170

1

من هرمز إلى حرب الروايات

بقلم: د. سامي الخليلي باحث واكاديمي

في لحظة تبدو فيها المنطقة على حافة انفجار جديد، مع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، وعودة الحديث عن استهداف الملاحة في مضيق هرمز، قد يبدو المشهد مألوفًا للوهلة الأولى: تهديدات عسكرية، حسابات ردع، واحتمالات تصعيد.

لكن ما يتشكل تحت هذا السطح أكثر تعقيدًا بكثير، وأبعد من مجرد مواجهة تقليدية.

فاليوم، لم يعد الصراع يدور فقط حول من يسيطر على الممرات البحرية، بل حول من يسيطر على السردية التي تفسر ما يحدث داخل تلك الممرات.

لطالما كان مضيق هرمز أحد أهم مفاتيح القوة في النظام الدولي، ليس فقط لأنه ممر حيوي للطاقة، بل لأنه نقطة اختناق استراتيجية قادرة على إرباك الاقتصاد العالمي في لحظة واحدة.

غير أن التحولات التكنولوجية التي شهدها العالم خلال العقد الأخير أضافت بعدًا جديدًا لهذا الموقع الجغرافي؛ إذ لم يعد بالإمكان فصل الجغرافيا عن الفضاء الرقمي الذي يحيط بها.

ففي حال تطور الصراع، لن يكون السيناريو محصورًا في استهداف ناقلات النفط أو تهديد الملاحة، بل قد يمتد إلى البنية التحتية غير المرئية التي يقوم عليها العالم الحديث: الكوابل البحرية التي تنقل البيانات، وأنظمة الاتصالات، وشبكات التحكم التي تدير الاقتصاد العالمي.

أي خلل في هذه الشبكات لن ينعكس فقط على المنطقة، بل على الأسواق، والمؤسسات، وحتى الحياة اليومية لملايين البشر.

هذا التحول يكشف حقيقة أساسية: العالم لم يعد يعتمد على تدفق النفط وحده، بل على تدفق المعلومات أيضًا.

وإذا كان إغلاق المضيق يهدد الطاقة، فإن تعطيل الكوابل يهدد الإدراك ذاته.

في موازاة ذلك، تتسارع وتيرة اتخاذ القرار السياسي والعسكري بشكل غير مسبوق، مدفوعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

لم يعد صانع القرار ينتظر التقارير التقليدية، بل يعتمد بشكل متزايد على نماذج تحليلية تقدم له تقديرات فورية، وتوقعات مبنية على كميات هائلة من البيانات.

هذه السرعة قد تمنح ميزة تكتيكية، لكنها في الوقت نفسه تقلص المسافة بين التحليل ورد الفعل، وتزيد من احتمالات سوء التقدير.

وفي بيئة متوترة بطبيعتها، مثل الشرق الأوسط، يمكن لخطأ صغير ـ قراءة غير دقيقة، أو تفسير متسرع ـ أن يتحول بسرعة إلى أزمة واسعة.

وهنا يظهر الذكاء الاصطناعي ليس فقط كأداة قوة، بل كعامل قد يعيد تشكيل طبيعة المخاطر نفسها.

لكن التحول الأكثر حساسية لا يحدث في الميدان العسكري، بل في الفضاء الرقمي، حيث تدور معركة موازية لا تقل أهمية: معركة الروايات.

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من أي صراع،  فهي لم تعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل منصة لإنتاجها، وإعادة صياغتها، وتوجيهها.

في كل تصعيد، تتدفق آلاف الروايات المتناقضة، وكل طرف يسعى إلى تثبيت تفسيره الخاص للأحداث، ليس فقط أمام جمهوره، بل أمام العالم.

المشكلة أن هذه المنصات لا تعمل بمنطق الحقيقة، بل بمنطق التفاعل، فالمحتوى الأكثر إثارة هو الأكثر انتشارًا، بغض النظر عن دقته.

ومع تطور أدوات التزييف، لم يعد من السهل التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُصنَّع، ما يفتح المجال أمام حالة من الضبابية قد تكون مقصودة في حد ذاتها.

في مثل هذه البيئة، لا يصبح الهدف إقناع الجميع برواية معينة، بل إرباك الجميع، بحيث يفقدون الثقة في أي رواية.

وعندما تنهار الثقة، يصبح من السهل توجيه الإدراك، حتى دون تقديم بديل واضح، هذا البعد يتقاطع مع صراع أوسع يتشكل على مستوى النظام الدولي، وتحديدًا بين الولايات المتحدة والصين.

فالتنافس بينهما لم يعد يقتصر على الاقتصاد أو الانتشار العسكري، بل امتد إلى مجال أكثر عمقًا: من يملك القدرة على تصميم البنية التكنولوجية التي يقوم عليها العالم.

هذا الصراع لا يُخاض فقط في المختبرات أو الشركات، بل ينعكس أيضًا في مناطق التوتر، حيث تتحول الأزمات إلى ساحات اختبار غير مباشرة للأدوات التكنولوجية، سواء في جمع المعلومات، أو تحليلها، أو التأثير من خلالها.

في هذا السياق، لم تعد المنطقة مجرد ساحة صراع تقليدي، بل أصبحت جزءًا من معادلة دولية أكبر، تتداخل فيها الجغرافيا مع التكنولوجيا، والسياسة مع الخوارزميات.

كل ذلك يضع مفهوم السيادة أمام تحدٍ حقيقي، فالدولة التي كانت تسيطر على حدودها المادية تجد نفسها اليوم أمام فضاء لا يمكن احتواؤه بسهولة.

المعلومات تعبر الحدود دون إذن، والمنصات تعمل خارج الأطر التقليدية، والتأثير الخارجي لم يعد يحتاج إلى وجود مادي.

أصبحت السيادة مسألة تتعلق بالقدرة على إدارة هذا التعقيد: حماية الفضاء الرقمي، وفهم ديناميكيات التأثير، والتعامل مع واقع لم تعد فيه السيطرة كاملة كما كانت في السابق.

في النهاية، ما نشهده ليس مجرد تغير في أدوات الصراع، بل تغير في طبيعته، فبينما لا يزال مضيق هرمز يمثل نقطة حساسة في الجغرافيا السياسية، فإن ما يحدث على الشاشات قد يكون أكثر تأثيرًا مما يحدث في البحر.

لم تعد القوة تُقاس فقط بما يمكن تدميره، بل بما يمكن تشكيله: الوعي، والإدراك، والسردية.

وفي عالم كهذا، قد لا يكون أخطر ما يمكن أن يحدث هو إغلاق مضيق، بل أن يفقد العالم القدرة على الاتفاق حول ما يحدث داخله.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services