781

0

البكالوريا في الجزائر.. تجربة اجتماعية فريدة وحلم تتقاسمه العائلة

من متوسطة شويطر محمد بالأبيار.. "بركة نيوز" ترصد أجواء أول أيام الامتحان المصيري

بواسطة: بركة نيوز

نسرين بوزيان 

مع حلول الساعة السابعة صباحا تنقل طاقم "بركة نيوز" إلى متوسطة شويطر محمد بالأبيار(العاصمة)، لرصد الأجواء التي سبقت انطلاق امتحان مادة اللغة العربية ضمن امتحانات شهادة البكالوريا دورة 2026 والتي يجتازها مترشحي شعبة العلوم التجريبية، على غرار أكثر من 870 ألف مترشح من مختلف الشعب عبر ولايات الوطن.

منذ اللحظات الأولى لوصولنا إلى مركز الإجراء بدت ملامح التنظيم المحكم واضحة للعيان، حيث انتشر أعوان الشرطة والحماية المدنية وأعوان الحراسة بمختلف أرجاء المؤسسة، في صورة عكست حجم التحضيرات المسخرة لضمان السير الحسن لهذا الموعد التربوي الوطني الهام.

دقائق حاسمة قبل الامتحان

قبل دخولنا إلى المركز، شد انتباهنا مشهد إنساني مؤثر تكرر أمام أبواب المؤسسة حيث كانت أصوات الأمهات تتعالى بالدعوات والنصائح الأخيرة لأبنائهن: "ربي يوفقك وليدي"، "ما تخافش"، "دير اللي عليك"، كلمات بسيطة في ظاهرها لكنها كانت تختزل مشاعر عميقة من الحب والخوف والأمل، وتكشف حجم الرهانات النفسية التي ترافق هذا الامتحان بالنسبة للعائلات الجزائرية.

وعلى وجوه الأولياء، خاصة الأمهات بدت علامات القلق والتوتر واضحة رغم محاولاتهم إخفاء مشاعرهم أمام أبنائهن، هي الأم الجزائرية المعروفة بقوتها وصبرها أو كما يصفها الجزائريون بـ"الفحلة"، تلك التي تجمع بين الفخر والخوف في آن واحد؛ فخرا برؤية ابنها أو ابنتها وقد بلغا هذه المرحلة المفصلية من مسارهما الدراسي، وخوفا من أن تضيع جهود سنة كاملة من العمل والمثابرة، هي ككل أمهات العالم، لا تتمنى سوى أن ترى أبناءها يحققون أحلامهم ويبلغون أعلى المراتب.

وفي مقابل هذه المشاعر التي كانت تعيشها العائلات كان التلاميذ بدورهم يحاولون التعامل مع لحظات الترقب الأخيرة كل بطريقته الخاصة؛ بين من انكب على مراجعة آخر الملاحظات، ومن تبادل النقاش مع زملائه حول الدروس المتوقعة، ومن فضل الصمت والتركيز لتبدو الدقائق التي تسبق الامتحان وكأنها اختبار نفسي موازي لا يقل أهمية عن الامتحان نفسه.

 

  

مع فتح أبواب المؤسسة، انطلقت عملية استقبال المترشحين وفق إجراءات تنظيمية دقيقة حيث خضع التلاميذ للمراقبة باستعمال أجهزة كشف الهواتف النقالة وسماعات البلوتوث وغيرها من الوسائل الإلكترونية الممنوعة داخل مراكز الامتحان، والتي تندرج ضمن الجهود الرامية إلى محاربة الغش وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين ، كما أشرف الأساتذة والإداريون على التأكد من استدعاءات المترشحين وهوياتهم وتوجيههم نحو القاعات المخصصة لهم وسط أجواء اتسمت بالهدوء والانضباط، ما عكس جاهزية مختلف الأطقم المكلفة بتأطير هذا الموعد الوطني.

التأطير النفسي داخل الأقسام

    

 

بمجرد دخولنا إلى الأقسام، بدا المشهد مختلفا بعض الشيء، إلى جانب الطابع التنظيمي الصارم، كان هناك دعم لافت، جسده حرص الأساتذة المكلفون بالتأطير والحراسة على طمأنة التلاميذ ورفع معنوياتهم وتقديم التوجيهات الأخيرة لهم قبل انطلاق الامتحان،  وكانت كلمات التشجيع التي وجهوها للمترشحين بمثابة جرعة إضافية من الثقة والاطمئنان في لحظات يطغى عليها الترقب والانتظار.

