390
0
ملف ملحق منبر أدباء بلاد الشام
التجديد في الوزن الشعري العربي.

بقلم : محمد شريم
*المنسق العام لمنبر أدباء بلاد الشام.
لا يختلف اثنان، من أصحاب المنهج العلمي في حقيقة أن العلوم الدنيوية، في العادة، وما يتعلق بها من آراء ونظريات وقواعد لا تحيط بها أية هالة من القدسية، بل هي قابلة للتعديل أو التبديل أو التطوير، بناء على المنهج العلمي أيضاً، ووفق ما تقتضيه الحاجة، وبضمن ذلك علوم اللغة والأدب والشعر.
والوزن الشعري العربي التقليدي، والذي يتضمنه علم العروض، يرى الكثيرون أنه لا يخرج عن هذا الإطار من التفكير، بل إنه قابل للتعديل والتطوير، دون الخروج عن إطاره العام وقواعده الأساسية المعروفة، وأن القيمة التراثية التي يحملها لا تشكل أية حصانة تمنع عنه نظرة التطوير أو يد التعديل ضمن الحدود المعقولة.

فالوزن الشعري مرّ بمراحل من التطور قبل أن يصل إلى ما وصل إليه في زمن واضع علم العروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، فالبحور الشعرية ـ كما أرى ـ لم تأت على لسان شاعر واحد وفي لحظة شعرية واحدة، وكذلك الصور المختلفة لتفعيلات هذه البحور.
وانطلاقاً من هذه النظرة ، فإن الشعراء – في تاريخهم - لم يقفوا عند حدود صور البحور الشعرية التي حددها الخليل، بحذافيرها، بل تجاوز الكثير من كبار الشعراء وصغارهم هذه الحدود، بهذا القدر أو ذاك، واجتهدوا بأن يطوروا لأشعارهم قوالب موسيقية قد تفوق ما حدده الخليل عذوبة وجمالاً في بعض الأحيان، وذلك بعد أن أدخلوا بعض التعديل والتطوير المحدود على الصور التي وضعها الخليل، وهو ما يمكن أن نسميه ( التجديد ) .
ولم يكن النقاش في هذا الأمر، أي التجديد، وليد هذا العصر، بل إن النقاش فيه كان من قديم الزمان، منذ أن قال أبو العتاهية ذات يوم: ( أنا أكبر من العروض ! )، ولن ننسى الأخفش الذي أضاف إلى بحور الخليل بحره السادس عشر، وهو (المتدارك)، ومع هذا، فقد ناقش هذا الأمر بعض دارسي العروض في هذا الزمان، ومنهم د. شعبان صلاح، في كتابه ( موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع )، حيث أورد في كتابه الكثير من الأمثلة على ما أدخله الشعراء من تطوير على بحور الشعر بصورها الخليلية، ومن هؤلاء على سبيل المثال أبو العتاهية الذي أدخل علة ( التذييل ) على بحر الكامل التام، والتي يمكن أن تكون في الصور التقليدية للبحر في مجزوء الكامل وليس في التام، كما تحدث د. شعبان عن إدخال هذه العلة على بحر الرجز المجزوء من قبل بعض الشعراء، ومنهم كامل الشناوي، علماً أن ( التذييل ) في علم العروض لا يدخل على بحر الرجز، وأنا – كاتب هذه السطور - من الذين استحسنوا علة التذييل في هذين البحرين، وكانت لي تجربة أراها ناجحة في بعض ما كتبت، في اثنتين – على الأقل - من المنظومات الشعرية التي نظمتها حين أدخلت هذه العلة على الكامل التام، واجتهدت بإدخالها على الرجز التام أيضاً.
وعندما تطلق لناظريك العنان لتتبع آراء دارسي بحور الشعر وعلم العروض تجد أن بعضهم لم يقف فقط عند إدخال هذا التعديل أو ذلك التطوير هنا أو هناك، من قبل بعض الشعراء، كتلك الصور ( غير التقليدية ) لبحر الوافر مثلاً، أو لبحر الكامل، وغيرهما من البحور، والتي أوردها الأستاذ أحمد فراج العجمي في كتابه ( توليد بحور الشعر العربي ) ـ ولا أتحدث عن شعراء التفعيلة فذلك أمر آخر ـ بل تعدى بعض دارسي بحور الشعر ذلك ليتحدثوا عن رؤيتهم الخاصة بتطوير الوزن الشعري، ومثال ذلك ما طرحه الأستاذ العجمي في كتابه سابق الذكر من آراء ، والتي يسميها ( طريقتي التوليدية ) ، وهي الطريقة التي بموجبها يرى مؤلف الكتاب أن من الممكن لنا أن نولد (374) صورة لبحر الوافر ، و ( 2820) صورة لبحر الكامل ، لم يتردد في إدراجها في عدد من صفحات الكتاب .
إن الحديث عن هذه ( الطريقة )، وعن الذي ورد بموجبها من الصور ( المقترحة ) من قبل العجمي لا يعني بالضرورة أن نأخذ بها جميعها ، ولا أن نأخذ ببعضها أيضاً ، ولكن قيمة ما طرحه الرجل ـ فيما أرى ـ تكمن في أنه أراد بطريقة يراها علمية أن يهدم حاجز الخوف الذي قد يحرم الشعراء من ( ممارسة حقهم في التجديد والابتكار المقنن، وفي اختيار الثوب النغمي الذي يلبسونه قصيدتهم ) ، فبهذا الحرمان ( نقيد أفق علم العروض العربي عن التنظير والقياس والإبداع والتجديد ) .
ومع هذا فإن على الشاعر أن يدرك أن هذه الآراء لا تعني أن نبرر للشاعر عجزه عن النظم وفق بحور الشعر بصورها الخليلية المعروفة، كما أنها لا تشكل رخصة للشاعر ليتجاوز من خلالها عروض الشعر العربي وقواعده وأصوله ، ولكنها تعني أن من حقه البناء على هذه القواعد بما يتلاءم معها ، والتفريع من هذه الأصول ما يمكن أن يتفرّع منها .
