35

0

ملف صوت الأسير فى السجون والمعتقلات الصهيونية

الجزائر تضيءُ الزنازينَ في فلسطين

بواسطة: بركة نيوز

 

نادية نويصر... حين يتكلم الوجدان بلسان الوطن وتكتب الفلسفة قصيدتها

 

بقلم : د .رائد ناجي - فلسطين

 

في زمن تتنازع فيه الاصوات بين ضجيج العابرين وصمت العارفين، تبرز الشاعرة الجزائرية ابنة عنابة، نادية نويصر، كصوت يكتب من عمق الوجدان لا من سطح اللغة، ومن قلق الفكرة لا من زينة العبارة. هي ليست مجرد شاعرة تطرز الكلمات، بل روح تسائل الوجود، وقلب يتماهى مع الوطن، وضمير يوقظ في القصيدة ما كاد ان يموت في الانسان.

 

من عنابة، المدينة التي تعانق البحر وتستحضر التاريخ، خرجت نادية نويصر وهي تحمل في داخلها ذاكرة مزدوجة؛ ذاكرة المكان وذاكرة المعنى. فالبحر عندها ليس مجرد امتداد ازرق، بل مرآة لقلق الانسان، وتاريخ صامت لرحلات الفقد والبحث. والمدينة ليست جغرافيا، بل نص مفتوح على احتمالات الانتماء والاغتراب معا. هكذا تتشكل بداياتها الشعرية، بين موجة تتكسر على شاطئ الروح، وسؤال يتردد في اعماق الذات: من نحن حين نكتب؟ ولماذا لا يكف الحنين عن مطاردتنا؟

شعر نادية نويصر هو شعر وجداني في جوهره، لكنه لا يسقط في فخ العاطفة السهلة. انها تكتب الوجدان بوصفه وعيا، لا انفعالا عابرا. ففي نصوصها، يتحول الحزن الى فكرة، والفرح الى تأمل، والحب الى سؤال مفتوح. هي لا تبكي على الاطلال، بل تفكك معنى البكاء ذاته. ولا تكتفي بوصف الحب، بل تسائل شروطه وحدوده ومصيره. وهنا تتجلى فلسفة خفية تسري في عروق قصائدها، فلسفة لا تعلن عن نفسها بصخب، لكنها تفرض حضورها بهدوء العارف.

 

انها تكتب كما لو انها تمشي على حافة المعنى، حيث لا يقين نهائي، ولا حقيقة مكتملة. كل شيء قابل للتأويل، وكل صورة تحمل اكثر من وجه. وهذا ما يمنح شعرها عمقا خاصا، يجعل القارئ شريكا في بناء الدلالة، لا مجرد متلق سلبي. فقصيدتها لا تقدم اجابات جاهزة، بل تفتح نوافذ للسؤال، وتدع القارئ يتأمل ذاته في مرآة الكلمات.

غير ان هذا البعد الفلسفي لا يلغي حضور الوطن في شعرها، بل يعمقه. فالوطن عند نادية نويصر ليس شعارا سياسيا، ولا خطابا مباشرا، بل تجربة وجودية. هو الذاكرة التي تسكن الجسد، والجرح الذي لا يندمل، والحلم الذي يتجدد رغم الخيبات. تكتب الجزائر لا بوصفها ارضا فقط، بل بوصفها معنى للكرامة والصمود. تستحضر تاريخها، لا لتتغنى به، بل لتسائل الحاضر على ضوء الماضي، وتبحث عن المستقبل في ثنايا الذاكرة.

وفي هذا السياق، يبرز عشقها لفلسطين كامتداد طبيعي لوجدانها الوطني. ففلسطين في شعرها ليست قضية بعيدة، بل جرح قريب، يكاد يكون جزءا من ذاتها. تكتبها كما لو انها تكتب عن نفسها، عن فقدها الخاص، وعن حلمها المؤجل. في قصائدها، تتحول فلسطين الى رمز كوني للحرية، والى مرآة تعكس مأساة الانسان حين يفقد ارضه وكرامته.

انها لا تتعامل مع فلسطين كموضوع شعري عابر، بل كقضية اخلاقية وانسانية. لغتها هنا تشتد، وصورها تزداد كثافة، ونبرتها تقترب من الصرخة، لكنها تظل محافظة على توازنها الجمالي. فهي تدرك ان الشعر لا يكون اكثر تأثيرا حين يصرخ، بل حين يلامس عمق الشعور ويوقظ الضمير. ولذلك، نجد في قصائدها عن فلسطين مزيجا فريدا من الحزن والامل، من الالم والمقاومة، من الانكسار والتحدي.

