37434

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 185

 

بقلم إسماعين تماووست 

في عالم الشرطة المظلم والمليء بالمخاطر، كان كل واحد من هذين المفتشين أشبه بأسطورة تمشي بين البشر: شجاع، صارم، لا يعرف الخوف، ورجل شرف لا يقبل أي تنازل عن مبادئه.

كانت شجاعتهما تصل إلى أقصى الحدود، وإخلاصهما المستمر وبسالتهما جعل كل مهمة لهما طريقًا نحو الإنجاز النهائي، بلا أي تراجع أو لحظة ضعف. هاتان الشخصيتان، ذات العبقرية الواضحة، لم يرتكبا أخطاء مهنية؛ فكل ما بدا للبعض خطأ أو زلة كان في الواقع فخًا محكمًا، لخداع الأعداء ودفعهم إلى مصائد مميتة، حيث لم يكن هناك مكان للخطأ أو التردد.
لقد كانت سنوات عملي مع هذين المسؤولين تجربة استثنائية، تركت بصمة عميقة في نفسي. شجاعتهما وجرأتهما جعلت منهما أفضل عناصر الشرطة الوطنية وأكثرهم التزامًا بالعدالة. كنت أتابع كل تحركاتهما وأدرس أساليب عملهما، خاصة في الحرب ضد الإرهاب، حيث كانوا يواجهون أعداءً متعصبين دون أي تردد، متحدين الخطر بكل ما يمتلكونه من عقل وقوة.كنت أراهما بمثابة قادة ملهمين، فغاياتهما لم تكن مجرد مهام عابرة، بل معايير للبطولة والشجاعة لأي ضابط شرطة. أحيانًا كانا يخترقان القوانين بحذر وذكاء، لتنجح مهماتهما كصواعق تضرب المجرمين فجأة، وتترك الأشرار عاجزين أمام سرعة ودهاء التنفيذ.
في تلك الحقبة الملعونة، كانت القوانين أحيانًا عقبة أمام الحق والعدالة، وكانت المواجهة تتطلب قرارات صارمة وحاسمة. لمحاربة شياطين التعصب والإرهاب، كان لا بد أحيانًا من تطبيق "عين بعين" وبلا أي رحمة، حتى يتم القضاء على الخطر بشكل كامل.
أرفع التحية لشجاعتهما وبسالتهما، ولحرفيتهما وإخلاصهما لوطنهما المقدس الذي كرّسا حياتهما لأجله. لقد علماني أن الصبر والشجاعة والتفاني ليست مجرد كلمات، بل مسار حياة، وأن البطولة الحقيقية تكمن في مواجهة الخطر بلا تردد، وفي الوفاء بالعهد مهما كانت المخاطر محدقة.
كانا نموذجًا حيًا على أن الشجاعة لا تُقاس بالكلمات، بل بالأفعال، وأن التفاني والإخلاص لوطن يعاني من الفوضى والإرهاب يتطلب روحًا لا تعرف الاستسلام، وعقلًا حادًا قادرًا على التمييز بين الخير والشر في أصعب اللحظات.
في تلك الحقبة التي اجتمعت فيها الفوضى والجنون، لم يكن لرأيي المتواضع صدى يذكر، سوى أنني كنت أحرص على إسداء النصائح لرجال الشرطة في فريقي، وأحياناً حتى لغيرهم من الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع مجرمين استسلموا لشيطان التطرّف الأعمى.

