24

0

نسخة "مُشَلْفَطَةٌ" من مالك بن نبي

 

محمد مراح

 

حالة  للأسف الشديد في غالبها جزائرية، تتجه لتصبح ظاهرة ؛ تتمثل في  محاولة استنساخ صور لفكر مالك بن نبي ، تخضع لِمُعَالِج صور يُدْخل على كلّ منها تعديلات تضمن إخراج صورة "مشلفطة" عن فكر بن نبي رحمه الله { مشلفطة تعبير الشهيد سيد قطب رحمه لله في كتابه الأدبي كتب وشخصيات ، تعنى في التعبيرات الشعبية ومنها الجزائرية الشيء المشوه بفعل الحرارة والنار مثلا}.

المحير  في  الحالة المذكورة أن يأتيها مثقفون وأساتذة جامعات  "مختصون" في فكر مالك بن نبي رحمه الله: منهم الباحث الجزائري السويسري والأستاذ بجامعة جنيف، ومؤلف كتاب «مالك بن نبي: أب التيار الإسلامي العالمي؟من الملفات السرية للمخابرات الفرنسية زيدان مريبوط الذي خاض في سيرة بن نبي الذاتية خوض من أرسل في حقل فسيح يرتع فيه كيف شاء   .فنسب لمالك   ما لا يجهل صحته أصغر قارئ لشاهد القرن . {أنظر : م.مراح ؛مالك بن نبي بين صدم البدهيات و ملهم “الووك.

والعجيب أن مترجم كتاب السيد نورالدين بوكروح  "جوهر فكر مالك بن نبي" يَقْصُرٌ مراحل بن نبي الفكرية على: 1.جذور الإصلاح ـــ 2.الحلم الأفروأسيوي ـــ 3.النزعة العالمية . ففضلا عن تهافت المعيار المنطقي لهذا التقسيم ؛ إذ جعل المعيار الجغرافي مساويا للمعيار الفكري ، فهو  إقصاء غريب لأهم مرحلة من فكره وهي " المرحلة الإسلامية" التي تمدد فيها فكره ، ونذر لها مشروعه . فإقصاؤها  تَنَكُّرٌ لأمهات مؤلفات مالك بن نبي والقدر الأعظم من تراثه الفكري .  والواضح أن هذا المسلك الفكري  محض تحيز أيديولوجي .

لكن صورةً سَوَّقَ لها أكاديمي " مختص " في فكر مالك بن نبي "   في حوار مع موقع صحفي إلكتروني ، اخترقت كل قواعد الرصانة العلمية و الأكاديمية . فجاء عمله وبالأحرى الصورة التي عمل على استنساخها لمالك بن نبي  وقد  لطخها معالج الصور الذي يستخدمه لطخا فاحشا ؛ تتكدس فيه اللطخات السوداء القبيحة على نحو يثير الريبة ، ويعرض الأمر على { الصراع الفكري في البلاد المستعمرة } وعلى " المخابرات النفسية ، أحد مصطلحات الأستاذ بن نبي ، في إدارة الصراع الفكري في البلاد المستعمرة ، وأيام ماسنيون/ من خلال نَظِيرَتَيْ : الاستعمار والقابلية للاستعمار} .  لذا سوف نعرض أمثلة / لطخات من حوار " الأكاديمي " تنويرا للقارئ غير المتابع لفكر مالك بن نبي ، وانصافا للحقائق.

1.      في وقوفه عند نقد بن نبي لتجربة الإمام محمد عبده رحمهما الله ، من خلال رسالة التوحيد ؛ بدا المتحدث  متحمسا لكلمة "" dogmatique ايحاء بمعناها السلبي "الأركوني" على الخصوص، المرتبط بالتعصب . بينما استخدام بن نبي لها ؛ لأنها الكلمة الفرنسية المتاحة للتعبير عن صفة أصولي،  وهو عالم فقيه أصولي نسبة لعلم أصول الفقه مفخرة العقل التشريعي الإسلامي , وهنا تجدر الإشارة إلى أن ترجمة كتب بن نبي كانت تتم بإشراف مباشر دقيق منه ، كما ورد في شهادة الأستاذ مسقاوي في كتابه المرجعي "في صحبة مالك بن نبي" ، وقد أتت نِعْمَة الشهادة : وفاء من تلميذ حصيف لأستاذه الكبير.

2.     في إجابات المتحدث عن علاقة وموقف الأستاذ مالك بأكبر  جماعة دعوية إسلامية في العصر الحالي ،  قدم إجابات جازمة قاطعة ، من أن بن نبي لم يعجب سوى بمؤسسها. أما الجماعة فكان يرى أصحابها مجرد طلاب للحكم والسياسة.  والسؤال الموجه  للاكاديمي المختص :هل يستطيع  توثيق كلامه عن  هذا الموقف الذي ينسبه لبن نبي بكل يقين؟  أما المصدر الرئيس الذي تضمن ما دار عليه حديث الباحث فهو ما تضمنه كتاب " وجهة العالم الإسلامي"  الناطق الذي ورد فيه إعجاب مالك بشخصية زعيمها الدعوية ، والطريق الجديد الذي شقه للدعوة .