اما على مستوى اللغة، فان نادية نويصر تمتلك حساسية خاصة تجاه الكلمة. هي تختار مفرداتها بعناية، وتبني جملها كما لو انها تنحت تمثالا. لغتها ليست متكلفة، لكنها ليست بسيطة حد السطحية. انها لغة شفافة، تسمح للمعنى بالمرور، لكنها تحتفظ بعمقها وجمالها. تستخدم الصورة الشعرية بذكاء، فتجعلها اداة للتفكير، لا مجرد زينة بلاغية.

في قصائدها، نلمس ايضا حضورا واضحا للذات الانثوية، لكن دون ان تسقط في النمطية. فهي لا تكتب عن المرأة بوصفها ضحية فقط، ولا بوصفها رمزا مجردا، بل بوصفها انسانا كاملا، يحمل تناقضاته، ويعيش صراعاته، ويبحث عن ذاته في عالم معقد. صوتها الانثوي هنا هو صوت انساني بالدرجة الاولى، يتجاوز الحدود الضيقة للنوع، ليعانق قضايا الوجود الكبرى.

واذا كان الشعر في جوهره محاولة لفهم العالم، فان تجربة نادية نويصر تقدم لنا نموذجا لشاعرة تحاول ان تفهم العالم عبر فهم ذاتها، وان تفهم ذاتها عبر الكتابة. هي لا تدعي امتلاك الحقيقة، لكنها تملك شجاعة السؤال. ولا تقدم لنا عالما مثاليا، لكنها تفتح امامنا امكانية الحلم.

في النهاية، يمكن القول ان نادية نويصر ليست مجرد اسم في المشهد الشعري الجزائري، بل تجربة تستحق التوقف والتأمل. انها تكتب بصدق، وتفكر بعمق، وتشعر بحدة. وفي زمن تكثر فيه الاصوات وتقل فيه المعاني، تبدو قصيدتها كنافذة نحو معنى مفقود، وكدعوة للعودة الى جوهر الانسان.

هكذا، بين الوجدان والفلسفة، بين الوطن والانسان، بين الجزائر وفلسطين، تنسج نادية نويصر قصيدتها، وتترك لنا اثرا لا يمحى بسهولة، كما لو انها تقول لنا بصمت: الشعر ليس كلاما جميلا، بل حياة اخرى، نعيشها حين تضيق بنا الحياة.

 

كمال جوري… جسدٌ مثخن بالشظايا وأسيرٌ في مقبرة جلبوع

تقرير: إعلام الأسرى

 

كان من الممكن أن تبحث والدته اليوم له عن شريكة حياة، تؤسس له منزلاً بحنانها، وتتابع تجهيزاته لحياة مطمئنة، تمارس دوراً أمومياً طبيعياً؛ أحلامٌ بسيطة، وسهرةٌ عائلية، ومائدة طعامٍ دافئة، وبيتٌ مستقر، وأصوات ضحكاتٍ ومناسباتٍ سعيدة. لكن في البلاد التي سُلبت كرامتها باحتلالٍ يسرق الأرض والأعمار، يختلف دور الأمومة تماماً، ويفوق حدَّ المطلوب، بل يتجاوز حدَّ الصبر وحدَّ الاستيعاب لأي عقل.

اليوم تقف الأم خلف اختيارات أبنائها بكل ما أوتيت من قوة. لم تعد فرضية البحث عن حياة مستقرة ودافئة لهم هي المطلوبة، بل أصبحت هناك التزامات أخرى: وقفة تضامنية، متابعة قانونية، ملاحقة حجوزات لمحامين، ومناشداتٌ للعلاج. اليوم اختُصرت الأحلام في كلمة واحدة ترغب كل أم أسير أن تزور بيتها: الحرية.

كمال هاني كمال جوري (26 عاماً) من مدينة نابلس، اسمٌ تقف خلفه أمٌ صابرة تبذل كل جهدها كي تراه حراً بصحته أمامها. تتابع أخبار سجنه في جلبوع، وتعلم ماذا يعني هذا السجن للأسرى أصحاب الأحكام المؤبدة. كل خبرٍ يصل يرهق قلب العائلة، والأخبار القادمة من جلبوع ليست مطمئنة.