كنت أذكّرهم بلا مواربة أنّ الواجب يقتضي تطبيق قانون القصاص بأشد صوره، حتى وإن بدا أقسى من القوانين التي اعتادوا عليها، لأن فظاعة الجرائم التي ارتكبها أولئك الأوغاد لم تترك لنا مجالاً للرحمة، ومع توالي الأيام، واشتداد الأزمة، كنّا نُدفع دفعاً إلى أن نصبح رجالاً بلا هوادة ولا شفقة، مجرّد أدوات صلبة لا تعرف التردّد، حتى النهاية القصوى: إبادة العدو الجاهل.
لقد كنت، منذ البداية، على يقين بأن هذين المحافظَين الرئيسيين للشرطة اللذين شاركاني درب المواجهة، قادران على إنجاز أمور عظيمة. كانت كفاءتهما العالية تُمكّنهما من اقتحام أصعب العقبات وتحقيق انتصارات ثمينة ضد خصم لا يلين: الإرهاب. وما يميّزهما، إلى جانب هذه القدرات الاستثنائية، أنهما لم يفقدا إنسانيتهما؛ كانا يتعاملان بشجاعة ولكن أيضاً بتفهّم مع كل من يعترض سبيلهما في سياق عملهما، سواء كانوا مواطنين أو مرؤوسين، دون أي تمييز أو تفرقة. وهذا ما جعلني أعتبرهما نموذجاً نادراً للرجال الذين يجمعون بين الصرامة والرحمة، وبين الواجب والإخلاص.
وأنا اليوم، وقد غابا عن دنيانا، لا أملك سوى أن أنحني إجلالاً أمام شجاعتهما الفذّة وبسالتهما التي لم تعرف المساومة. لقد أحببت فيهما، قبل أي شيء، احترافيتهما النادرة ووفاءهما المطلق لوطنهما المقدّس. أحمل في داخلي أسراراً جمعتني بهما، أسراراً اندثرت مع رحيلهما، ولا أجد عزاءً إلا بالدعاء أن تكون أرواحهما في جنات النعيم.
إنني، كلما رفعت يدي إلى السماء، لم أنس الدعاء لزملائي من رجال الشرطة، ولكل عناصر الأمن، ولأفراد الدرك الوطني، بل وللجنود الذين ضحّوا بأرواحهم في ساحات الشرف، وكذلك لجميع ضحايا الإرهاب المجرم.

تلك الأرواح التي رحلت ظلماً وغدراً، ستظل شاهداً على حرب داخلية ضروس، حرب لم تعرف الرحمة، وامتهنت القتل بوحشية، فمزّقت القلوب والبيوت، وزرعت في كل بيت ندبة لا تمحى.
لقد كان أكثر ما يُؤلم في تلك المرحلة أنّ الجميع أدرك أننا كنا نعيش حرباً أهلية داخلية، بقدر ما كانت وحشية، كانت أيضاً دموية، تنخر البلاد كما ينخر السّم في الجسد. حرب فرضت علينا أن نكون شهوداً ومقاتلين في آنٍ واحد، وأن نكتب بدمائنا فصلاً لن يُمحى من ذاكرة الوطن..

كنت مفتش شرطة واعيًا تمامًا لخطورة الوضع آنذاك، وقدّر زملائي المسؤولون هذا الوعي وأشادوا به. ومع ذلك، أعترف بأنني استغليت نوعًا ما حسن تفهمهم واستماعهم لي بانتباه، وطلبت منهم بإصرار أن أمارس الاستجوابات خارج المقرات  الرسمية، على المشتبه بهم من الإرهابيين، متواطئيهم، وكل من لهم صلة مباشرة أو غير مباشرة بأعمال إرهابية، لم يكن هذا مجرد تصرف شخصي، بل كان واجبًا للحفاظ على سلامة مهمتنا وأمن الجزائر.

كنت أرى بعيني كيف يشتعل الخطر من حولنا، كيف يجتاح الموت حياة العشرات يوميًا، أحيانًا المئات، وكيف يصبح الكل عرضة بلا تمييز. كل خطوة كانت حاسمة، وكل قرار قد ينقذ أو يهلك.
دهائي، كما اعتاد زملائي قوله، كان أداة حماية، أداة لإبقاء المعلومات تحت السيطرة، لإحباط خطط الجهلة المتهورين الذين يهددون السكان بلا رحمة. عملي لم يكن مجرد تطبيق القانون، بل أن أكون عيون الدولة وسيفها المخفي في الظلام، أراقب وأتحرك بخفة وحذر، أستبق الأحداث قبل أن تقع.
لقد أدركت أن كل لحظة فيها حياة أو موت، وكل خطأ صغير قد يقودنا إلى كارثة، لذا كانت استراتيجياتي دائمًا محسوبة بعناية، مدروسة، مع الاستفادة القصوى من كل معلومات والموارد المتاحة.

لم يكن هناك مكان للارتجال العشوائي؛ كل خطوة محسوبة بدقة، وكل تحرك يهدف إلى حماية الأبرياء وكشف الحقيقة، مع الحفاظ على توازن بين الشجاعة والحذر، بين المكر والمهارة، وبين الإنسانية والواجب.
...يتبع

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services