في هذا الإطار، أكدت الأستاذة مقنوش مونية، المكلفة بالحراسة، في تصريح لـ"بركة نيوز" أن الجانب النفسي يعد من أهم عوامل النجاح في الامتحانات، مشيرة إلى أنه لوحظ أن التلميذ الذي يدخل قاعة الامتحان وهو هادئ وواثق من نفسه تكون لديه قدرة أكبر على التركيز واسترجاع المعلومات والتعامل مع مختلف الأسئلة بكل أريحية.

ولفتت المتحدثة إلى أن أغلب التلاميذ يمتلكون المستوى الكافي لتحقيق نتائج جيدة، غير أن التوتر يبقى العدو الأول للمترشح إذا لم يحسن التحكم فيه، لما له من تأثير مباشر على الأداء داخل القاعة، حيث قد يؤدي إلى فقدان التركيز أو التسرع في الإجابة رغم امتلاك المعلومات اللازمة،  لذلك تلعب التهيئة النفسية المسبقة دورا مهما إلى جانب دور الأسرة والأساتذة في طمأنة المترشحين وتخفيف الضغط عنهم خاصة في الدقائق التي تسبق الدخول إلى قاعات الامتحان.

 

جميع الظروف مهيأة لاستقبال المترشحين

 

 

 

ومن القاعات إلى إدارة المركز، واصلنا جولتنا للوقوف على مختلف الجوانب التنظيمية التي رافقت هذا الموعد التربوي حيث أكدت رئيسة مركز الإجراء بمتوسطة شويطر محمد، قادة بن سلطان هجيرة، أن جميع الظروف تم توفيرها لضمان السير الحسن للامتحانات لاسيما أن المركز يستقبل مترشحي شعبة العلوم التجريبية، حيث بلغ عدد الذكور 161 مترشحا مقابل 199 مترشحة.

وأشارت المتحدثة إلى أن جميع الترتيبات التنظيمية واللوجستية تم استكمالها قبل موعد الامتحان بوقت كافي من خلال توفير مختلف المصالح الضرورية، من طاقم إداري وأساتذة ومؤطرين وأعوان أمن وحماية مدنية، بالإضافة إلى طبيبة وأخصائية نفسية لمرافقة التلاميذ والتدخل عند الحاجة، بما يمكن المترشحين من اجتياز امتحاناتهم في أجواء مريحة وهادئة.

 أولياء تحت ضغط الانتظار

ومع اقتراب موعد توزيع المواضيع، بدأت ملامح الجدية تسود مختلف القاعات حيث خفتت الأصوات تدريجيا وحل الصمت مكانها في انتظار اللحظة التي ستنطلق معها أولى ساعات امتحان البكالوريا، وخارج المؤسسة كانت الأجواء مختلفة تماما، فبينما انشغل التلاميذ بالإجابة عن الأسئلة داخل القاعات، بقي الأولياء يعيشون بدورهم امتحانا من نوع آخر عنوانه الانتظار والقلق.

 

خلال جولتنا بين الأولياء، التقينا بالسيدة زهية التي بدت متأثرة وهي تتحدث عن ابنتها المترشحة، معبرة عن مشاعر متناقضة بين الفرح والخوف قائلة: "هذه البنت جاءتني بعد 12 سنة من الانتظار، لذلك أعيش كل تفاصيل حياتها وكأنها تفاصيل حياتي أنا. كل ما أتمناه هو أن أراها ناجحة وسعيدة".

وأكدت أن ابنتها بذلت مجهودات كبيرة طيلة السنة الدراسية بين الدراسة والمراجعة والدروس الخصوصية، مشيرة إلى أنها وفرت لها كل الظروف الممكنة من أجل النجاح، بدءا من الدعم النفسي والمعنوي وصولا إلى توفير بيئة مناسبة للمراجعة داخل المنزل رغم صعوبة المرحلة وضغط التحضير للامتحان.

