25356

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 182

بقلم اسماعين تماووست 

لم يكن ب/ مصطفى رجلًا سويًّا، ولا روحًا عادية كبقية البشر. كنت كلما قرأت تفاصيل مسيرته، وكلما جمعت شهادات من عايشوه، تترسخ لدي قناعة أن هذا الرجل لم يكن مجرد إرهابي عابر، بل حالة نفسية معقّدة تستحق الدراسة والتمعن. كان يحمل في داخله عطبًا نفسيًا دفينًا، وندبةً غائرة في عمق روحه، لم تشفَ قط، وإنما ازدادت نزفًا كلما صعد درجةً في سلّم الدم والخراب.

إن من يختار طريق الرعب والقتل لا يكون، في الغالب، مدفوعًا بقناعة فكرية صافية ولا بإيمان صادق، بل بخليط من التشوهات النفسية والعقد المركبة التي تجد في العنف وسيلةً للتنفيس عن مرارة دفينة، وهروبًا من مواجهة جراحٍ ذاتية غير مرئية، ذلك الارهاب الخطير القادمة من واحد الرومان،  كان من هذا الصنف. شخصٌ لا يستلذ إلا بمشهد الدم، ولا يهدأ إلا بعد سماع أنين الضحايا، ولا يشعر بوجوده إلا حين يبث الخوف في عيون الآخرين.

لم يكن الدافع عنده دينيًا كما ادعى، ولا وطنيًا كما تظاهر، بل كان هوسًا مرضيًا بالتسلط والسيطرة، غلّفه بخطابات زائفة، وأوهام الخلاص، ليمنح لنفسه شرعية الاستمرار في السقوط. ذلك النوع من البشر يتقن ارتداء الأقنعة. يقف في العلن متحدثًا عن الإيمان والشرف، بينما يحمل في داخله قبحًا يعجز عن الإفصاح به.

لقد لاحظت — من خلال كل ما دونت عن شخصيته — أنه كان في جوهره شخصية نرجسية حدّ الهوس، يعشق الظهور ويتلذذ بالثناء المسموم. أراد أن يكون نبيًّا على أرض الموت، ومخلصًا في زمن التيه، فصار قاتلًا باسم المقدّس. النرجسي المتطرف عادةً، حين ينهار داخليًا، يتشبث بأي خطاب يمنحه الإحساس بالعظمة. وفي حالته، كان الدين هو الوسيلة الأكثر توفرًا والأشد خطورة.

ورغم كل ما أظهر من قسوة، ظل بداخله طفلٌ محطّم، مهزوم، خائف من مواجهة ذاته. طفلٌ لم يجد من يداوي جرحه، فصار يغرس خناجره في أجساد الآخرين. هكذا يفعل الإرهاب بالبشر. إنه لا يصنع قتلة بالفطرة، بل يأخذ أرواحًا مكسورة، ويعيد تشكيلها وفقًا لقالبٍ دمويٍّ متعطش، يحولهم إلى أدواتٍ للقتل، وأصواتٍ تردد شعارات لم يؤمنوا بها يومًا.

إن الإرهاب ليس فكرًا مجردًا، بل حالة مرضية معقدة، تتداخل فيها العقد النفسية مع الهشاشة الوجودية، وينبت فيها السقوط الأخلاقي من مستنقع الروح المعذبة. هو جريمة مزدوجة: يُزهق فيها القاتل أرواح غيره، ويمعن في الوقت ذاته في قتل ذاته، في صمتٍ بطيء. مهما تشدق الإرهابي بالشعارات، ومهما ادعى الانتساب للمقدّسات، فإنه يحمل داخله رغبة دفينة في الانتقام من ماضيه ومن نفسه. تراه يمعن في القسوة والتنكيل، وكأنما يعاقب الطفل المكسور الذي يسكنه. ذاك الطفل الذي لم يجد من يحتوي ضعفه، ولا من يضمد جراحه، فصار يفرغ حقده على الآخرين، وكأنّ نزيف غيره سيشفي جراحه.