كما  أبدى تقديرا كبيرا بما أنجزته الجماعة من نموذج تغييري،على نحو ما كان يتوق إليه مالك . فرغم بديهيات هذه المعلومات  فأين  يُصنف كلام الباحث المذكور بين الحق والباطل؟  . أما مؤاخذة مالك على الجماعة فجاءت في فترة متأخرة ، حين وصفها بالسقوط في براثن الاستعمار .

والحديث طويل . لكن لابأس ببعض الاستدلال؛ فمن خلال استعراض الصلة المتينة التي كانت بين بن نبي وبلاد الشام نلحظ الروابط الأخوية الدافئة مع كثير من رموز وكتاب وشيوخ الجماعة ، بل إن محاضراته التي كان يلقيها في دمشق وطرابلس يحضرها الألوف كما قال مالك نفسه ، جمهورها غالبهم من تلك الحركة ؛ لأنها الحركة الأوسع حضورا وأثرا ونشاطا في الشام .

3.     ومن أفحش التقول  على مالك في حواره  من أنه معارض لإدخال الدين في السياسة : فالحقيقة التي عرفناها منذ قرأنا ونحن تلاميذ في مستوى الثالث والرابع متوسط في "شروط النهضة و"شاهد القرن وفي مراحل تالية في "وجهة العالم الإسلامي "في النازلة ، أن مالك بن نبي عارض جمعية العلماء المسلمين في موقفها مما عرف بالمؤتمر الإسلامي عام 1936 ؛ إذ يرى أنها تنكبت منهجها حين انخرطت في عملية استجداء مطالب من فرنسا ، وتركت الحل التغييري الذي سارت فيه وسار فيه الإمام ابن باديس رحمه الله . الذي مبناه آية التغيير المعروفة إحدى موجهات مالك في فكره الحضاري التغييري. وقد التقى مالك بالإمام رحمه الله وجلسا في مقهى بباريس حين كان على رأس وفد المؤتمر ، وناقشه نقاشا طويلا حادا أحيانا . لاحظ بن نبي بعده من بعض تصرفات الإمام ما فهم منه تأثره برأي بن نبي . والحديث في الموضوع على مدى قياس آلاف الألياف البصرية .

4.     كشف " الباحث "عن فجوة عميقة في التعرف على البنيان الفكري لمالك من خلال النصوص المتاحة للقراء . ومنها قَصْرُ تَأْثُرِ مالك بإقبال وصالح بن مهنا وحدهما . بينما البحث المتأني  يقتضى الرجوع مثلا إلى  مقدمة مالك بن نبي لأثار الإمام ابن باديس التي جمعها الدكتور طالبي في طبعتها الأولى ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ فيقرأ بتجرد قوله :" ...غير أن شخصية الشيخ تجمع في طيَّاتها جوانب بلغت من التنوع والغنى مبلغاً يجعل في قدرة الباحث - دوماً - أن يتطرق إلى دراستها من زاوية تحرر الفكر من الظروف العرضية النسبية. لقد كان ابن باديس مناظراً مفحماً، ومربياً بناَّءً، ومؤمناً متحمساً، وصوفياً والهاً، ومجتهداً يرجع إلى أصول الإيمان المذهبية، ويفكر في التوفيق بين هذه الأصول توفيقاً عزب عن الأنظار، إبان العصور الأخيرة للتفكير الإسلامي ...انه المصلح الذي استعاد موهبة العالم المسلم كما كانت في عصر ابن تومرت بإفريقيا الشمالية...ولم يستطع المصلح الجزائري أن يطمح إلى تأسيس إمبراطورية تحرر الضمير.

لقد تغير الزمان: فالاستعمار والقابلية للاستعمار غيَّرا كل المعطيات في الجزائر كما فعلا ذلك في سائر العالم الإسلامي. كانت الظروف تقتضي الرجوع في الإصلاح إلى السلف أدراجاً: إذ لم يكن القيام بأي عملٍ في النظام السياسي أو الاجتماعي ممكناً قبل تحرير الضمائر. وكل مذهب الإصلاح الجزائري الذي تجده في ابن باديس كان لا بدَّ أن يصدر عن هذه الضرورة أو عن هذه المقتضيات الخاصة.

والمبدأ الأساسي القائل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الذي كان أول خطوة في الإصلاح؛ يمكن أن يعتبر- من زاوية مَّا - ترجمة لهذه الضرورة في صيغة مذهبية...ومن هنا نرى التقلبات التي كان يمكن أن يتعرض لها مبدأ كهذا المبدأ لدى وضعه موضع التطبيق، عندما يجد المرء نفسه - أو يظن - أنه مضطر إلى أن يتنازل للسياسة على حساب كمال المذهب ومتانته.

