26

0

موائد رمضان بين روح العبادة وسباق “الستوريات” على مواقع التواصل

مع حلول شهر رمضان المبارك، لم تعد موائد الإفطار تلك المساحة الحميمية التي يسيطر عليها الصمت والخشوع والابتهال عند سماع "الله أكبر".
 
ص دلومي
 
 لقد اقتحم "الضيف الرقمي" البيوت دون استئذان، وصارت الهواتف الذكية حاضرة في كل زاوية، تلتقط تفاصيل "الصحن والملعقة"، وتنقل نبض المائدة اللحظي إلى شاشات المتابعين. الصور والفيديوهات، أو ما بات يُعرف بـ "الستوريات" و"الفلامات"، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من طقوس الإفطار، محوّلة اللمة العائلية من لحظة روحانية خاصة إلى "محتوى" مشاع يتقاسمه الغرباء والأقارب على حد سواء.
 
 
 
طقوس "الاستنفار الرقمي" قبل الأذان
 
في كثير من البيوت، وقبل أن تمتد الأيدي إلى حبة التمر أو ملعقة الشربة، يُسمع صوت يطلب الانتظار "قليلاً"، حتى تنتهي عملية تصوير "الستوري".
 
مشهد يتكرر يومياً؛ حيث تقف الأطباق في أماكنها كأنها في معرض للفنون، ويُطلب من الجميع التريث وعدم كسر ترتيب المائدة حتى يلتقط صاحب الهاتف "اللقطة المثالية" التي ستُنشر بعد دقائق على "سناب شات" أو "إنستغرام".
 
 
 
بينما ينشغل "المصور" بتعديل زوايا الإضاءة أو اختيار "الفلاتر" التي تجعل ألوان الطعام تبدو أكثر إغراءً، يبرد الطعام أحياناً وتذبل حرارة الصحون، بينما "المخرج الرقمي" لا يزال يبحث عن التفاعل الذي سيبهر المتابعين، لتصبح المائدة مجرد "واجهة عرض" لا وسيلة لإشباع الجوع.
 
جدل "الستوري": دعوات للستر وأخرى للمشاركة
 
على منصات التواصل الاجتماعي، انفجر جدل واسع مع بداية الشهر الفضيل. تعالت أصوات نشطاء وحقوقيين تطالب بـ "كبح جماح" التصوير والاكتفاء بمشاركة الوصفات والنصائح المكتوبة، بعيداً عن استعراض الموائد الباذخة والحلويات الملونة.
تستند هذه الدعوات إلى مبدأ أخلاقي وإنساني بحت؛ وهو احترام مشاعر المحتاجين والفقراء الذين قد يجدون صعوبة في تأمين أبسط مستلزمات الإفطار.
 
فالصورة التي تستغرق ثوانٍ لنشرها، قد تترك أثراً غائراً من الحزن والحرمان في نفس صائم لا يملك سوى "شربة" بسيطة، مذكرة الجميع بأن رمضان هو شهر "الجوع الاختياري" للشعور بالآخر، وليس منصة للمزايدة والمباهاة بنعم الله.
 
 
 
بين التسلية والتفاخر: وجهة نظر "صانعات المحتوى"
 
في المقابل، ترى فئة واسعة من النساء والفتيات أن هذه الممارسة لا تعدو كونها نوعاً من المتعة والتسلية. في المجموعات العائلية وصفحات الطبخ، تزدحم الصور لمراحل إعداد "البوراك" وتزيين "السلطة".
تؤكد هؤلاء النسوة أن تصوير مراحل إعداد الطعام ليس قصده التفاخر، بل رغبة بسيطة في التواصل والترفيه؛ حيث يتبادلن الوصفات ويتعرفن على أطباق من مناطق مختلفة، مما يخلق جواً من الحيوية في نهار رمضان الطويل. بالنسبة لهن، الهاتف هو "نافذة اجتماعية" تكسر روتين المطبخ، والهدف هو "اللمة الافتراضية" وتبادل مهارات الطهي، وليس كسر خواطر الآخرين.
 
معركة "سنيّة القهوة": المباهاة كواجهة اجتماعية
 
ولا يتوقف هذا الاستعراض عند وجبة الإفطار، بل يمتد ليكون "معرضاً" ليلياً للمباهاة أمام الأقارب والصديقات. تبدأ المرحلة الثانية بعد الإفطار مع "سنيّة القهوة والشاي"؛ حيث يتم استعراض أطقم الفناجين المذهبة، وأنواع الحلويات المرتبة بدقة، والمباخر المشتعلة، كل ذلك لبعث رسائل مبطنة مفادها: "انظروا إلى رفاهيتنا وشطارتنا".
هذا التفاخر بفخامة الترتيب وكثرة الأصناف يرسخ ثقافة "المظاهر الجوفاء"، ويحوّل الشهر الكريم من موسم للزهد والتقشف إلى "مهرجان" للتباهي والتعالي، مما يفرّغ الروحانية الرمضانية من معناها الإنساني الحقيقي، ويجعل القيمة الاجتماعية للشخص تُقاس بمدى "فخامة ستورياته".
 
 
الشيخ حجيمي: تصوير موائد الإفطار قد يؤثر على مشاعر المحتاجين
 
أكد الأمين العام للفدرالية الوطنية الجزائرية للأئمة، الشيخ جلول حجيمي، أن الإفراط في نشر صور موائد الإفطار على وسائل التواصل الاجتماعي قد يحمل أبعاداً أخلاقية واجتماعية تستدعي الانتباه. 
 
وأوضح في تصريح لـ"بركة نيوز" أن رمضان شهر عبادة وتضامن، وليس مناسبة للمباهاة أو استعراض النعم أمام الآخرين.
 
وأشار الشيخ حجيمي إلى أن بعض المنشورات، حتى وإن كانت تقصد التسلية أو مشاركة اللحظات العائلية، قد تترك أثراً سلبياً على فئات من الناس تعيش ظروفاً صعبة، أو لا تستطيع تأمين أبسط مستلزمات الإفطار.
 
وأضاف أن هذا التأثير النفسي ليس مجرد شعور عابر، بل يمكن أن يثير مشاعر الحزن أو الغبن لدى المحتاجين، وهو ما يجعل بعض تصرفات "المباهاة الرقمية" غير مناسبة في هذا الشهر الفضيل.
 
وأوضح  الشيخ حجيمي أن الهدف الأساسي من رمضان هو تعزيز قيم التكافل الاجتماعي والتضامن بين أفراد المجتمع، وتقديم الدعم والمساعدة لمن هم في حاجة، سواء عن طريق العطاء المادي أو النفسي، أو بالتصرفات اليومية التي تعكس روح الشهر الكريم.
 
 
وفي ختام تصريحاته، شدد الشيخ حجيمي على أن رمضان فرصة لتعزيز القيم الإنسانية، وأن كل شخص يجب أن يدرك أن "جمال المائدة" الحقيقي لا يقاس بعدد الأطباق أو فخامة الترتيب، بل بالقدرة على لمّ الشمل ومراعاة مشاعر الآخرين، وإظهار الرحمة والصدق في التعامل مع جميع أفراد المجتمع، لا سيما المحتاجين والفقراء.
 
 
 
 
 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services