186

0

خطر المخدرات وتداعياتها على مستقبل الأمة محور ندوة بالعاصمة

أجمع المشاركون اليوم بالعاصمة خلال ندوة علمية نظمها المجلس الإسلامي الأعلى بالشراكة مع الديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها حول خطر المخدرات ومستقبلها على الأمة، على ضرورة تفعيل المنظومة القانونية وتكييفها مع مستجدات الجريمة المنظمة المرتبطة بالمخدرات، إلى جانب تعزيز الإطار القانوني وتكثيف جهود الوقاية والعلاج والمكافحة لمواجهة هذه الظاهرة.

 

نسرين بوزيان

 

 

في كلمة افتتاحية، شدد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، مبروك زيد الخير، على ضرورة مجابهة آفة المخدرات التي تشكل خطرا متصاعدا يهدد تماسك المجتمعات واستقرارها، لما لها من آثار عميقة تمس مختلف الجوانب الاجتماعية والصحية والأخلاقية، وتؤدي إلى إضعاف الأسرة وتقويض منظومة القيم داخل المجتمع. 

أشار المتحدث إلى أن هذه الظاهرة بما تفرزه من انعكاسات خطيرة على الفرد والأسرة والمجتمع، تفرض تعبئة جماعية شاملة ومسؤولية مشتركة بين مختلف الفاعلين من أجل صون النسيج الاجتماعي وتحصينه من هذه الآفات الناخرة والأمراض الباطنة والظاهرة التي تهدد استقراره، مذكرا بأن الإجماع الدولي قائم على تجريم الاتجار بالمخدرات وتعاطيها، بالنظر لما تسببه من خراب ودمار وإهلاك للحرث والنسل عبر العالم.

سلاح خفي يهدد استقرار المجتمعات

 

من جانبه، نوه المدير العام للديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها، طارق كور، إلى أن ظاهرة الإدمان لم تعد مجرد سلوك منحرف بل تحولت إلى سلاح خفي يستعمل لاستهداف استقرار المجتمعات من الداخل، من خلال ما تفرزه من تداعيات تمس الأمن الاجتماعي والصحي و الاقتصادي حيث تعمل شبكات إجرامية منظمة على إغراق البلاد بكميات معتبرة من مختلف أنواع المخدرات، بما فيها المخدرات الصلبة والمؤثرات العقلية في محاولات ممنهجة لاستهداف فئة الشباب والنيل من قدراتهم وإضعاف بنيتهم المجتمعية.

وكشف المدير العام أن مصالح الديوان سجلت تطورا خطيرا في أنماط استهلاك المخدرات سواء من حيث التنوع أو طرق التعاطي، ما أدى إلى تفاقم الأضرار الصحية، من أمراض مزمنة وخطيرة إلى حالات وفاة مفاجئة، فضلا عن انتشار الأمراض المعدية نتيجة الاستعمال غير الآمن لبعض الوسائل، وهو ما يعكس تعقيد الظاهرة وتعدد أبعادها الصحية والاجتماعية.

كما أكد كور على الطابع الجماعي للتصدي لهذا التحدي لا سيما أن رئيس الجمهورية أسدى خلال اجتماع مجلس الوزراء في ديسمبر 2024، تعليمات صارمة لإعداد استراتيجية وطنية شاملة للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية، حيث تم تكليف وزارة العدل بهذه المهمة التي أسندتها بدورها إلى الديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها، وفق مقاربة تشاركية شملت مختلف القطاعات الوزارية والهيئات الوطنية ومكونات المجتمع المدني والحركات الشبابية، وقد توج هذا المسار بالمصادقة على الاستراتيجية الوطنية خلال اجتماع مجلس الوزراء في أفريل 2025، حيث اعتبرت قضية المخدرات مسألة تتجاوز الصحة العمومية لتتحول إلى قضية أمن قومي تستدعي تعبئة شاملة لكافة مؤسسات الدولة.

