50158
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 184

بقلم إسماعين تماووست
إنّ المخاطر التي كان يمكن أن تعترض طريقنا في تلك المهمات، جعلت من حضورنا في ظروف استثنائية داخل الغابات والجبال حقيقة تكاد تعمَّم. والأفضل من ذلك، وهو ما كنت أتوق إليه وأدعـو العليّ القدير أن يتحقق، أن يوجد هناك في الظلال شخص ما، يترصد خطواتنا ويزوّد خصومنا بما يحتاجونه من أخبار.
يكفيهم عميل جبان، يقتات من الخيانة، يتكفل بإبلاغهم بما يراه ضرورياً لنجاتهم؛ يهمس لهم بسبيل الخروج من كمين أو يحذرهم من اقتراب عناصر الشرطة الوطنية أو وحدات الأمن الأخرى، تلك التي كانوا يصفونها بجحيم مطبق.
لكنني كنت أعي، بدهاء المفتش الذي تمرّس على قراءة النوايا قبل أن تنكشف، أنّ الحكم المتسرع أو النظرة السطحية إلى خطط التمشيط الواسعة التي أشرفتُ عليها لا وزن له. لم تكن مجرد تحركات عشوائية، بل كمائن مدروسة تستهدف خصماً يختبئ بين الصخور، خصماً كثيراً ما خُيّل للبعض أنه أحمق أو غبي. غير أنّ التجربة علمتني أنّ وراء ما يبدو حماقة تكمن عقول مدبرة تتقن فنّ التواري، وتخطط بخبث لتفادي قبضتنا. ولذا لم أرضَ أبداً إلا بأن أواجه ذكاءهم بمكرٍ أكبر، وأجعل من استراتيجياتي فخاخاً تنتهي دوماً بإنجازات ملموسة.
لقد كنتُ واثقاً، بشجاعة القائد الذي لا يتردد، أنّ خططي الأكثر صلابة كانت ثمرة عقول متمرسة من قادة المجموعة الخاصة للتدخل (D.G.S.N). وقد تشرّبت منها ما جعلني أتحرك في الميدان بحدس لا يخطئ. كان بين هؤلاء القادة من يوصَف بالدهاء النادر، ومن يُعتبر عبقرياً في قراءة الأرض وترويض الخطر، وقد جعلتُ من هذا الإرث سلاحاً أحمله وأصوغ به كل قرار.
كنت أعلم ما الذي أبحث عنه، وأي أثر يجب أن أقتفيه. ولم يكن ينقصني لا العزيمة ولا الدلائل. الأهم عندي أنّ جميع مهامي السابقة، التي قمت بها في عمق الغابات وبين كهوف الجبال الممتدة ما بين الجزائر والبليدة وتيزي وزو، قد علّمتني أنّ عيون الشر تتربص بنا باستمرار. كأنّ لطخة سوداء تطفو في قلب هذا الامتداد الوعر، تتوارى في صخور وتلال، تنتظر زلّة عابرة أو ثغرة صغيرة، فتسرع إلى إبلاغ من يجب أن يُبلَّغ.
لقد كانت تلك المهام في عمق الغابات الجبلية دوماً محطّ أنظار الشر التي تترصدنا بعينٍ خبيثة. وكنت أوقن أنّ لطخة مظلمة، مختبئة في مكان ما وسط وعورة هذه المنطقة الوحشية، تتابع خطواتنا بصبر الذئب الجائع. فهنا، في هذه الطبيعة العصيّة، يكمن خصم لا يستهان به، يتغذى على الخيانة، ويجعل من الجبال قلاعه المنيعة.
وفي إطار مكافحة الإرهاب، كنتُ قد أشرفت على عدة مهمات، غير أنّ هذه العملية كانت مختلفة كلياً. فقد كانت تقوم على ثلاث ركائز أساسية: أولها، جمع المعلومات الدقيقة، المنسوبة إلى أحد العملاء الذي كان يتواجد في المواقع التي كنا نستكشفها، وينقلها في الحال وبوسائل متعددة إلى فريقي وإلى المحققين الذين يشتغلون تحت إمرتي. وكانت هذه المرحلة تتطلب صبراً، حيث إنّ الاستجوابات الطويلة تكشف حتى أقسى الأسرار، بل وتنتزعها من أفواه كبار الإرهابيين.
أما الركيزة الثانية، فكانت تعتمد على بصمات الموت: بقايا الجثث، عظام متناثرة، آثار معارك سابقة أو خنادق قديمة، كلها دلائل تنطق بما لم يقله أحد. كنت أقرأها بعين الخبير، وأفكك بها ألغاز الماضي لأبني منها خريطة الحاضر.
وأما الثالثة، فكانت ملاحظة المسارات الخفية، تلك التي يتركها الفارّون خلفهم في الجبال، سواء عن قصد أو بلا وعي، بحثاً عن وسيلة للفرار أو لقمة تُبقيهم أحياء.كانت علامات واهية، لكنها في عيني مفتش متمرّس تتحول إلى خيوط يقين تقود إلى الهدف.