أربع خواطر..
بقلم: أحمد الصيفي.
*أمين سر جمعية منبر أدباء بلاد الشام في فلسطين.
الغُبَار؟!
مَوَاقِفُ تَظهَرُ كلَّ يومٍ وهي تَزْوِي جَبِينَها.. لا عَزْمٌ في العَينَينِ يَلمَع، ولا قوّةٌ في يَمِينِها.. وَجهُها مُخِيف، لا وَرَقٌ، لا ثَمَرٌ كأنَّهُ الخَريف.. مَوَاقِفُ لها أَنيَاب، والخُطا تَجُرُّ الخَرَاب.. وعيونُ القومِ شاخِصَةٌ في اكتئاب.. لا ضِيَاءٌ، أو ماءٌ، بَلْ سَرَابٌ في سَرَاب.. أَيَادٍ مِنْ حَدِيد، والأَرجُلُ أَخْشَاب.. يَخنِقُ أَنْفَاسَ يَوْمِنا الغُبَار.. وفي الرِّئاتِ سُعَار؟؟!!
والرَّبيع؟!
كمْ مِنْ ذكرياتٍ تَذهَبُ مَعَ الرِّيح؟ وكمْ مِنْ قصِيدةٍ فَقَدَتْ حَرفَها الفَصِيح؟ صُوَرٌ فاترةٌ تأتي مِنَ البَعِيد، أمْسِيَتُنا وأَصبَاحُنا تُعَانِي مِنَ التَّشْريد، ولا عِيد.. تَتَدَحَرجُ فينا الأيَّام، ولا طريق، مِقْصَلةٌ على رِقابِها، يأكلُها الحريق.. يَجِيئُنا شِتاءٌ لا يَعتَرِفُ بالثَّلجِ والمَطَر.. تَغَيَّرَ وَجهُ الغاباتِ والسُّهُول، والرَّبيعُ ما زَهَر؟؟!!
بَردٌ يَتَغَلغَلُ؟!
نَهُزُّ جُذُوعَ اللَّيلِ والنَّهَار؛ أَمَلًا أنْ يَبْرَأَ الجُرحُ، والحُزنُ إلى اندِثار.. بَردٌ يَتَغَلغَلُ في المَسَامَاتِ بِعُنْفٍ، وفي الرِّئاتِ جِمَار.. اليَدُ فوقَ الجبين، والقلبُ باحثٌ عن الحنين.. نُحاولُ أنْ نَجمَعَ كلَّ الفُصُولِ والغِلالِ في السِّلال.. أنْ نُبقِيَ ابتسامَتَنا في يَقَظَةٍ، أنْ نُضْفِيَ على وَجْهِ القَصَائدِ الكرَامَةَ والجَمَال.. أنْ تَبقَى جَذْوةُ الصَّلاةِ تَرَاتيلَ وأذكار؟؟!!
هَلْ مِنْ رَبِيع؟!
هل مِنْ نشيدٍ جديد، يُعلِي صوتَ الأملِ والطُّمأنينةِ لنا، ويُعِيد؟ هل مِنْ ربيعٍ يُخاصِرُ العِيد؟ لا خوفٌ يَزولُ بالخُرافةِ والأساطير.. تتغذَّى الذّكرياتُ على الدَّمعِ، صابرةً في انتظارِ الغيمِ المَطِير.. نُقَبِّلُ جُرحًا فينا برائحةِ الورود.. آمِلينَ في مَوَاسمَ اندثَرَتْ، عَلَّها تعود.. نَبقَى نَحمِي أحلامَنا بأجفانِ العُيُونِ؛ طَمَعًا في البُرُوقِ والرُّعُود؟؟!!
شَجَرُ الأَمَانِي؟!
لو أنَّ الأيَّامَ تُطِلُّ علينا بوجوهٍ كلُّها قُبُلاتٌ وأغنيات.. لو أنَّها تأتي بلا آهاتٍ، بلا جِراحات.. لو أنَّ القصائدَ تبوحُ بغيرِ أصواتٍ مَخنوقات.. في النَّهارِ جُرح، وفي اللَّيلِ قَرح، ولم يَزلْ بَعيدًا الصُّبح.. تَعَالَيْ أيَّتُها الأيَّامُ، نَهْزُزْ وإيَّاكِ شَجَرَ الأَمانِي والأغانِي.. تَعَالَيْ نَكتبْ على جبينِ الشَّمسِ كِبرياءً، نَرسُمْ فُصُولًا مُثْمِرات؟؟!!
 يحاكي دون كيشوت..jpg)
محمود شقير في روايته (رنين الأسماء) يحاكي دون كيشوت
بقلم: جميل السلحوت.
عن دار طباق للنّشر والتّوزيع في رام الله، صدرت بداية هذا العام 2026 صدرت رواية للأديب الكبير محمود شقير موجّهة للفتيات والفتيان، وتحمل عنوان" رنين الأسماء. دون كيشوت المقدسيّ"، وتقع الرّواية في 110 صفحات من الحجم الصّغير. " دون كيخوت أو دون كيشوت رواية ملحميّة إسبانيّة كتبها ميجيل دي سيرفانتس، صدرت في جزئين في 1605 و1615، وتعتبر من الرّوايات التّأسيسيّة للأدب الغربيّ، ترجمت إلى عشرات الّلغات، وهي من أكثر الرّوايات الّتي بيعت في العالم."