وفي السياق ذاته، أوضح  كور أنه في 26 جوان 2025، وبمناسبة اليوم الدولي لمكافحة المخدرات، تم الإطلاق الفعلي لتنفيذ هذه الاستراتيجية حيث كلف  الديوان الوطني بمهمة التنسيق والمتابعة بالتعاون مع مختلف الشركاء في إطار مقاربة متكاملة ترتكز على أربعة محاور رئيسية تشمل الوقاية، والعلاج والتكفل، والمكافحة بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية وقطاع العدالة، إضافة إلى تعزيز التعاون الدولي ، مبرزا أن هذه المحاور ترجمت إلى أكثر من 305 نشاط وتدبير، من بينها 236 نشاطا مخصصا للوقاية موزعة على أكثر من 33 قطاعا وهيئة، بما يعكس الأهمية التي توليها الدولة للبعد الوقائي كخيار استراتيجي في مواجهة هذه الظاهرة.

وأشار المدير العام إلى أنه في إطار التنفيذ العلمي الدقيق جرى إطلاق دراسات وبائية وطنية بإشراف المعهد الوطني للصحة العمومية بهدف إعداد خريطة دقيقة لاستهلاك المخدرات في الجزائر، تسمح بتحديد مناطق الخطر وتوجيه التدخلات في مجالات الوقاية والعلاج والمكافحة وفق معطيات علمية دقيقة، كما تم إطلاق برامج ميدانية تحسيسية بالتنسيق مع وزارة التربية الوطنية، من خلال تنظيم قوافل توعوية جابت عددا من الولايات والمؤسسات التربوية، واستهدفت بشكل مباشر فئة الشباب من أجل تعزيز الوعي بمخاطر المخدرات وترسيخ ثقافة الوقاية في الوسط المدرسي.

في ختام كلمته، أكد المدير العام أن مواجهة هذه الظاهرة تظل مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين، من قطاع الشؤون الدينية والأئمة والمساجد والزوايا في توجيه الخطاب الديني، إلى الأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول، مرورا بالمؤسسات التربوية والمجتمع المدني، مشيدا في السياق ذاته بالمجهودات الجبارة التي تبذلها مختلف الأسلاك الأمنية، وعلى رأسها الجيش الوطني الشعبي في التصدي لشبكات التهريب والاتجار بالمخدرات.

حجز 33 مليون قرص مهلوس

   

عقب الجلسة الافتتاحية، انطلقت أشغال الجلسة العلمية الأولى الموسومة بـ"ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية وإدمانها: رؤية شرعية واجتماعية وتربوية”"حيث قدم الأمين العام للديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها،  حنيفي سفيان ، مداخلة بعنوان الاستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية للفترة 2025-2029، استعرض المتدخل خطورة هذه الظاهرة التي أصبحت تمس الأمن القومي والصحة العمومية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ولم تعد مجرد مشكلة اجتماعية محدودة بل تحولت إلى قضية متعددة الأبعاد تمس الأمن الإنساني في جوهره.

وأشار حنيفي إلى أن المجتمع الدولي بادر إلى وضع جملة من الاتفاقيات الدولية لمكافحة هذه الظاهرة، من بينها الاتفاقية الوحيدة للمخدرات المعدلة ببروتوكول سنة 1972، واتفاقية المؤثرات العقلية، واتفاقية مكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية، مؤكدا أن الجزائر صادقت على هذه الاتفاقيات التزامًا منها بمكافحة هذه الآفة.

وفي معرض حديثه عن مختلف التحديات المرتبطة بهذه الظاهرة، تطرق المتحدث عند خصوصية الوضع في الجزائر، مبرزا أن التركيبة الديموغرافية التي يغلب عليها الطابع الشبابي إلى جانب الموقع الجغرافي الاستراتيجي، يجعلان من البلاد عرضة لتحديات متزايدة، خاصة في ظل المعطيات الإقليمية الراهنة حيث أظهرت المؤشرات خلال السنوات الأخيرة تحولا تدريجيا من بلد عبور إلى تسجيل ارتفاع في معدلات الاستهلاك الداخلي،  ما يشكل تحديا حقيقيا للاستقرار الاجتماعي والأمني.