إنّ تنفيذ عملية تمشيط واسعة لكشف أوكار المجرمين، بدا للوهلة الأولى مهمة خطيرة محفوفة بالمخاطر. غير أنّني، بشجاعة القائد الذي تمرّس على مواجهة الموت، لم أستبعد قط أن تتحول العملية إلى مواجهة مسلحة مباشرة ضد خصم لا يرحم. كنت أعلم أنّ ذلك العدو يتقن فنّ الكمائن، ويراهن على مباغتتنا في لحظة غفلة. لكن دهائي كان يسبق خططه، وحذري يطوّق مكائده.
لقد كان لزاماً عليّ أن أضع في حسابي أنّ الخصم الذي نطارده ليس مجرد هارب جبان، بل عدو محترف، عرف بوحشيته ومكره وخيانته. ومع ذلك، لم أتراجع لحظة واحدة. فالميدان علّمني أنّ مواجهة مثل هذا العدو لا تتطلب القوة وحدها، بل الجرأة والحنكة معاً. كنت أعي أنّ كل خطوة قد تكون الأخيرة، لكنني كنت أواصل المسير، واثقاً أنّ دهائي سيفوق مكرهم، وأن شجاعتي ستظل السلاح الأوفى حتى النهاية.
كانت مطاردتنا الجريئة، تلك التي اندفعنا فيها متحدّين كل المخاطر، مغامرة تُشبه السير فوق حدّ السيف. كنّا نعرف أنّنا نخوض معركة غير متكافئة، وأنّ الأعداء الذين نطاردهم كانوا متحصّنين في الجبال الوعرة، مدجّجين بالسلاح، مترصّدين لنا في كل منعطف. ومع ذلك، اخترنا أن نمضي في الطريق، لأن التراجع لم يكن خيارًا، ولأنّ هيبة الدولة وشرف جهازنا الأمني كانا مرهونين بقدرتنا على الصمود والمجابهة حتى آخر لحظة.
لقد بدت عمليتنا في ظاهرها أشبه بمهمة انتحارية، بل إنّ البعض لم يتردّد في وصفها بالمستحيلة. غير أنّنا كنا نعرف أنّ الاستسلام للرهبة يعني موتًا بطيئًا، وأنّ الإقدام رغم المخاطر هو وحده طريق النجاة. كنّا نُدرك أنّنا لا نواجه مجرد عصابة من الضالين، بل خونة خانوا الوطن، وتجرؤوا على العبث بأمن الأبرياء وطمأنينتهم.
كنتُ بصفتي المفتش المسؤول أعي جيّدًا أنّ واجبي لم يكن محصورًا في التخطيط العسكري فحسب، بل في زرع الطمأنينة وسط رجالي، وبثّ روح التحدي في نفوسهم. كنت أقرأ ملامحهم واحدًا واحدًا، وأدرك أنّ الخوف يسكن القلوب، لكنّ عزيمتهم كانت أقوى من كل رهبة. فالمعركة لم تكن مجرد مواجهة بالسلاح، بل امتحانًا للشرف والوفاء بالعهد. إنّها طبيعة الشرطي الحق: أن يُلقي بنفسه في أتون النار ليُطفئ لهيبها عن الآخرين.
كانت الجبال تمتد أمامنا كجدار شاهق، أشجارها الكثيفة تخفي الممرات، وصخورها الحادة تتربّص بأقدامنا. ومع ذلك، كنّا نتحرك بخفة، نتقدّم بصمتٍ مدروس، وكأننا أشباح في عتمة الليل. كنا نُصغي إلى صدى أنفاسنا، إلى حفيف الريح بين الأغصان، نحاول أن نلتقط أي إشارة تدلّ على وجود العدو. إنّها لحظات تُختزل فيها الحياة كلها في ومضة واحدة بين الموت والحياة.
لقد آمنتُ دائمًا بأنّ المعركة ضد الإرهاب ليست فقط مواجهة بالسلاح، بل صراع ذكاء وإرادة. ومن يفوز فيه هو من يملك الصبر، ومن يحسن قراءة عدوّه، ومن يُتقن استعمال كل أداة مهما بدت بسيطة. لذلك كنت أُعيد وأكرر على رجالي: إنّنا لا نملك ترف الخطأ، وأي هفوة قد تكلّفنا حياتنا وحياة الأبرياء الذين ينتظرون حمايتنا.
ولم يكن الأمر عفويًا أبدًا. هذه العملية جاءت نتيجة تخطيط استراتيجي محكم، وضع ملامحه مدير الأمن العمومي ونائبه في ولاية البليدة. أما نحن، فكنا اليد المنفّذة، والعين الساهرة، والدرع الذي يتلقّى الضربات ليحمي غيره. تقدّمنا بخطى ثابتة، قلوبنا مؤمنة، واثقين أن ما نقوم به ليس مجرّد مهمة عابرة، بل رسالة مقدسة، وأنّ الله معنا ما دمنا نقاتل الباطل ونحمي عباده من شرور أعدائه.
إنّ الإرهاب كان يلبس أقنعة زائفة، يُخفي وجهه الحقيقي خلف شعارات كاذبة، لكنّنا عرفناهم على حقيقتهم: خونة لا دين لهم، مجرمون لا رحمة في قلوبهم، وأعداء لله وللوطن. ولهذا كنّا مصمّمين أن نقتلع جذورهم، وأن نكتب بدمائنا سطور الانتصار التي لن تُمحى من ذاكرة الوطن...
يتبع...