وأديبنا الكبير محمود شقير الّذي يخوض غمار التّجريب في كتاباته، يبدو أنّه تأثّر بهذه الرّواية، فأراد محاكاتها برواية كتبها، واستبدل فيها دون كيشوت الإسبانيّ، بدون كيشوت المقدسيّ. فيقول عن بطل روايته فارس رشيد:" قرأ عن الفارس الإسبانيّ دُون كيشوت الّذي آلى على نفسه أن يتصدّى للشّرّ أينما كان، وأن ينصر المظلومين مهما تكبّد من مشاقّ؛ لرفع الظّلم عنهم. راقه هذا الفرس الّذي لم تكلّل معاركه بأيّ نصر، مع ذلك لم يتراجع عمّا عقد العزم عليه." ص١١.
وفارس هذا ابن السّنوات العشرة، الّذي يكره الظّلم، ويتعاطف مع الضّعفاء والفقراء، صمّم أن يكون فارسا كشخصيّة دون كيشوت، وعندما كان يزور أباه في السّجن قبل أن توقف الزّيارات بعد اندلاع حرب أكتوبر 2023، رأى بعينيه معاناة الأسرى وذويهم، ولهذا وضع طنجرة غطاء لرأسه، وغطّاها بقبّعة، ووضع شاربا له انتزعه من جلد خاروف مفروش في البيت، وحمل عصا المكنسة؛ لتكون رمحا له، وقامت والدته. بتتويجه فارسا بناء على رغبته، وقالت له:" من الآن أتوّجك فارسا مكرّسا لرفض الظّلم، وللمطالبة بوقف حرب الإبادة ضدّ الفلسطينيّين الّتي نشهدها الآن."ص17.

واختار فارس اسما له هو" دهر الدّهور". واختار صديقه بولس ليكون نائبا له. ورباب شقيقة بولس لتكون ملهمة له" لفارس"، واختارت لها اسما هو " دعد الدعدوعة". في حين اختار بولس بثينة شقيقة فارس؛ لتكون ملهمة له.
ويلاحظ أنّ مغامرات" دهر الدّهور" كانت في غالبيتها العظمى مجرّد أحلام تغشاه وهو نائم.
ويلاحظ القارئ للرّواية أنّ الأديب شقير اعتمد في روايته هذه على الخيال المحبّب لليافعين. كما مزج هذا الخيال بالواقع الّذي يعيشه الأطفال الفلسطينيّون، فهم يكرهون الظّلم ويكرهون لاحتلال، ولا يلجأون للعنف. ومن خلال ما بين السّطور هناك دعوة مبطّنة لإبعاد الأطفال عن العنف، وتركهم يعيشون طفولتهم رغم ما يعايشونه من اعتداءات وأعمال عنف.

كَابوسُ الَّلعنةِ
بقلم: جورج عازر.
*عضو الهيئة العامة الإقليمية لمنبر أدباء بلاد الشام.
حِصارُ الأسئلةِ
يُضيِّقُ عليَّ الخِناقَ
وجَحيمٌ يَلتهمُ ذَاكرتي
وكَابوسُ الَّلعنةِ لا ينفَكُّ
كُلَّ قِلاعي الحَصينةِ يُهاجمُ
وبالرُّوحِ يَفتِكُ
لا أعلمُ إنْ كنتُ
أَستَفيقُ أم أَغفو
مِثلَ غَريقٍ
أتشبَّثُ بِبقايا المَركبِ
الَّذي عَلى سَطحِ الذِّكرياتِ
يَطفو
وتتوهُ صَرختي الواهِنةُ
في الدُّروبِ المُقفِرةِ
وتَمتَماتُ المُشعوذينَ
تُهَرولُ خَلفي
وتَموتُ المَسافاتُ
رُويداً رُويداً
كلَّمَا بَدأ النِّسيانُ يَهرُشُ خَيالاتي
ومثلَ ثَلجِ الكَوانينِ
نُدفُ الصُّورِ العَتيقةِ
تنهمِرُ من كُلِّ الفَضاءاتِ
والطِّفلُ في المَهدِ
تَارةً يبتسمُ
وتَارةً يَنتحِبُ
في أنفي رائحةُ الأرضِ
حينَ يواقِعها المَطرُ
ووجوهٌ من سُحبٍ ودُخانٍ
تَرقُصُ وتُرنِّمُ
أعرِفُها ولا تَعرِفُني
ينتابُني الظَّمَأ
والينبوعُ على مَقربةٍ
ينسَكِبُ
أشتاقُ إلى قَطرَةِ مَاءٍ
وأَحِنُّ إلى سُنبلةِ الحَصَادِ
وإلى وردةٍ مُنذُ سنينَ
ما زالتْ لأناملي الدَافئةِ
تَنتظرُ وتَشتَاقُ
أَحرِقُ أوراقَ الخَيبةِ
وأزرعُ في المَدى
شَبحَ ابتسامَةٍ
فيعلو صَوتُ البُكاءِ في الصَّدى
أَتوقُ لأنْ أُوقِفَ السَّاعاتِ
وأن أُعطِّلَ الزَّمنَ
تُسابِقُني الرِّيحُ
وتصيرُ سُنونُ الانكسارِ
دوَّامةَ إعصارٍ
وتَنسَلُّ هَارِبةً
كُلُّ العَقارِبِ
في جَحيمِ العَتمةِ
كلَّمَا حَاولتُ
أنْ أمْحُوَ جِراحي
أحجَاراً تُصبحُ مِمْحَاتي
مُذْعِناً أنتظرُ مَن يفتحُ
البابَ المُوصدَ
وأجهلُ إن كنتُ
أريدُ الدُّخولَ أو الفِرارَ
تُخالِطُ الكوابيسُ حُلمي
وتعبثُ بتضاريسِ دَمي
ورِمالٌ تُكبِّلُ أقدامي
والنُّورُ في الزنازينِ حَبيسٌ
فكيفَ أبدأُ الدَّربَ الطَّويلَ
والشَّمسُ الغاربةُ
على وشَكِ
الأُفولِ
المغتَرِب
شعر: ريما كامل البرغوثي.