كما استعرض حنيفي من جهة أخرى المهام الأساسية للديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها، التي تشمل إعداد الاستراتيجية الوطنية، وضمان التنسيق بين مختلف القطاعات، وجمع وتحليل البيانات والإحصائيات، وإعداد البرامج الوقائية، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، إلى جانب إعداد تقارير دورية ترفع إلى السلطات العليا، مشيرا إلى أن الديوان يضم لجنة وطنية للمتابعة والتقييم تضم ممثلين عن عدة قطاعات وزارية، والأجهزة الأمنية، وممثلي المجتمع المدني.

وفي عرضه للوضع الراهن، كشف المتدخل عن تسجيل ارتفاع ملحوظ في حجم المحجوزات من المؤثرات العقلية حيث انتقلت من نحو 6 ملايين قرص سنة 2020 إلى 33 مليون قرص سنة 2024، مع استمرار هذا المنحى التصاعدي خلال سنة 2025، ما يعكس تفاقم الظاهرة ويؤكد ضرورة مواصلة تعزيز الجهود الوقائية والأمنية والتوعوية.

الوقاية المدرسية من التخويف إلى بناء الوعي

 

من جهته، تناول ممثل وزارة التربية الوطنية، مرابطي عبد الحق ، دور المؤسسة التربوية في مواجهة آفة المخدرات، مؤكدا أن التوعية داخل الوسط المدرسي لا ينبغي أن تقتصر على جهود معزولة أو على خطاب التخويف فقط، بل يجب أن تقوم على مقاربة شاملة تعزز فهم التلميذ لمخاطر هذه الآفة وتعمل على بناء شخصيته وتنمية مهاراته ، بما يمكنه من اتخاذ قرارات واعية.

وأوضح مرابطي أن الوقاية الحقيقية تقوم على بناء المعنى وتعزيز تقدير الذات وليس على التخويف وحده، باعتبار أن الخوف قد لا يصمد أمام ضغط الرفاق أو الفضول أو الهشاشة النفسية، مشددا على أهمية تدريب التلميذ على قول "لا" بثقة، مع تفعيل آليات الحماية من خلال فهم العوامل النفسية والاجتماعية التي قد تقوده نحو الانحراف.

كما أبرز مرابطي دور الطب المدرسي في الكشف المبكر والتكفل النفسي والصحي، ضمن منظومة حماية متكاملة تضم الأسرة والمؤسسات التربوية والهيئات الاجتماعية والأمنية.

1918 قاصرا متورطا في قضايا المخدرات

 

   

 

 

وفي الجلسة العلمية الثانية الموسومة بـ"المقاربة الأمنية والقانونية لمعالجة تفشي ظاهرة المخدرات" استعرض محافظ الشرطة،  لعيساوي خالد، حصيلة تدخلات وحدات المديرية العامة للأمن الوطني، مشيرا إلى تنوع المخدرات المتداولة في الجزائر، من القنب الهندي إلى الكوكايين والهيروين والمؤثرات العقلية حيث بلغت كميات القنب الهندي المحجوزة خلال الفترة 2020-2025 نحو 7.99 طن، فيما ارتفعت كميات الكوكايين من 2 كلغ سنة 2020 إلى 666 كلغ سنة 2025، كما ارتفعت المؤثرات العقلية من 3 ملايين قرص سنة 2020 إلى 20 مليون قرص سنة 2025.