ونقد الحركة الإصلاحية الجزائرية كله يمكن أن يوجه نحو هذه النقطة ". أن هل هناك ما هو أبلغ تعبيرا عن التأثر العميق بالإمام الكبير رحمه الله .ثم لو كلف الباحث نفسه الإحاطة ما أمكن بتراث بن نبي الفكري أو على الأقل تريث في نثر الأحكام الكبيرة هنا وهناك ، لوجد الحق في العبارة الأخيرة : "ونقد الحركة الإصلاحية الجزائرية كله يمكن أن يوجه نحو هذه النقطة". فضلا عن التناقض بين حكمه هذا وما ذكره من إعجاب بمؤسس الجماعة الدعوية الكبرى .

5.     يتقول  الباحث أيضا على بن نبي أنه ضد تدخل العلماء المسلمين في السياسة والاقتصاد.  نحيل القارئ  على   رسالة ابن نبي "المسلم في عالم الاقتصاد" ليقف على أحد الأدلة المعبرة  على إيجازها على أن معالجة مالك للمشكلة في العالم الإسلامي بالخلوص إلى مذهب اقتصادي نابع من شروطهم الحضارية والثقافية المعاصرة ، للفقهاء و السياسيين دورهم المركزي في الوصول إليه ؛يقول :"فاليوم يجب سواء على الفقهاء أو على أصحاب الاختصاص تقدير مسؤولياتهم، على أساس أن القضية المطروحة ليست قضية تحقيق استمرار الحياة الاقتصادية، بل هي قضية دفع العجلة من أجل إنقاذ السفينة وأهلها، ولو تعطلت من أجل ذلك بعض المصالح الفردية ".

6.     إضافة لما سبق من الملاحظات والتعليقات ، ملاحظة تتعلق بكتاب بن نبي رحمه الله"المسألة اليهودية"؛ فبكل خفة ونشاط وحماس  يرجم  صاحب الحوار بغيب ؛ إذ يصفه بأنه لا جديد فيه . {أَعْجَبْ}كما نقول في تبسة !!!!  كيف والأدلة الرصينة الآتي ذكرها من الأثبات الراسخين في النظر والتفكر والمعرفة تطوح بنزقه في وادي المهملات   : أ . لقد  برهن بن نبي على أن الغرب وحضارته هما الوظيفيان لليهود، عكس النظرية السائدة ؛ عن أن إسرائيل دولة وظيفية للغرب في المنطقة ، كما ذهب مثلا العالم الكبير عبد الوهاب المسيري عليه جلائلا الرحمات والترضي في موسوعته " حول اليهودية والصهيونية .والأحداث الجارية مذ طوفان الأقصى إلى الحرب للطاحنة الآن تؤكد ما برهن عليه بن نبي في كتابه. وهو في هذا يتطابق مع المقالات والدراسات المبكرة للشهيد سيد قطب في " معركتنا مع اليهود" و" الأستاذ الكبير محمد قطب في كتابه " جاهلية القرن العشرين "/1965 ومن قبل في كتابه "الإنسان بين المادية والإسلام (1951)" وعلى نهجها سارت دراسات العلماء والدعاة والمثقفين المسلمين في القرن العشرين إلى اليوم . ب/ يقول الأستاذ النبيل عمر كامل مسقاوي في مقدمة الترجمة العربية للكتاب ، من خلال تشابك المسألة اليهودية مع قضية فلسطين :" ولقد تناولها بن نبي من زاوية القابلية للاستعمار في تحليله الذي جاء من منابع أخرى ، لم تقف عليه من قبل دراسات حول القضية كنتيجة تاريخية لا يملك العالم العربي لها حلا راهنا في العمق ، ما دام الموقف التاريخي من بروز فكرة الاستعمار لم يأخذ سبيله إلى وضع تلك المشكلة في مدار الحل التاريخي "

. ج/يبدو أن حصافة صاحب الحوار تدفعه لإطلاق أحكام تعفيه من البرهنة عليها أو توثيقها ؛ ولذا لا غرابة في أن يتيه عن عبارة لابن نبي منذ العشرينيات هي قوله : إن القرن العشرين هو قرن اليهود ــ الدولار ـــ المرأة " . ولذا كان رائد الدراسات في هذا المجال الحضاري العالمي ؛ يقول مسقاوي :" فقد تابع خطط اليهود في الحضارة في بناء الحضارة الغربية ، في سائر مراحلها وبكل موضوعية ... وها إن مختلف الدراسات التي ظهرت مؤخرا في مساحة العقود التي تلت ، قد طرحت تأييدا علميا وتاريخيا حول دراسة بن نبي.

 أحسب أن المقال شَخّصَ الحالة المتفاقمة ، قد يساعد على فهم حالات أخرى مماثلة . أما هذا النموذج الذي قدمه "الباحث المختص " فمُحْبِط بالمعايير العلمية ، خاصة أنه أتى من أحد المشرفين على مشروع بحث في مؤسسة علمية في فكر الأستاذ بن نبي .

 

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services