هذا السجن سيئ الصيت يمارس، بكل وحشيته، أساليب قمعية بحق الأسرى تصيب قلب الإنسان في مقتل؛ قيادات الحركة الأسيرة تواجه بالضرب الذي يهدف إلى إعدامهم وإذلالهم أمام مجتمع الأسرى، وكل ما حولهم يتحول إلى رماد في طريق هذا التنكيل. الصعقات الكهربائية حاضرة هناك، والقمع الليلي اليومي حاضر، وبرد الزنازين والعقوبات متكرر، والجوع أصبح عدواً آخر يقف في مواجهة أجساد الأسرى، فيما تنهش الأمراض الجسدية والنفسية والجلدية صحتهم دون علاج. أصبحت الشمس حلماً، والهواء النقي رفاهية، والماء الدافئ سراباً، وأدوات النظافة وسيلة إذلال، أما الأغطية فلا تقي برداً ولا جسداً.

تحدث مكتب إعلام الأسرى إلى والدة الأسير كمال جوري للوقوف على ظروفه الإنسانية والصحية في سجن جلبوع، وعلى مطالب العائلة ومناشداتها بضرورة نيله حريته وحقوقه الطبية، ولمعرفة قصة أسيرٍ محكومٍ بالمؤبد من مدينة نابلس، أحد 118 أسيراً مؤبداً، وواحد من 21 أسيراً مؤبداً من محافظته، تسرق السجون أعمارهم ببطء.

بعد نحو خمسة أشهر من المطاردة والتعقب منذ تاريخ العملية الموافق 11/10/2022، وتحديداً بتاريخ 13/2/2023، أخذت حياة الأسير كمال جوري بُعداً آخر. أصوات رصاص واشتباك قرب قرية دير شرف، وخبرٌ بأن الاحتلال اشتبك مع شابين من مدينة نابلس يتهمهما بتنفيذ عملية مستوطنة شافي شمرون التي أسفرت عن مقتل جندي إسرائيلي. أطلق الاحتلال النار عليهما واعتقلهما على قيد الحياة تحت عبارة نشرها في إعلامه العبري: “أُغلق حساب مهم الليلة”. وما بعد ذلك فصولٌ من المعاناة لا تعلم عنها إلا العائلة.

في ذلك التاريخ اعتُقل كمال جوري برفقة الأسير المؤبد أسامة علاء عبد الستار الطويل (26 عاماً)، بعد أن أُصيب كلاهما إصاباتٍ بالغة.

تعرّض الأسير كمال جوري لإصابة في منطقة الحوض تسببت بتهتك في العصب المسؤول عن المسالك البولية، وتركت لديه 12 شظية في العمود الفقري، ما اضطره إلى استخدام كيس بول بشكل دائم. وأصبحت الفحوصات الطبية والمتابعة الصحية والعلاج والأدوية رفاهية داخل سجون الاحتلال بعد حرب السابع من أكتوبر، ما يترك الأسير، بحسب تأكيد العائلة، أمام خطرٍ حقيقي على حياته الصحية على المدى الطويل. واليوم لا تطالب عائلته فقط بتوفير علاج حقيقي له، بل تريده حراً بينهم، ينال خلاصه من السجون وظلامها.

تؤكد عائلته أنه يقبع في سجن جلبوع، ويعاني من أوجاع مستمرة وشديدة، وآلام في قدميه، كما أُصيب منذ أكثر من عام بمرض السكابيوس. ويتعرض للقمع وهو في ذات غرفة الأسير عبد الله البرغوثي. وفي شهر يناير الماضي تعرض قسمه لاقتحام كبير، أُصيب خلاله بآثار ضرب وتنكيل أدت إلى تكسير سنه الأمامي.



محاولة اغتيال

 

بدأت الحكاية الصحية للأسير كمال جوري منذ لحظة اعتقاله، إذ نقله الاحتلال إلى مستشفى “بيلنسون” بعد الاشتباك معه. وهناك لم تنتهِ القصة، بل تعرض لمحاولة اغتيال صريحة، حيث أقدم شقيق القتيل الذي سقط في العملية على وضع مسدس في رأسه ومحاولة إطلاق النار عليه لإعدامه، إلا أنه نجا بعد أن أطلق صرخةً عالية.

لاحقاً نُقل إلى ما يسمى بعيادة سجن الرملة. ورغم أوجاعه، كان الأسير المحب للحياة والإنسانية ينسى آلامه ويساعد الأسرى المرضى هناك، ومكث على كرسي متحرك لمدة سبعة أشهر. ثم نُقل إلى سجن مجدو، وبعد صدور حكم مؤبد بحقه إضافة إلى 28 عاماً وتعويض مالي لعائلة القتيل بقيمة 750 ألف شيقل، نُقل إلى سجن جلبوع.