وكشف ريحمي عن تسجيل 169 ألف قضية متعلقة بالمخدرات خلال سنة 2025، مع تسجيل منحى تصاعدي في عدد القصر المتورطين حيث بلغ عددهم 1918 قاصرا، من بينهم 39 قاصرة، إضافة إلى 181975 بالغا، ما يعكس اتساع رقعة الظاهرة، مؤكدا أن المقاربة الأمنية المعتمدة ترتكز على خفض العرض والطلب من خلال تشديد الرقابة، وتكثيف العمليات الميدانية، وتعزيز التنسيق بين مختلف المصالح، إلى جانب تطبيق قوانين صارمة ضد المروجين والمتاجرين، وتنفيذ عمليات مشتركة تستهدف شبكات التهريب والاتجار غير المشروع.

تسجيل 50 ألف فعل إجرامي مرتبط بالمخدرات

   

 

 

بدوره، عرض ممثل قيادة الدرك الوطني، الرائد سخاف عادل، حصيلة تدخلات  مصالح قيادة الدرك الوطني، مشيرا إلى تسجيل نحو 50 ألف فعل إجرامي مرتبط بالمخدرات خلال الفترة 2023-2025، وتوقيف حوالي 70 ألف شخص، مع تسجيل انخفاض في كميات القنب الهندي المحجوزة من 29 طن سنة 2023 إلى 21 طن سنة 2025، مرجعا ذلك إلى الجهود المكثفة التي يبذلها الجيش الوطني الشعبي في تأمين الحدود، منوها بأن هذا الانخفاض لم ينعكس على أنماط الاستهلاك التي لا تزال قائمة.

 

 

من جهته، قدم المفتش العميد جمال عميشي، نائب مدير النشاط العملياتي للفرق بالمديرية العامة للجمارك، عرضا حول جهود الجمارك الجزائرية في التصدي لتهريب المخدرات عبر المنافذ الحدودية حيث سجلت سنة 2025 أكثر من 23 ألف تدخل مشترك، وأسفرت العمليات عن حجز 9 أطنان من الكيف المعالج، وأكثر من 720 كلغ من الكوكايين، إلى جانب أزيد من 20 مليون قرص مهلوس، ما يعكس حجم التحديات المطروح، مؤكدا أن هذه المؤشرات تكشف عن تصعيد خطير في نشاط شبكات التهريب، ما يستدعي استجابة وطنية شاملة ومتكاملة قائمة على اليقظة الدائمة والتنسيق بين مختلف الأجهزة.

وخلصت أشغال الندوة إلى جملة من التوصيات  تمحورت حول تفعيل المنظومة القانونية وتكييفها مع مستجدات الجريمة المنظمة المرتبطة بالمخدرات، من خلال استحداث منظومة وطنية للوصفات الطبية الخاصة بالأدوية ذات الخصائص الإدمانية، وتعزيز التحري المالي وعصرنة أدوات المواجهة الرقمية وتكييف أساليب التحقيق مع تطور الجريمة في الفضاء الرقمي، إلى جانب تكريس بدائل المتابعة القضائية وأوامر العلاج كبديل للعقوبات السالبة للحرية بالنسبة للمستهلكين المنخرطين في المسار العلاجي.

كما دعت التوصيات إلى تعزيز منظومة الوقاية في الوسطين الواقعي والرقمي، وإطلاق حملات ومنصات توعوية موجهة للشباب، مع تشديد الرقابة على الفضاء الرقمي للحد من الاتجار غير المشروع بالمخدرات، إضافة إلى دعم قدرات التكفل والعلاج وتوسيع مراكز الإدمان وتعزيز برامج إعادة الإدماج الاجتماعي والمهني للمتعافين.

وفي الجانب الاستراتيجي والأمني، شددت التوصيات على تعزيز آليات الإنذار المبكر واليقظة الوطنية بخصوص المخدرات التخليقية، وتكثيف جهود مكافحة شبكات التهريب، إلى جانب ترسيخ التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة الجريمة المنظمة المرتبطة بالمخدرات.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services