أما السيدة منال التي كانت تنتظر خروج شقيقها المترشح، قد اختارت أن تضفي شيئا من الفكاهة على أجواء الانتظار، قائلة مبتسمة: "من كثرة ما راجعت معه المواد الدراسية، أصبحت أشعر أنني أنا أيضا سأجتاز الامتحان لو يسمحون لي بالدخول مكانه ربما أجيب عن بعض الأسئلة".

كما عبرت عن فخرها بشقيقها رغم اجتيازه الامتحان للمرة الثانية لاسيما أنه يحلم بمواصلة دراسته في الخارج، مؤكدة أن العائلة تشجعه باستمرار وتدعمه لتحقيق طموحاته وعدم الاستسلام للضغط أو الخوف من النتائج.

ورغم اختلاف القصص والتجارب بين الأولياء، إلا أن أغلب من التقيناهم أجمعوا على فكرة واحدة تتكرر في كل موسم امتحانات، تتمثل في ضرورة تجنب ممارسة أي ضغط نفسي على الأبناء خلال هذه الفترة الحساسة، مؤكدين أن الدعم المعنوي والتشجيع والاحتواء النفسي يبقى العامل الأهم لمساعدة المترشحين على تجاوز هذه المرحلة في أفضل الظروف.

الضغط النفسي عدو النجاح في الامتحانات

 

 

وفي هذا السياق، قالت الأخصائية النفسية عيادي خلفي خليدة، بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية ببوزريعة، في تصريح لـ"بركة نيوز": "يعتقد بعض الأولياء أن الضغط المستمر سيدفع أبناءهم إلى تحقيق نتائج أفضل لكن الواقع يثبت العكس، فالمترشح خلال هذه الفترة يحتاج إلى الاحتواء والدعم النفسي أكثر من حاجته إلى التوبيخ أو التذكير الدائم بأهمية الامتحانة، لافتة إلى أن ظاهرة الضغط المفرط على الأبناء خلال الامتحانات الرسمية أصبحت أكثر انتشارا خلال السنوات الأخيرة.

وأوضحت المتحدثة أن بعض الأولياء يربطون نجاح أبنائهم بالحصول على معدلات مرتفعة أو الالتحاق بتخصصات معينة، ما يجعل التلميذ يعيش تحت ضغط نفسي متواصل قد ينعكس سليا على أدائه يوم الامتحان.

كما أشارت إلى أن من أكثر الأخطاء شيوعا انتظار التلميذ مباشرة بعد خروجه من قاعة الامتحان لسؤاله عن تفاصيل الأسئلة والأجوبة والأخطاء المحتملة، معتبرة أن هذا السلوك يزيد من توتره ويؤثر على تركيزه في الاختبارات الموالية ، داعية الأولياء إلى التركيز على تشجيع أبنائهم ورفع معنوياتهم بدل محاسبتهم على ما مضى، لأن ما تم اجتيازه لا يمكن تغييره بينما يبقى الأهم هو التحضير الجيد للمواد المتبقية.

التوازن الصحي مفتاح التركيز والأداء الجيد

 

 

 

وبموازاة الجانب النفسي، شددت الدكتورة حناشي سارة على أهمية المحافظة على التوازن الصحي خلال فترة الامتحانات من خلال اعتماد نظام غذائي متوازن، لما له من دور مباشر في تحسين التركيز والقدرات الذهنية، كما دعت إلى الابتعاد عن الوجبات السريعة والمشروبات الغنية بالسكريات، والتقليل من استهلاك المنبهات بكميات كبيرة خاصة خلال الفترات المسائية.

ونوهت بأن بعض المكملات الغذائية مثل المغنيسيوم والفيتامينات، قد تساعد في التخفيف من أعراض التوتر والإرهاق وتحسين النشاط الذهني، بشرط استعمالها وفق نصائح المختصين وفي إطار نظام غذائي متوازن، إلى جانب أن النوم المنتظم والراحة النفسية والجسدية لا يقلان أهمية عن المراجعة والتحصيل العلمي.

وفي ختام حديثها، أكدت حناشي أن نجاح المترشح خلال فترة الامتحانات لا يرتبط فقط بحجم المراجعة والدراسة بل كذلك بمدى توفر التوازن النفسي والصحي، ما يجعل دور الأسرة أساسيا في توفير بيئة هادئة ومطمئنة تساعد الأبناء على تقديم أفضل ما لديهم.