بتاريخ 22/6/2023 أقدم الاحتلال على تفجير منزل الأسير كمال جوري كأسلوب عقاب جماعي للعائلة. ولم يكن ذلك الانتهاك الأول بحقهم؛ فقد اعتُقل والده في بداية اعتقاله ومكث في السجون شهرين، كما اعتُقل شقيقه وقضى 26 شهراً في سجون الاحتلال.

جلبوع… ساحة جريمة متكاملة الأركان

لم يعد جلبوع مجرد سجن؛ فبعد حرب السابع من أكتوبر أصبح مسرح جريمة صامتاً إلا من صراخ الأسرى. الأجساد هناك تُباد بصمت، والأوضاع، بحسب شهادات أهالي الأسرى ومحاميهم، كارثية.

تطالب عائلة الأسير كمال جوري عائلات الأسرى بالتوحد والوقوف صفاً واحداً أمام إدارة هذا السجن، ورفع قضايا قانونية ضد ممارساتها، كما تطالب بنقله وإعادته إلى سجن الرملة، إذ إن وضعه الصحي لا يحتمل البقاء في جلبوع.

وتقول العائلة:

“كمال بحاجة إلى كيس بول بحجم واحد، لكن إدارة السجون تعطيه أكياساً بأحجام مختلفة، ما يسبب آثاراً صحية خطيرة، من التهابات وتسمم وأوجاع في البطن والظهر. سجن جلبوع يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الآدمية. وعند معاقبة الأسرى يُزال النايلون عن نوافذ الغرف ليلفح البرد القاتل أجسادهم. الأسرى يعلمون أن القمع الليلي شبه يومي، لذلك يتناوب أسرى الغرفة الثمانية على السهر؛ أربعة يسهرون وأربعة ينامون، لتخفيف وطأة الاقتحامات المفاجئة. القيادات في سجن جلبوع تتعرض لصنوفٍ من الإذلال، وجميع الأسرى يتشاركون هذا الأذى النفسي والجسدي”.

اليوم تختصر مطالب عائلة الأسير المؤبد كمال جوري في جمل بسيطة: التحام الأهالي حول قضايا أبنائهم بشكل أكبر، الحرية لنجلهم، المطالبة بعلاجه وخلاصه من ملحمة سجن جلبوع، وأن يعود إلى منزله آمناً مطمئناً، وأن تنتهي حالة الطوارئ المتجددة في سجون الاحتلال والقائمة في قلوبهم أيضاً.




 

 

 

عائلة الأسير عمرو مزاحم تناشد المؤسسات الحقوقية للتدخل العاجل بسبب تدهور وضعه الصحي

 

تقرير: إعلام الأسرى

 

ناشدت عائلة الأسير عمرو نائل مزاحم (21 عاماً) من بلدة عبوين شمال غرب رام الله، المؤسسات الحقوقية والإنسانية التدخل العاجل للاطمئنان على وضع نجلها الصحي داخل سجون الاحتلال، في ظل انقطاع أخباره منذ نحو عام ونصف وحرمان العائلة من زيارته.

وأكدت العائلة أن نجلها يعاني من وضع صحي صعب، حيث أُصيب بمرض “السكابيوس” (الجرب)، الأمر الذي أدى إلى تدهور حالته بشكل كبير، وعدم قدرته على الحركة أو المشي، في ظل غياب الرعاية الطبية اللازمة.

وأشارت إلى أن سلطات الاحتلال ترفض إدخال العلاج له، كما تمنع العائلة أو المحامي من زيارته أو الاطمئنان عليه، ما يزيد من حالة القلق والخوف على حياته، خاصة أن المعلومات المتوفرة عن وضعه تصل فقط عبر أسرى محررين.

وأضافت العائلة أن نجلها معتقل إدارياً منذ نحو سنة ونصف، وقد جرى تجديد اعتقاله عدة مرات دون توجيه أي تهمة واضحة بحقه.

وطالبت العائلة كافة المؤسسات الحقوقية والإنسانية، المحلية والدولية، بالتحرك الفوري للضغط على سلطات الاحتلال من أجل السماح بزيارته، وتوفير العلاج اللازم له، وضمان الحد الأدنى من حقوقه الإنسانية داخل المعتقل.