*عضو الهيئة العامة الإقليمية لمنبر أدباء بلاد الشام.
على صفَحاتِ القلبِ ترسو مراكبُهْ
ونحوَ أقاصي الأرضِ سارت ركائبُهْ
يلوّحُ لي من شاطئِ الهجرِ نفحُهُ
وتُثملُني رغمَ الغيابِ مشاربُهْ
خطونا على بردِ الجليدِ فذوّبَتْ
خطانا جليدًا أسقمَتْنا عواقبُهْ
رسمْنا على وقعِ الفِراقِ لقاءَنا
ولكنْ ... محت تلك الرسومَ ذوائبُهْ
عزفْنا لحونًا والرّياحُ تقودُنا
فعادَ صداها ريحُ صِرٍّ تغالبُهْ
وسافرَ في جفنِ القصيدةِ صوتُهُ
تذرُّ رمادًا في العيونِ رواسبُهْ
تناءت رؤى الأحلامِ والأفْقُ ضيّقٌ
ونامَتْ على متنِ الشراعِ متاعبُهْ
أيا راحلًا والرّوحُ فيه تعلّقَتْ
كفاكَ فِراقًا أثخنَتْكَ عقاربُهْ
إلامَ طوافٌ والدُّنى خرمُ إبرةٍ
وحتامَ بُعدٌ ضلَّ في البحرِ قاربُهْ
فهُزَّ مجاديفَ الرجوعِ بأوبةٍ
تناجي شراعي والودادُ يصاحبُه
وليتك تحلو فالبحارُ أجاجُها
أذابَ فؤادًا مطفآتٍ كواكبُهْ
وحيَّ على الأوطانِ يكفيك غربةً
فكم من غريبٍ سابقتْهُ حقائبُهْ
هلمَّ بنا كي نرشفَ العمرَ ما بقي
بآخرِهِ هل يؤمَنُ العمرُ جانبُهْ؟

حكاية: هدية عيد الأم.
بقلم : زياد أبوصالح.
*منبر أدباء بلاد الشام – فلسطين.
في ذلك الصباح الثقيل، كان (مجد ) يجلس إلى جوار أمه في المركبة المتجهة نحو معبر الحدود. لم تكن الطريق طويلة، لكنها بدت أطول من قدرة القلب على الاحتمال. كانت دموع الأم تنساب بصمت على خدّيها، كأنها تعرف أن هذا الوداع لن يكون عابرًا.
وحين توقفت المركبة، وحانت لحظة الفراق، ازداد بكاؤها غزارة. نزل (مجد)، وقبّل رأس أمه ويديها، كما قبّل رأس أبيه، ثم مضى بخطوات حاول أن يجعلها ثابتة، بينما كان قلبه يتفتت خلفه.
عبر مجد إلى الأردن قادمًا من فلسطين، ثم شدّ رحاله إلى أمريكا، يحمل معه دعوات أمٍ لم تكفّ عن رعايته ، حاملاً في حقيبته أحلاماً وغربة ، وفي قلبه صورة أمه الباكية .
عادت الأم إلى بيت خلا من ضحكة ولدها ، وامتلأ بظله ، مثقلة بالهم، لا يهدأ لها بال، ترفع كفّيها إلى السماء كل يوم، تسأل الله أن يوفقه ويحفظه.
لم تعد الأم تعرف للطعام طعمًا، ولا للنوم سكينة. كان مجد حاضرًا في ذاكرتها ، كانت تراه في كل زاوية ، طفلاً يلعب ، فتى يدرس ، شاباً يودع ، كأنه يقف أمامها، يبتسم لها، ويطمئن قلبها المتعب. لقد ربّته باهتمام، وكانت له أمًا ومربية، زرعت فيه خصال الرجولة الحقة ، فصار هو الآن ، بعيد الجسد ، قريب القلب .
وفي غربته، بحث (مجد) عن عمل، فلم يخيّب الله سعيه. كان يعرف أن رضا والديه زاده الحقيقي، وأن الدعاء الذي يرافقه أقوى من كل سند. التزم بصلاته، ولم يقطع صلته بالمسجد القريب من مسكنه، كان الإيمان هو الوطن الذي لم يفارقه.
وبعد أن توفر المال بين يديه،أرسل لأهله منه الكثير، واشترى الأراضي، وبنى مستقبله بهدوء. ورغم صغر سنه، كان رجلًا في تحمل المسؤولية.
ولم تنس الغربة أو ظروف العمل (مجد) من أن يكون باراً بأمه، ففي يوم الأم، أراد أن يكون حاضرًا بطريقته، فأرسل مبلغًا من المال إلى إخوته، وطلب منهم أن يشتروا هدية لأمه، وأن يخفوها في خزانتها.
وعندما حضرت الأم، طلب إخوته منها أن تفتشها، ولم تكن تعلم أن مفاجأة القلب تنتظرها.
ففتحت الأم الخزانة، فوجدت الهدية، وعلى الغلاف صورتها، وتحتها عبارة بسيطة هزّت كيانها: "من مجد إلى أمه في عيدها."
أمسكت (أم مجد) الهدية بيدين مرتجفتين ، ضمّتها إلى صدرها، كأنها تضم ابنها الغائب الحاضر ، وتحاول أن تستعيد منها دفئه الضائع ورائحته البعيدةو .انهمرت دموعها بحرقة صامته هزت أركان الغرفة، فلم يتمالك إخوته أنفسهم، وبكوا لبكائها، ولبعد أخيهم وتأثراً بهذا الحب الذي يتحدى المسافات .
وبعد أن هدأت قليلًا، رنّ الهاتف ، فجاء صوت من وراء البحار دافئاً وحنونا : «لم ولن أنساكِ يا أمّي، أنتِ أمامي أينما حللتُ ورحلتُ.

ثلاث أقاصيص..
