَقِيَ رَجُلٌ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فَسَبَّهُ، فَهَمَّتْ بِهِ العَبِيدُ، فَقَالَ: مَهْلًا. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرَّجُلِ فَقَالَ:مَا سُتِرَ عَنْكَ مِنْ أَمْرِنَا أَكْثَرُ، أَلَكَ حَاجَةٌ نُعِينُكَ عَلَيْهَا؟ فَاسْتَحْيَا الرَّجُلُ، فَأَلْقَى عَلَيْهِ خَمِيصَةً، وَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنْ أَوْلَادِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْۖ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌۖ

يَا أَهْلَ التَّجَاوُزِ وَالصَّفْحِ: إِنَّ دِينَنَا الحَنِيفَ يَنْدُبُنَا إِلَى التَّحَلِّي بِصِفَاتِ الجُودِ وَالكَرَمِ وَالعَطَاءِ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا: التَّجَاوُزُ وَالعَفْوُ وَالصَّفْحُ. وَمِنْ كَرَمِ اللهِ أَنْ جَعَلَ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ؛ فَمَنْ لَانَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ، وَعَامَلَهُمْ بِالعَفْوِ، وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُمْ، عَامَلَهُ اللهُ بِمِثْلِ مَا عَامَلَ الخَلْقَ. وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: »أَتَى اللهُ بِعَبْدٍ آتَاهُ مَالًا، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ آتَيْتَنِي مَالًا، فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، وَكَانَ مِنْ خُلُقِي السَّهْلُ، فَأَتَيَسَّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأَنْظُرُ المُعْسِرَ. فَقَالَ اللهُ: أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ؛ تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي «فَتَجَاوَزُوا عِبَادَ اللهِ عَنِ المُسِيئِينَ، وَاعْفُوا عَنِ المُذْنِبِينَ، وَاصْفَحُوا عَنِ المُخْطِئِينَ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا؛ تُنَالُوا الثَّوَابَ الجَزِيلَ، وَالعَطَاءَ العَمِيمَ، وَالرِّفْعَةَ يَوْمَ الدِّينِ. وَيَبْقَى لَكُمْ ذِكْرٌ حَسَنٌ، وَلِسَانُ صِدْقٍ فِي الآخَرِينَ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الحَلِيمَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، وَيَا فَوْزَ المُسْتَغْفِرِينَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ.

الخطبة الثانية

الحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى، وَمَنْ بِآثَارِهِ اقْتَفَى، وَبِعَهْدِ اللَّهِ وَفَّى، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ كُنَّا وَقَفْنَا –عِبَادَ اللَّهِ– عَلَى حَقِيقَةِ خُلُقَيِ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ مِنَ الْمَنْظُورِ الشَّرْعِيِّ، ثُمَّ عَلِمْنَا يَقِينًا فَضْلَ الْعُرُوجِ إِلَى هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ، وَمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِمَنْ تَحَلَّى بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، ثُمَّ عَرَّجْنَا عَلَى أَرْوَعِ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي ضَرَبَهَا الصَّفْوَةُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلِصِينَ.

أُمَّةَ الصَّفْحِ وَالْعَفْوِ: إِنَّ مُجْتَمَعَاتِنَا الْيَوْمَ لَتَعِيشُ تَدَهْوُرًا كَبِيرًا فِي سُلَّمِ الْقِيَمِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْمُثُلِ، فَهَلْ مِنِ اسْتِفَاقَةٍ سَرِيعَةٍ مِنْ هَذِهِ الْغَفْلَةِ الطَّوِيلَةِ؟ وَهَلْ مِنِ انْتِفَاضَةٍ عَلَى هَذِهِ الانْتِكَاسَةِ الْخَطِيرَةِ؟ ثُمَّ لِنَسْأَلْ أَنْفُسَنَا بِصَرَاحَةٍ: مَا مَحَلُّ هَذَيْنِ الْخُلُقَيْنِ فِي سُلُوكِيَّاتِنَا؟ وَهَلْ لَنَا نَصِيبٌ مِنْهُمَا فِي تَعَامُلَاتِنَا؟

 يَا مَنْ اخْتَلَفْتُمْ عَلَى مِيرَاثٍ دُنْيَوِيٍّ فَانٍ، أَوْ تَرِكَةٍ مَادِّيَّةٍ زَائِلَةٍ، هَلَّا تَصَالَحْتُمْ عَلَى قِسْمَتِهِ بِالتَّرَاضِي، فَتَجَاوَزَ بَعْضُكُمْ حُظُوظَ نَفْسِهِ فِي التَّمَلُّكِ، وَآثَرَ أَخَاهُ أَوْ أُخْتَهُ بِالنَّصِيبِ الأَوْفَرِ، وَحَافَظَ عَلَى رَحِمِ الْقَرَابَةِ مُتَمَاسِكَةً، مُبْتَغِيًا الأَجْرَ الْوَفِيرَ عِنْدَ اللَّهِ، طَامِعًا فِي تَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ خَطَايَاهُ؟

 يَا مَنْ تَعَامَلْتُمْ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِهِمَا، هَلَّا تَقَاضَيْتُمْ قَضَاءً حَسَنًا، وَتَجَاوَزَ بَعْضُكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ حَقِّهِ، حِفَاظًا لِرَابِطَةِ الأُخُوَّةِ الإِيمَانِيَّةِ، وَتَمْتِينًا لِلْعَلَاقَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، ابْتِغَاءَ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؟