المجتمعات الهشّة، والمراحل المضطربة، توفر الأرضية الخصبة لنشوء هذه الكائنات المشوهة. يتحول أمثال  هذا المجرم من كائنٍ مهزوزٍ إلى رمزٍ مرعب، ليس لقوّته، بل لأنّ زمنًا مريضًا سمح له أن يصعد. هم ليسوا أقوياء كما يخيّل للناس، بل يعيشون رعبهم الخاص. يخافون من الليل، من هدوئه، من عيون أمهاتهم التي تفضحهم في الأحلام، ومن مواجهة سؤال: "ماذا تبقى منك لو نزعنا عنك سلاحك؟" والجواب غالبًا: لا شيء.

ذلك أن كل متطرفٍ يحمل في أعماقه قناعةً دفينةً بلا وعي: أنه لا قيمة له في سلّم الإنسانية. فيبحث عن مجدٍ زائف فوق جثث الضحايا. يبحث عن حضورٍ قسري وسط الفراغ، عن سلطةٍ بدائية تمكّنه من الهرب من هشاشته العميقة.

كان  مجرد أداة، ظنّ نفسه سيدًا. انعكاس لحقبة عبثية، دفعت بالكثيرين إلى هاوية الحقد، وأجبرت نفوسًا معذبة على الانتحار البطيء باسم الوطن أو باسم الدين. وما الدين ولا الوطن بما ادّعوه.

في النهاية، كل إرهابي هو ضحية سابقة. ضحية فشلٍ أسري، أو خذلانٍ مجتمعي، أو اضطرابٍ نفسي، أو جرحٍ روحيٍّ عميق لم يُضمد. وإذا لم نقرأ ظاهرة الإرهاب من هذه الزاوية، سنظل نعالج الأعراض دون الجذور. الخيانة والدموية والقتل، ليست إلا أعراضًا لمرضٍ أكبر: العجز عن التصالح مع الذات، وعدم القدرة على احتواء الألم الإنساني الداخلي.

إن أمثال هذا المجرم هم الصورة المقلوبة لإنسانٍ جائع للحب، فقيرٍ للاحتواء، مسلوب الكرامة منذ الطفولة. لا يقتل لأنه قوي، بل لأنه أضعف من مواجهة ماضيه. الإرهابي لا يصمد أمام مرايا الحقيقة. وجهه لا يحتمل انعكاس صورته دون سلاح، ولا اسمه دون لقب الرعب.

ولأنّي لم أكن مجرد شاهد على هذه المأساة، بل كنت في عمقها. ناضلت، وواجهت، ودفعت من قوتي ومن دمي لأقف في وجه هذا الطوفان. لم أكتب من بُرجٍ عاجي، بل من ميدانٍ سالت فيه دماء الأبرياء، ورأيت فيه الوطن يتأرجح على شفير الهاوية.

مقاومة الإرهاب لا تكون بالسلاح وحده، بل بكشف العورات النفسية لمن يقفون خلفه. بتعرية قبحهم الداخلي. بتسجيل للتاريخ أن الرعب ليس بطولة، وأن الدم ليس رسالة، وأن الخوف ليس وسيلة حكم.

ما كتبته ليس إلا سيفًا مسنونًا في وجوههم. حروفًا دامغة تسجّل أن القاتل، وإن لبس عباءة الدين، أو رفع شعارات الوطن، يظل مجرمًا. تلاحقه لعنة الأرض والسماء، ولعنة دموع الأمهات المكسورات.

وليس التحليل النفسي الذي سطرته هنا دعوة للتماس العذر. بل هو إدانة مضاعفة. لأن من كان يملك العقل والتمييز ثم اختار الرذيلة، أشد جرمًا من الجاهل. والأكثر إجرامًا منه من يبرر دم الأمس، ويصنع لأشباح المجرمين أجنحةً وهمية.

لهذا، وأنا المفتش إسماعيل تاماوست، الذي عايش الرعب وواجه الرصاص بصدرٍ عارٍ، أرفع كفّي إلى السماء وأقول:

"اللهم لا تغفر لهم. ولا تُقم لهم في أرض الجزائر راية. ولا تجعل لهم مقامًا. اللهم اجعل نارك تحرق أرواحهم في الدنيا قبل الآخرة"

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services