بقلم: سامر المعاني.
*منبر أدباء بلاد الشام – الأردن.
بلادنا
استفاق على صراخ وضجيج بين أزيز الرصاص وأصوات ليس لها نهاية متساقطة كما لو كان إعصار هائج يخيم على كل الأرجاء، وكأنك أمام مشهد لن ينجو أحد منه . ليسأل أحدهم فيجيب: قتل عشرون، وقال الثاني :اقتحم الأمن المكان واعتقلوا جميع من وقع تحت أيديهم، كما قال ثالثهم: لم يمت أحد، وقال رابعهم :أحد المخربين هو من أطلق الرصاص وأجبر الأمن على دخول الحي.
سار عدة خطوات وجلس على أول أدراج العمارة، لعله يستوضح الأمر بعد حين، لكن الأيام مضت ومضت معها أعوام وهو ينتظر فلم يتضح شيء حتى الآن.
في غرفة المدير..
كنت انتظر قدوم مدير المدرسة، وبينما كنت جالسًا في غرفته جاء عامل النظافة وانتفض من حوله، يبوخني بصوته المرتفع جدًا: قف هذه الجلسة ليست لأمثالك! كان يدرك في تلك اللحظة أنني إما مشاغب أو كسول. وقفت وأنا أنظر إليه بغرابة شديدة رغم أنني لم أستطع الرد عليه. وعندما جاء مدير المدرسة سلم علي بيده بحرارة وقال لي: ألف مبروك لقد فازت قصتك في المركز الاول، وأنت مفخرة للمدرسة، وحين نظر لعامل النظافة قال له:قم بإحضار الشاي لهذا البطل و بابتسامة صفراء، قال : حاضر ومضى..
ريش النعام
ذهبت تنشر جسدها المفتون بالأحلام .... النشوة تملأ تلك الغرفة المخملية ، وسائدها الناعمة سارحة بالسحر والجمال تطفئ تعب ظهيرة آب . السعادة تنتشر كما أحلامها الوردية ورموشها الناعسة المتاخمة للفرح تعانق السكون وتهيم في أناقة المكان الذي أسرها بسبات عميق . وفي لحظة لم تكن بعيدة جاء من يهزّها من ذراعها: أيتها الحمقاء، اذهبي ولملمي كلّ ما لكِ فأنت مطرودةٌ من العمل دون أجر ...

ابنة زرقاءِ اليمامةْ
شعر: عبد الكريم أبو الشيح.
عضو الهيئة العامة الإقليمية لمنبر أدباء بلاد الشام.
في السوق سيدةٌ تقولُ بأنّها
هي بنتُ زرقاء اليمامةْ
وترى لأبعدَ ما رأتْ
زرقاءُ في الصحراءِ أو
قرأتهُ في كفّ الغمامةْ
في السوق سيدةٌ بدتْ
شعثاءَ تصرخُ في الجموعِ: أنا ..أنا
هي ذي شهادة مولدي
ذا كُحلُ أمّي الإثمِدُ ...
ذا دفترُ الرؤيا
وعيناها اللتانِ اجتثتا
كي يضمنَ الغازي السلامةْ
هي ذي أنا
وأرى مَسيرةَ أشهرٍ
فلتسمعوني قبلَ ما
تأكلكمُ نارُ الندامةْ
إنّي أرى
يا قومُ في الأفقِ البعيد كواسىرًا
سنّتْ مخالبها وقد
لبستْ لكمْ ريشَ الحمامةْ
وعلى قوادمها من الزيتون أغصانٌ
تضلٌلُ ما تخبئُ في خوافبها
من الموت المقطّر في زجاجاتِ الملامةْ
يا قومُ إنّ لفيفكم
ــ حتى وإنْ ضحكوا لكمْ ــ
في عرف أدناهم قُلامةْ
في السوقِ سيدة كساقيةٍ تدورُ
وتسكبُ الرؤيا على
عتَباتِ أعينهمْ ولكنْ لمْ يرَوا
فيما تقولُ ولو علامةْ
يا قومُ لو
تذرون إذ ناديتُ ما يُلهيكمُ
هذا يبيعُ الدار كيما يشتري
قبراً إذا سمحوا لهُ بأطراف المدينةْ
وخلافُهم
ما زال مذ كانوا على لونِ المَنامةْ
فلها على الأحلامِ تأثيرٌ يُغيّر سيرة الأحلامِ في
ترتيبِ أدوارِ القِوامةْ
هذا ــ ومن كرمٍ لقد ــ
وهبَ النساءَ وزاد بالوِلدانِ حولَ المُشترينَ
يُطوّفون عليهمُ
وعليهمُ تلكَ البليّةُ مُستدامةْ
يا قومُ لو
ويجيب من قعر سوقٍ خاويةْ
صوتُ الصدى
(لا تندهي ما في حدا)
وسمعتُ سيدةً تنوحُ على رصيف السوقِ لكنْ نوحُها بددا
هذي أنا
وأرى مسيرةَ أشهرٍ
يا عينُ لكن حين أفتحُ للقريب العينَ
أفتحها ولكن لا أرى أحدا
إلا دمًا
كالسدّ ينبتُ من شروخ الأرضِ كالأشجار يغدو للثرى رصدا
وأكفَّ أطفالٍ تسدُّ الأفقَ تزرعُهُ بأحلامٍ وشمسٍ لم تزلْ
ترنو لتشرقَ في غدٍ
من عينِ طفلٍ لا يرى زنداً ولا سندا
إلّاهُ في مرآته مَددا
وسمعتُ سيدةً تنوح وتجمع الرؤيا وكحلاً كان في يدها تُدفترهُ
وترسلُ شهقةً في السوقِ، هذي السوقُ مقبرةٌ تقولْ
سأعودُ يا زرقاءُ خائبةً فلم يُصغوا
وهلْ........