 

 

 

(الق البرد بالجرد) (من قصص الرعب في السجون)

 

بقلم الأسير : وليد الهودلى

 

وجدت نفسي مسافرا عبر بوسطة مرعبة، وبشكل فجائي قبل الصباح الباكر قرابة ساعتين أو قبل أن يصحو فجر الصحراء القارص لينفض عن كاهله صقيع برد الليل ويستعد لدفء النهار، سحبوني من خيمتي حيث كنت متدثّرا بكل ما لديّ من ملابس وأغطية، كانت إجراءات سلخي من هناك بشكل سريع وكأنهم يفرّون من موت يتخطّفهم منّي.. تحوّلتُ إلى خطر داهم على أمن دولتهم، فكان لا بدّ من دفعي بسرعة من زنزانتي إلى قفص انتظار البوسطة ثم إلى بوسطة جاءت خصّيصا لي مدجّجة بالسلاح والكلاب المفترسة.. حالة من الرعب قذفوها في روعي، ثمّ انطلقوا بأقصى ما لديهم من سرعة، واضح أنّ هناك أمرا جللا أو أنّ هناك معلومات جاءتهم وتوشي بأنّني أشكّل خطرا عظيما على أمنهم.

دخلت معصوب العينين بعد سفر استمرّ ساعتين، شممت رائحة "المسكوبيّة"، وهل تخفى عليّ بدرجات سلّمها الثلاث ثم رائحة عفن الزنازين وأصوات المعذّبين فيها! وممّا أثلج صدري وأكد لي أنّي في "المسكوبية" صوت تناهى إلى مجسّات قلبي بهدوء ورخامة وروعة، إنّه أذان الفجر من المسجد الأقصى، وهل تخفى عليّ ذبذبات هذا الصوت المقدسيّ العظيم الذي ما زال شامخا ومثبتا لحقنا في هذا المكان!

دفعوني للتفتيش، ألقى الشرطي القبض على سترتي، أحسّ بها بأنّها ثقيلة، مرّر مجسّه الالكتروني على السترة طولا وعرضا فلم يجد أي معدن مخبأ فيها، أرجع بصره فيها مرتين وثلاثا وأربعا، فاكتشف أنها سترتان مخاطتان معا بسترة واحدة. شعر بأنه اكتشف جريمة نكراء فاتصل بالضابط المناوب ليظهر حصافته في التفتيش ودقّة استشعاراته الأمنيّة. نعق موجها خطابه للضابط:

- انظر سيّدي، إنّه يحتال علينا، سترتان مخاطتان كأنّهما سترة واحدة.

نظر الضابط نحوي مستفسرا:

فقلت له:

- هناك في صحراء النقب لا تتوفّر تدفئة مركزية ولا صوبات ولا حتى حطب، يتوفّر لدينا مثل عربي يقول: "الق البرد بالجرد".

وكأن المثل قد استهوى هذا الضابط، فسأل ماذا يعني فشرحت له، كتب المثل عنده وكأنّه قد اصطاد شيئا ثمينا، هزّ رأسه، تحوّل للشرطيّ وهتف:

- لا تضيّع وقتك بمثل هذا. إما أن تصادرها أو تتركها أنت رجل الميدان.

وانسحب مسرعا تاركا الشرطيّ مستشعرا الهزيمة وخيبة الأمل.

صادرها وتركني أصارع البرد طيلة فترة التحقيق التي استمرّت قرابة الشهرين، وقبل أن يلفظ الشتاء أنفاسه الأخيرة عدت أدراجي للنقب حتى أحظى ببقايا برد الشتاء هناك. كان هذا عام 2008، في تلك الأيام كانت الأغطية متوفرة وكان هناك مجال لتطبيق المثل: "إلق البرد بالجرد". هذه الأيام لا لباس ولا غطاء ولا جرد ولا طعام فيه شيء من الدفء والطاقة!

 

 

في سجن "سيدي_تيمان" قضى "١سرى_غزّ.ة الشتاء الماضي عراة كما ولدتهم أمّهاتهم!

 

بين الحديد والذاكرة.. مشاهد من سجون الاحتلال

 

بقلم : الأسير عامر ابو عرفة- سجن نفحة الصحراوي

 

في سجون الاحتلال لا يقف الحديد عند حدود القضبان، إنه يمتد إلى الأبواب الثقيلة، وإلى النوافذ الصغيرة التي لا يرى منها الأسير السماء إلا كأنها قطعة زرقاء معلقة في أعلى الجدار، ويمتد إلى القيود التي توضع في المعصم حتى يشعر الأسير أن جسده كله أصبح جزءا من هذا المكان الصلب، لكن هناك شيئا واحدا لا يصل إليه كل هذا الحديد، الذاكرة.