 يَا مَنْ اخْتَلَفْتُمْ فِي رُؤَاكُمْ وَأَفْكَارِكُمْ –دِينِيًّا أَوِ اقْتِصَادِيًّا أَوِ اجْتِمَاعِيًّا أَوْ سِيَاسِيًّا–، هَلَّا تَعَاوَنْتُمْ فِيمَا اتَّفَقْتُمْ فِيهِ، وَعَذَرَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِيمَا تَبَايَنَتْ فِيهِ رُؤَاكُمْ؟

 يَا مَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَوَقَعْتُمْ فِي أَعْرَاضِ إِخْوَانِكُمْ سَبًّا وَشَتْمًا وَطَعْنًا وَلَمْزًا، هَلَّا تَجَاوَزْتُمْ أَحْقَادَكُمْ، وَطَهَّرْتُمْ أَفْئِدَتَكُمْ، وَعَفَوْتُمْ عَفْوَ الْمُقْتَدِرِ، فَنِلْتُمْ بِذَلِكَ عَفْوَ اللَّهِ وَمَغْفِرَتَهُ مِنْ فَوْقِكُمْ؟

وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْۖ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌۖ

يَا أَهْلَ الصِّدْقِ وَالتَّجَاوُزِ: لِنَبْدَأْ صَفْحَةً جَدِيدَةً مُشْرِقَةً، نَتَصَالَحُ فِيهَا مَعَ أَنْفُسِنَا أَوَّلًا، ثُمَّ نَنْطَلِقُ لِإِصْلَاحِ مَا انْكَسَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، مُطْلِقِينَ أَحْقَادَنَا، مُتَجَاوِزِينَ حُظُوظَ أَنْفُسِنَا، مُرْتَقِينَ إِلَى مَصَافِّ الْمَلَائِكَةِ الْأَطْهَارِ، حَاذِينَ قَوْلَ الْحَقِّ تَعَالَى:{وَلَا تَسْتَوِے اِ۬لْحَسَنَةُ وَلَا اَ۬لسَّيِّئَةُۖ اُ۪دْفَعْ بِالتِے هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا اَ۬لذِے بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞۖ ٣٣ وَمَا يُلَقّ۪يٰهَآ إِلَّا اَ۬لذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقّ۪يٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖۖ ٣٤} [سورة فصلت:34،33.].

وَلِلْمُقَنَّعِ الْكِنْدِيِّ فِي سُمُوِّ النُّفُوسِ قَوْلٌ بَدِيعٌ:

يُعاتِبُني في الدَّيْنِ قَوْمي وإنَّمـــــــــــا دُيونيَ في أشياءَ تُكْسِبُهُم حَمْدَا

أَسُدُّ بهِ ما قد أَخَلُّوا وضَيَّعُــــــــــــوا ثُغورَ حقوقٍ ما أطاقوا لها سَدًّا

وإنَّ الذي بيني وبينَ بَني أبـــــــــــــــي وبينَ بني عَمِّي لَمُخْتَلِفٌ جِدًّا

أراهم إلى نصري بُطاءً وإنْ هُـــــــــمُ دعَوْني إلى نَصْرٍ أتيتُهُم شَدًّا

فإن يَأكُلوا لحمي وَفَرْتُ لحومَهــــم وإن يَهْدِموا مجدي بَنَيْتُ لهم مَجْدًا

وإن ضَيَّعوا غَيْبي حَفِظْتُ غُيوبَهم وإنْ هُمُ هَوَوْا غَيِّي هَوَيْتُ لهم رُشْدَا

وإن زَجَروا طيرًا بِنَحْسٍ تَمُرُّ بــــــي زَجَرْتُ لهم طَيْرًا تَمُرُّ بهم سَعْدًا

ولا أَحْمِلُ الحِقْدَ القديمَ عليهــــمُ وليس كريمُ القومِ مَن يَحْمِلُ الحِقْدَا

لهم جُلُّ مالي إنْ تتابَعَ لي غِــــــــنًى وإنْ قَلَّ مالي لم أُكَلِّفْهُم رِفْدَا

وإني لَعَبْدُ الضيفِ ما دامَ نـــــازِلًا وما شِيمَةٌ لي غيرُها تُشْبِهُ العَبْدَا

وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْۖ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌۖ

عِبَادَ اللَّهِ: إِنِّي دَاعٍ فَأَمِّنُوا.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الإِصْلَاحَ فِي الْوَلَدِ، وَالْعَافِيَةَ فِي الْجَسَدِ، وَالأَمْنَ فِي الْبَلَدِ.

اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي أَرْضِ الرِّبَاطِ وَالاسْتِشْهَادِ –غَزَّةَ الْعِزَّةِ– وَفِي كُلِّ فِلَسْطِين.

اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُمْ، وَأَطْعِمْ جَائِعَهُمْ، وَاسْتُرْ عَارِيَهُمْ، وَآمِنْ خَائِفَهُمْ، وَتَقَبَّلْ شَهِيدَهُمْ، وَأَنْزِلْ نَصْرَكَ الْمُؤَزَّرَ الْمُبِينَ عَلَيْهِمْ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

وَسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.

 

 

 

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services