ليسوا سوى
أعجازِ نخلٍ خاويةْ
لا يسمعون وإنْ على آذانهم
سلّطت صورا نافخا وقَدا
وأنا وأنتِ غريبتان كصالحٕ
لا أهلَ نرجوهم ولا بلدا
سأعودُ لي
سأعودُ يا أمّي
لأبكيَ عينكِ الثكلى ونبكيَ أمّةً زبدا

"لن نفترقَ أبدا"
بقلم : غدير حميدان الزبون - فلسطين
* منبر أدباء بلاد الشام
كان ذلك في مساءٍ عاديٍّ جدًا من تلك الأمسيات التي تتشابه حتى تظنّها نسخةً مكررةً من نفسها.
كنتُ أجلس أمام شاشة التلفاز أشاهد فيلمًا قديمًا من سلسلة Back to the Future، وأضحك في سري من تلك الفكرة التي طالما أربكتني منذ الطفولة وهي كيف يمكن لإنسان أنْ يسافر إلى المستقبل، والمستقبل في علم الغيب؟
أغلقتُ الشاشة فجأة، وقلت بصوتٍ مسموع في جدال افتراضي مع المخرج: حسنًا أيها المهرج البارع، لكنّ المستقبل ليس لنا، ولكن ماذا عن الماضي؟
لم يكن في السؤال شيءٌ خارق سوى أنّ قلبي ارتجف لحظة نطقه، فالماضي ليس غيبًا.
الماضي ذاكرة، والذاكرة كما اكتشفتُ لاحقًا هي آلة الزمن الوحيدة التي لا تحتاج إلى وقود.
بدأ الأمر عندما عثرتُ على صندوقٍ خشبي قديم في خزانة أمّي.
كان الصندوق من تلك الصناديق التي تحتفظ برائحة السنين في مزيج من غبارٍ وحنينٍ وخيبة أمل صغيرة.
فتحتُه وإذا به صورة مدرسية، وشريطٌ أزرق باهت، ورسالة قصيرة كتبتها صديقة قديمة فحواها "لن نفترق أبدًا".
ضحكتُ فقد كانت كذبة طفولية لطيفة.
لكن ما إنْ لمستُ الصورة حتى شعرتُ بشيءٍ يتبدل، فالغرفة صغرت، والسقف ارتفع، والجدران اكتست بلون الطباشير.
كنتُ في الصف الخامس آنذاك.
وقفتُ هناك أرتدي زي المدرسة، وحقيبتي الكبيرة الملأى بالمفاجآت فهي أثقل من قدرتي على الاحتمال.
جلست "سمر" أمامي بنفس الجديلتين، وهي تلتفت نحوي قائلة:
– هل درستِ للامتحان؟
كدت أجيبها بعقل امرأةٍ ناضجة، لكنّ صوتًا صغيرًا خرج من فمي:
– لا، لكنني سأدّعي المرض.
وهنا أدركت الكوميديا السوداء في الأمر فقد عدتُ إلى الماضي، ومع ذلك ما زلت أتهرّب من كابوس الامتحانات.
كنتُ أتحرك في أروقة المدرسة مثل شبحٌ يعرف النهاية مسبقًا.
رأيتُ الصديقة التي ستسافر، ورأيتُ المعلمة التي كنتُ أظنها تكرهني، لأكتشف الآن – بعينٍ أكبر – أنها كانت فقط مرهقة من الحياة.
ضحكتُ حين رأيتُ نفسي الصغيرة تبكي لأنّ قلمها انكسر.
يا إلهي، لو كانت تعلم نفسي الصغيرة الساذجة أنّ أقلامًا أكبر ستنكسر لاحقًا من قناعات، وصداقات، وأحلام.
اقتربتُ من نفسي الصغيرة وجلستُ بجانبها في ساحة المدرسة، لم تكن تراني بوضوح، لكنها شعرت بي.
سألتها:
– لماذا تبكين؟
أجابت بعينين قلقتين من السفر إلى المستقبل:
– لأنني أخاف أنْ أكبر.
ابتسمتُ وقلت:
– لا تخافي، فالكِبر ليس وحشًا، إنه طفلٌ يرتدي ثيابًا رسمية، ثم حدث ما لم أكن مستعدة له، لقد رأيتُه، إنّه العمّ الحكيم خليل الدهيدي.
كان جالسًا تحت شجرة التين في آخر الحقل في البيت القديم.
لا زال يمسك بعصاه السحريّة مرتديًا نظارته بعيدة النظر.
كان يضحك بصوته الذي يشبه المطر الخفيف.
اقتربتُ منه ببطء ودون أي صوت خشية أنْ ينكسر المشهد لو أسرعت.
قال دون أن ينظر إليّ:
– تأخرتِ.
فأجبت وأنا مضطربة:
– كنتُ أبحث عن طريق العودة.
نظر إليّ، بعينيه اللتين تحملان حكمة الأرض، وواصل حديثه قائلا:
– لا أحد يعود يا صغيرتي، نحن فقط نزور الذكرى، ثم نغادرها.
جلستُ بجانبه، وأردت أن أقول ألف شيء منها: اشتقتُ إليك، وسامحني لأنني لم أكن بجوارك في لحظتك الأخيرة، والحياة أصعب مما توقعت.
لكنني قلتُ بدلًا من ذلك:
– هل كنتَ تعلم أننا سنفترق؟
ضحك، وقال:
– نحن لا نفترق، أنتم فقط تنسون أنّ الدعاء طريقٌ بلا مسافة.
لم أتمالك نفسي، وسرعان ما سابقتني دموعي لتختلط الكوميديا بالتراجيديا، فرغم رحلتي الخارقة على حدّ علمي إلّا أنني لم أستطع تغيير شيء.
أعترف بالحقيقة الموجعة فلم أستطع إنقاذ أحد، أو منع وداع، ولا حتى إعادة زمنٍ توقف.