فالذاكرة داخل السجن ليست مجرد استحضار للماضي، بل هي وسيلة للبقاء، وخيطٌ خفي يربط الأسير بحياته خارج القضبان؛ بأهله، وبيته، وشارعه الأول، وباللحظات التي سبقت الاعتقال، وتتحول إلى وطن كامل يحمله في صدره، كلما أغلقت الأبواب خلفه فتح في داخله أبوابا أخرى، وكلما ضاق المكان اتسعت في قلبه الحكايات.

يجلس الأسير على سرير معدني بارد في زنزانة ضيقة، لكن ما إن يغمض عينيه حتى تتسع الزنزانة فجأة، يرى طريق بلدته أو مدينته الذي كان يسلكه صباحا، يسمع صوت أمه وهي تناديه، ويكاد يشم رائحة الخبز الساخن الخارج من تنور البيت.

في السجن تتحول الذاكرة إلى نافذة يطل منها الأسير على الحياة، يتذكر أمه وهي تودعه بالدعاء"الله يحفظك يا ابني"، ويتذكر رجال عرفهم وهو يصنعون طريق المجد مكللين بالعز، وكأنهم يربتون على كتفه قائلين: "الرجال موقف".

ويتذكر المسجد القريب من البيت، والأذان الذي كان يملأ الحي وقت الفجر، فيشعر أن تلك الأصوات لا تزال تسكن داخله مهما ابتعدت الجدران.

وفي لحظات السكون الطويلة، حين يهدأ القسم وتخفت الأصوات، يفتح الأسير مصحفه الصغير أو يستعيد ما حفظه من القرآن، عندها يشعر أن الجدران تصبح أخف، وكأن آيات الله تفتح في صدره بابا من نور.

كثير من الأسرى يقولون إن الايمان في السجن يصبح أوضح، فحين يضيق كل شيء أمام الانسان لا يبقى إلا باب واحد مفتوح نحو السماء، عندها يدرك الأسير أن الحديد مهما اشتد لا يستطيع أن يحاصر قلبا معلقا بالله.

في الليل يجلس الأسرى معا يتبادلون الحكايات، هذا يتحدث عن أمه التي تنتظره كل أسبوع خلف الزجاج، وذاك يستعيد تفاصيل بيته غرفة غرفة كأنه يمشي فيه الآن، وثالث يردد بعض الأناشيد بصوت خافت فيسري في المكان شيء من الطمأنينة.

الحكايات هنا ليست مجرد كلام، بل حياة كاملة يحاول الأسرى أن يحافظوا عليها حتى لا تأكلها السنوات، فالنسيان في السجن موجع.

ومن يفقد تفاصيل حياته خارج القضبان يشعر كأنه فقد قطعة من روحه، لهذا يتمسك الأسرى بالذاكرة كما يتمسك المؤمن بدعائه.

يحفظون وجوه أحبائهم، وأسماء الشوارع في قراهم، وأصوات الأطفال في البيوت، كل شيء يصبح ثمينا، وكل ذكرى تتحول إلى زاد يمدهم بالصبر.

حين ينظر السجان إلى الزنزانة يرى رجالا محاطين بالحديد، لكن ما لا يراه أن في صدور هؤلاء الرجال عالما واسعا لا تستطيع الأقفال أن تغلقه، عالم من الايمان والذكريات والصبر.

ولهذا يمضي الليل في السجن ثقيلا على الجدران، لكنه يمضي خفيفا على القلوب التي تعلم أن الله لا يضيع الصابرين، فالحديد قد يقيد الجسد، لكن الذاكرة والايمان يبقيان دائما أوسع من السجن.

وفي النهاية.. تبقى الحكاية أكبر من هذه الجدران، فخلف الحديد، يعيش رجال تعلموا أن الحرية لا تقاس باتساع المكان بل بثبات القلب، قد تضيق الزنازين وتثقل السلاسل، لكن شيئا واحدا يبقى عصيا على الكسر: روح لا تزال تؤمن أن بعد العسر يسرا، وأن الفجر مهما تأخر لا بد أن يأتي.

لهذا، حين نكتب عن الأسرى فنحن لا نكتب عن سجن فقط، بل عن قلوب ما زالت تقف في وجه العتمة، هذه مجرد مشاهد من سجون الاحتلال

والحكاية لم تنته بعد.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services