22
0
نهاية الحرب … أم بداية إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟

الصحفى/ مصطفى تيّم
تقترب هذه الحرب من لحظتها الأخيرة، لا لأن نيرانها ستخمد فجأة، بل لأن كلفتها باتت تتجاوز حدود الاحتمال لدى جميع الأطراف. فالعالم اليوم، بتشابك مصالحه وتعقيد توازناته، لم يعد قادرًا على تحمّل حروب طويلة تستنزف موارده وتربك استقراره.
غير أن نهاية الحرب لا تعني بالضرورة عودة الأمور إلى ما كانت عليه. على العكس، ما جرى على الأرض يشير بوضوح إلى تحولات عميقة في ميزان القوى الإقليمي. فقد تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق قدر مهم من أهدافهما الاستراتيجية في إيران والمنطقة، عبر ضربات دقيقة ومركّزة طالت قيادات ومراكز حساسة وبنى عسكرية، وصولًا إلى التأثير على مكونات البرنامج النووي الإيراني.
هذه الضربات لم تكن عسكرية فقط، بل امتدت آثارها إلى الداخل الإيراني، حيث برز تراجع نسبي في الهيبة السياسية، وضغوط اقتصادية متزايدة، وانكشاف نسبي في القدرات البشرية والعسكرية. كما انعكست هذه التطورات على المشهد الإقليمي، الذي تأثر بدوره بحالة عدم الاستقرار والارتباك.
في هذا السياق، تبدو المفاوضات خيارًا مرجحًا، لكنها ليست تعبيرًا عن تسوية متكافئة بقدر ما هي انعكاس لإعادة ترتيب موازين القوى. إعادة ترتيب تمنح الولايات المتحدة وحلفاءها نفوذًا أوسع، لا سيما في ملفات استراتيجية مثل أمن الطاقة والممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
وقد تفتح هذه المرحلة الباب أمام اصطفافات إقليمية جديدة، تتجلى في تسارع بعض مسارات التطبيع العربي مع إسرائيل، بالتوازي مع تنامي الإنفاق العسكري في دول الخليج، ضمن ترتيبات أمنية يجري تشكيلها برعاية أمريكية وبتنسيق وثيق مع إسرائيل.
ومع ذلك، فإن احتمالات التهدئة الكاملة تبقى محدودة. فمن غير المتوقع أن تتوقف إسرائيل عن عملياتها العسكرية بشكل كامل، بل يُرجح أن تواصل نهج “الضربات الموضعية” والعمليات النوعية، بما في ذلك الاغتيالات والاستهدافات الدقيقة، كما هو الحال في غزة ولبنان، كلما رأت في ذلك ضرورة لحماية مصالحها الأمنية والاستراتيجية.
في المقابل، لا يُتوقع أن تنكفئ إيران بسهولة. فهي تمتلك أدوات صمود وشبكات نفوذ إقليمية تمكّنها من إعادة التموضع، وإن كان ذلك ضمن هامش أضيق وتحت ضغوط أكبر. ما يعني أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة حسم، بل مرحلة إدارة صراع طويل الأمد بأدوات متعددة.
الولايات المتحدة، من جهتها، تبدو حريصة على إدارة هذا الصراع بأقل كلفة مباشرة، عبر الاعتماد على الحلفاء وتجنب الانخراط في مواجهة شاملة. بينما تواصل إسرائيل تبني استراتيجية أكثر هجومية، تقوم على الاستباق ومنع الخصم من استعادة توازنه.
هكذا، تدخل المنطقة مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ”اللا حرب واللا سلم”، حيث يستمر التوتر ضمن سقوف محسوبة، وتتكرر الضربات المحدودة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. مرحلة تُبقي جميع الأطراف في حالة استنزاف منخفض الشدة، لكنها مفتوحة على احتمالات التصعيد في أي لحظة.
أما الدول العربية، فتجد نفسها أمام خيارات معقدة: بين الانخراط في الترتيبات الإقليمية الجديدة لضمان موقع متقدم في النظام القادم، أو التريث والحذر في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة.
في المحصلة، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: هل انتهت الحرب؟
بل: أي شرق أوسط يتشكل بعد هذه الحرب؟
فما نشهده اليوم ليس نهاية صراع، بل بداية مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة النفوذ، وتُرسم فيها ملامح نظام إقليمي مختلف، قد يكون أكثر استقرارًا في ظاهره… لكنه أكثر هشاشة في عمقه.