كل ما استطعتُ فعله هو الفهم المتأخّر.
عدتُ إلى غرفتي فكان الصندوق ما يزال مفتوحًا، والصورة في يدي لكنّ قلبي أثقل.
لقد اكتشفتُ شيئًا مهمًا فلو أُعطينا فرصة العودة إلى الماضي فلن نركض لتغيير الأحداث الكبرى، ولن نحاول منع الكوارث.
لو كان ذلك متاحًا سنفعل شيئًا أبسط بكثير، سنحضن من نحبّ مدةً أطول، وسنضحك بصدق أكبر، وسنخبر ذواتنا الصغيرة أنّ الخوف طبيعي، وأنّ الخسارة واردة دون أدنى شكّ لكنّها لا تعني نهاية الحكاية، فالماضي ليس مكانًا نعود إليه.
إنه معلمٌ لا يتكلم إلا بعد فوات الدرس، وأنا لم أعد أتمنى السفر إلى المستقبل.
ولا حتى إلى الماضي.
أصبحتُ فقط أتمنى أنْ أعيش اللحظة قبل أنْ تتحول هي الأخرى إلى صندوقٍ خشبي، ورائحةٍ قديمة، وصورةٍ تقول:
"لن نفترق أبدًا".
ونفترق…

( الصرماتي )
بقلم: عمر حمّش.
*عضو الهيئة العامة الإقليمية لمنبر أدباء بلاد الشام.
خيطٌ في فمه من على مقعدٍ قديم؛ قابل طاولة خشب، وبيده قدوم، يدقّ. سأله صاحب النعال: تحتها أحد؟ وأشار إلى تلال الركام التي أمامه. لم يتوقف (الصرماتي)، أخذ من فمه المسمار، دقّه، ثم نظر، قال: آه. تحتها جثث. هزّ صاحب النّعال رأسه، وأومأ لزوجته: تسمعين؟ تحتها جثث. ثم عاد: كثير؟ أكثر من مئة. تسمعين؟ أكثر من مئة. خيطٌ يدخل، ويسحب. كلهم ماتوا؟ وندم على غباء السؤال، والخيط في فم (الصرماتي)، وهو يحدّجه. الزوجة استدركت: ماتوا طبعًا… من لحظتها ماتوا. لم تجد مكانًا لمقعدك إلا هنا؟ هنا أعمل، وأنتظر من يُخرج أولادي. صاحت الزوجة: أولادك؟ نعم. كلهم… ثمانية. صاحت المرأة، وهبّت تلطم. قال الزوج، مرتبكًا: ثمانية؟ أومأ. قال الزوج: لماذا لا تحفر؟ رفع (الصرماتي) رأسه، نظر طويلًا؛ فتح فمه، لم يخرج شيء. حاول أن يقف، وضع يده على الطاولة، ارتجفت. خطا خطوة نحو الركام، توقّف. عاد. جلس. أخذ المسمار، وضعه في فمه، سقط. لم ينحنِ هذه المرّة. ظلّ ينظر إلى يديه، والقدوم على الخشب سكن.
نحو الفجر الأبدي
بقلم: قمر عبد الرحمن.
*عضو المجلس الإداري للمنبر ، المنسقة الإعلامية لمنبر أدباء بلاد الشام.
يَا طِفلَ الخَيمَةِ مَظلُومًا يَشكِي
وَالظُّلمُ حَولَهُ كَالسَّيفِ يُشقِي
وَاللَّيلُ طَوِيلٌ وَالرِّيحُ تَعصِفُ
وَالصَّبرُ فِي قَلبِهِ ضَائِعٌ يَحكِي
ظِلُّ الخَيمَةِ ثَقِيلٌ كَالجَبَلِ
وَالأَحلَامُ فِيهِ كَالسُّحُبِ تَبكِي
لَكِنَّ الفَجرَ قَرِيبٌ يُضِيءُ
وَالأَمَلُ فِي قَلبِهِ سِرٌّ يَسقِي

عن الشام أتحدث
شعر: لميس الرحبي.
*العضو الفخري بجمعية منبر أدباء بلاد الشام في فلسطين.
وسرتُ بقلبيَ الشاميِّ فخرًا
بأرضٍ ما هوتْ يومًا لِداءِ
أذوبُ بحبّها في كلّ نَفسٍ
وأُشعلُ في الظلامِ لها ضيائي
إذا نادتْ فدَيتُ الروحَ مَجدًا
وأنشدتُ الفِدا لحنَ المساءِ
فما عشتُ الذليلَ، ولستُ أرضى
سوى بالحقِّ دربًا للعلاءِ
أنا من أهدتِ الأبطالِ عمرًا
ومن أحرارِها حائي وبائي
وسرتُ وذنبيَ المغفورُ أنّي
من الأحرارِ أخطو للسماءِ
وسرتُ وقلبيَ المشبوبِ شوقًا
لشامِ العزِّ في ليلِ البلاءِ
هُيامي فيكِ ما خنقتهُ حربٌ
ولا أطفاهُ قصفُ الانحناءِ
أنا من جنبكِ الأَغلى ندائي
وعِطركِ في دمي سرُّ النقاءِ
هنا التاريخُ يُزهِرُ رغمَ جرحٍ
هنا المجدُ استقامَ على العَناءِ
إذا ما أقبلَ الليلُ استعدنا
صباحَ المجدِ من قلبِ الفداءِ
دمشقُ هواكِ في روحي صلاةٌ
تُطهرني من الذنبِ الخفَاءِ
وسرتُ وذنبيَ المغفورِ أنّي
تركتُ الأهلَ والدنيا ورائي
دخلتُ برغمِ أعوامٍ توالتْ
على نذرٍ (أسير بلا حذاءِ)
وراءَ الحلمِ كنتُ أجرُّ قلبي
كسيفٍ هدهُ صدأ ابتلاءِ
دمشقُ ، الأمُّ يا وجعاً بقلبي
ويا وجهاً يعانقهُ انتمائي
تمُرُّ بيَ الوجوهُ ولا أراها
وعدتُّ إليك بالقلبِ المُضاءِ
سألتُ الليلَ: هل مرَّتْ دمشقٌ؟
فأطرقَ، ثمَّ أوغلَ بالحُداءِ
حنيني نحوكِ الباكي نداءً
يجرُّ الروحَ من أقصى الفناءِ
سأرجعُ حين يورقُ فيك حلمي
وترقصُ في الجراحِ يدُ الرجاءِ
سأرجعُ رغم أوجاعي وحزني
كما تنمو الزهورُ على ارتوائي
ففي قلبي دمشقُ بألفُ نهرٍ
يناديني بروحِ الكبرياءِ
وفي عينيكِ ترتسمُ الليالي
بوجهٍ آخرٍ فيهِ بقائي
دمشقُ، سيُبعثُ الوردُ المحنّى
ويُطفِئُ صيفَ أيامي شتائي
وتنبتُ في مساجدِنا صلاةٌ
ويعلو الصوتُ رطباً بالدعاءِ
وإن طالَ الطريقُ فلا مُحالٌ
سأدخلُها… ولو فوقَ الدماءِ

سلاماً أيا بحر يافا
شعر: مريم الصيفي.