امتحان تعيشه العائلة قبل المترشح

 

 

ومع انتهاء الفترة الصباحية، عدنا إلى محيط المركز لرصد الانطباعات الأولى للمترشحين بعد خروجهم من قاعات الامتحان، وهناك كان مشهد الانتظار لا يزال متواصلا حيث تجمع الأولياء في مجموعات صغيرة يتبادلون أطراف الحديث والدعوات، بينما ظلت أعينهم معلقة ببوابة المؤسسة.

وخلال تجوالنا بين الحاضرين، استوقفتنا أحاديث عفوية بين عدد من الأمهات عكست حجم التوتر الذي يعشنه خلال فترة الامتحانات، إحدى الأمهات كانت تروي لصديقتها تفاصيل يومها قائلة:  "لم أستطع القيام بأي شيء  حتى إعداد الطعام لم أتمكن منه، كان كل تفكيري مع ابنتي داخل قاعة الامتحان،وكنت أكتفي بالدعاء لها في كل لحظة."

في المقابل، ردت عليها أم أخرى مؤكدة أنها عاشت المشاعر نفسها، قائلة: "لم أستطع القيام بأشغال المنزل كعادتي، كنت أشعر وكأنني أنا من أجتاز الامتحان وليس ابني، كل دقيقة تمر كنت أتساءل ماذا يفعل الآن؟ وهل تمكن من الإجابة جيدا".

كما روت إحدى الأمهات العاملات أنها لم تستطع التركيز في عملها طيلة الفترة الصباحية، قائلة: "ذهبت إلى عملي، لكن ذهني كان مع ابني داخل المؤسسة، حاولت الانشغال بمهامي اليومية غير أن التفكير فيه لم يفارقني طوال الوقت"، هذه الشهادات العفوية أظهرت أن الامتحانات لا يعيشها المترشحون وحدهم بل تتحول إلى تجربة جماعية تشاركهم فيها الأسرة بكل تفاصيلها، خلف كل تلميذ يجلس على مقعد الامتحان، يوجد أب أو أم أو أخ أو أخت يعيشون القلق نفسه ويتقاسمون معه آمال النجاح وتطلعات المستقبل.

 

وما إن فتحت الأبواب وبدأ التلاميذ في الخروج تباعا حتى تحولت لحظات الانتظار إلى لقاءات امتزجت فيها الابتسامات بالأسئلة السريعة حول طبيعة المواضيع وكيفية الإجابة عنها.

أسئلة في متناول المترشحين

 

وفي حديثه لـ"بركة نيوز" أكد التلميذ عبد الحق أن موضوع الشعر السياسي كان من بين المواضيع المتوقعة، وجاء في متناول التلاميذ الذين تابعوا الدروس وحضروا جيدا خلال الموسم الدراسي، وأن الأسئلة اتسمت بالوضوح والمباشرة غير أنه اعتبر أن موضوع النثر كان أكثر صعوبة نسبيا لأنه تطلب قدرا أكبر من التحليل وفهم النص، وهو ما جعل بعض التلاميذ يترددون في اختياره.

أما التلميذة منال، قد كان لها رأي مختلف حيث أكدت أن موضوع النثر جاء هو الآخر في متناول المترشحين، وأن الأسئلة المطروحة كانت مباشرة وواضحة، وأن التلميذ الذي راجع دروسه واستوعب المنهجية المطلوبة بإمكانه الإجابة عنها بسهولة.

وهكذا تباينت آراء المترشحين بين من رأى أن موضوع الشعر السياسي كان الأسهل، ومن اعتبر أن موضوع النثر لم يطرح أي صعوبات تذكر، غير أن أغلبهم اتفقوا على أن المواضيع جاءت من صميم البرنامج الدراسي ولم تخرج عن الدروس التي تلقوها خلال السنة.

 

في نهاية المطاف، بدا واضحا أن امتحان البكالوريا لا يخص المترشح وحده بل يمتد أثره إلى الأسرة بأكملها، خلف كل مترشح يجلس على مقعد الامتحان ، توجد قصة عائلة كاملة تنتظر النجاح، وتحلم بأن ترى أبناءها يخطون خطوة جديدة نحو مستقبلهم الدراسي والمهني.

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services