147
0
من الحكاية إلى المنهاج: المنيعة تعيد تعريف التراث الشفهي كأداة لبناء الوعي
لقاء حاسي القارة يكشف انتقال الثقافة من فضاء التنشيط إلى مشروع تربوي مؤسسي يراهن على الذاكرة في مواجهة تحديات العصر الرقمي

لم يعد استحضار الحكاية الشعبية في الجنوب الجزائري مجرد فعل نوستالجي يعيد إنتاج صور الماضي، بل أضحى جزءًا من رؤية مؤسساتية تتشكل ملامحها تدريجيًا، قوامها إعادة توظيف التراث الشفهي داخل منظومة تربوية وثقافية حديثة. هذا التحول تجسد بوضوح في اللقاء الذي احتضنه المركز الثقافي بحاسي القارة بولاية المنيعة، حيث التقت الذاكرة الشعبية مع الفعل التربوي في تجربة تعكس تغيرًا عميقًا في إدارة الشأن الثقافي المحلي.
الحدث، الذي جمع الحكواتي جيلالي دلسي بتلاميذ المدرسة الابتدائية ملود فرعون، لم يكن مجرد عرض سردي تقليدي، بل شكل لحظة اختبار لنموذج جديد يسعى إلى تحويل الحكاية من مادة ترفيهية إلى أداة تعليمية قادرة على التأثير في تشكيل الوعي الفردي والجماعي. في هذا السياق، أكد مدير الثقافة والفنون لولاية المنيعة، العابد ياسين، أن الحكواتي لم يعد يؤدي دورًا فولكلوريًا، بل أصبح فاعلًا في عملية التكوين الثقافي، وهو تصريح يعكس توجهًا رسميًا نحو إعادة هيكلة وظيفة التراث داخل المجتمع.
هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الثقافة والمؤسسة. فحين تنتقل الحكاية من فضائها الشعبي الحر إلى إطار مؤطر داخل مكتبات ومراكز ثقافية، فإنها تكتسب بعدًا جديدًا، لكنها في المقابل تواجه خطر فقدان عفويتها. غير أن التجربة التي شهدها لقاء حاسي القارة أظهرت إمكانية تحقيق توازن دقيق بين التأطير والحفاظ على روح الحكاية، من خلال تقديمها بأسلوب تفاعلي يحافظ على جاذبيتها ويمنحها في الوقت ذاته بعدًا تربويًا.
تصريحات الحكواتي جيلالي دلسي عكست وعيًا بهذا التحول، حيث أشار إلى أن الحكاية اليوم مطالبة بأن تواكب تحولات المجتمع، دون أن تفقد جذورها. وهو ما يتقاطع مع رؤية الكاتبة داسة حليمة، التي اعتبرت أن إدماج السرد الشفهي في الفضاء التربوي يمثل فرصة لإعادة الاعتبار للهوية الثقافية المحلية، خاصة في ظل هيمنة الوسائط الرقمية التي تفرض أنماطًا جديدة من التلقي.
حضور فاعلين من مجالات متعددة، من أدب ومسرح وتأطير بيداغوجي، لم يكن عنصرًا عرضيًا، بل يعكس توجهًا نحو بناء منظومة ثقافية متكاملة تتجاوز التقسيمات التقليدية بين الفنون. فالحكاية، في هذا السياق، لم تعد فنًا معزولًا، بل أصبحت نقطة تقاطع بين الكتابة والأداء والتربية، وهو ما يعزز قدرتها على التأثير ويمنحها أفقًا أوسع.
من جهة أخرى، أظهر طاقم مكتبة المطالعة العموميةو على رأسهم بوحميدة الخنساء و بن ساسي سامية و بلمشرح حبيبة و قواسم عبد الرزاق، من خلال التنظيم المحكم للنشاط، أن المؤسسات الثقافية المحلية قادرة على لعب دور محوري في هذا التحول، إذا ما توفرت لها الرؤية والاستمرارية. وقد أكدت تصريحات أعضاء الطاقم أن الرهان لم يعد في تنظيم تظاهرات ظرفية، بل في بناء مسار ثقافي دائم يندمج ضمن الفعل التربوي.
هذا التوجه يعكس انتقالًا واضحًا من منطق “التنشيط المناسباتي” إلى منطق “المشروع الثقافي”، حيث لم تعد الفعاليات تقاس بعددها، بل بمدى تأثيرها واستمراريتها. وفي ظل المنافسة المتزايدة مع الوسائط الرقمية، يبدو أن إعادة توظيف الحكاية الشعبية كأداة تربوية قد تشكل أحد الحلول الممكنة لتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بتراثها.
ما حدث في حاسي القارة لا يمكن اعتباره مجرد نشاط محلي، بل هو مؤشر على تحول أعمق في السياسات الثقافية، يسعى إلى جعل التراث عنصرًا فاعلًا في بناء المستقبل، بدل أن يبقى حبيس الذاكرة. وإذا ما تم تعميم هذا النموذج وتطويره، فقد يفتح آفاقًا جديدة أمام الثقافة الشفوية لتستعيد مكانتها، ليس كموروث يُحفظ فقط، بل كأداة تُستخدم في صياغة وعي جديد يتفاعل مع تحديات العصر.
الهوصاوي لحسن