*رئيسة اللجنة التنسيقية القطرية لمنبر أدباء بلاد الشام في الأردن.
سلاماّ أيا بحر يافا....
أتيت إليك
لألقي عليك السلام…
تعانق روحي
يعانقني موجك المتلهف
حدّ النزيف…
وأدنيك مني…
أناجيك أحلم
تغمرني دافئات المنى…
أعلق روحي منارةَ عشقٍ
تضيء الطريق
لموجٍ سرى
في مواكب كنعان
يرحل بالذكريات
ويحمل نقش الحضارات
يزرعه بالحروف الخصيبةِ
ينشره في أقاصي الدنى…
* *
أيا بحر يافا
أتيت إليك
على الكف قلبي تحدَر
فالقفه في حضن
موجاتك الدافئات…
وربَت على كتف الوجد فيه…
أتيت إليك …!!
على صخر شاطئك المرمري
أوزع لثمات روحي….
ويمتزج الموج بالدمع
عند اللقاء…
وعند الوداع….
حزينٌ لقاؤك يا بحر يافا…
فما زالت السحن الأجنبيةُ فيك
تنغَص هذا اللقاء…
غلت في عروقي الدماء…
أراني أغافل عسكرهم
كي أرد عليك السلام
تراود فكري الخيالات
يعصرني ألمٌ مستبدٌ…
غباش رؤاي
يعرِّي السرائر…
ولكنني حين أطويك
في خاطري
يغرِّد فيَّ احتفاء النجوم
بهلة موكبك المستفيض
اشتياقاً ووجداً…
وأحيي طقوساً
طوتها الرياح الغريبةُ
في مهرجان الأماني
ولكن بذرتها حلمٌ
في شخوص الحكايا
تخزَن في خاطري
تنقل الروحُ موجاته
موجةً موجةً
ويعبر منَي
إلى كل جيلٍ ورائي
* *
سلامٌ عليك
أيا بحر يافا الرحيب
امتداداً وخصباً
سلامٌ تمنته روحي لموجك…
حملتك في خاطري
منذ خمسين عمراً…
تراءيت لي حلماً خالداً
جسَد الذكريات
وباعدني عنك
غدر الغريب
وها عدت يا بحر
يا حبة القلب
خذني إليك….
على غفلةٍ من حراب
عداي التي لم تزل
مشهراتٍ بوجهي
أتيت إليك….
أغافل عسكرهم
كي ألوذ بأردانك
العابقات بعطر المدى
منذ مليون شوقٍ وآه…
متى أيها البحرُ
ينفك أسرك؟؟
أغثني … أغثني
وأنت الأسيرُ
كم امتد موج النداء…
متى يرحل الغرباء…؟؟
متى ألتقيك … ؟؟
وألقي عليك السلام…
سلامٌ عليك
يقطّر روحي
لقاء شذيَا …
رحيقاً يفوح بأنفاسك
العابقات بقلبي
سلامٌ عليك
علي سرِ أمجادك الخالدات
سلامٌ عليك
إذا ما التقينا بظلِّ الحراب
وإن غبتُ
ظل امتدادي
يناجيك جيلاً فجيلاً…
فما زلت فيك
أعلّق روحي
منارة عشقٍ
تضيء إليك الطريق

قنديل الصوت
بقلم: يحيى محيي الدين.
*نائب رئيس مجلس إدارة منبر أدباء الشام – سورية.
في الظاهر أني موسومً
بالوضح
وعلى ظلي
يقفز عصفور الجرح
وأقاويل الصمتْ
أمشي كرديف المعنى
حين يكون الشكل ختامَ
التأويل
و تكون السكنى
عند شهيق النبتْ
في الظاهر أني اخترتُ
من النسوة أغنية الفقدِ
ورهافة حسّ الوردِ
يا.. لفداحة ما اخترتْ
الحبر يؤرقني
وبياض القلب و سيرة نبضي
في مزمار الوقتْ
ما أصعب أن نحذو في الإصغاء
حذو النجوى
أو نشعلَ في الأمداء
قنديل الصوتْ...
"عينان للروح وللخليل"
بقلم : غدير حميدان الزبون
*منبر أدباء بلاد الشام - فلسطين
في مدينةٍ تتكئ على كتف التاريخ، وتغسل وجهها كلّ صباحٍ بغبار الأزمنة عاش رجلٌ يُدعى الخليل.
كان اسمه يشي بالقرب والوفاء، وعيناه نافذتان تقرآن الوجوه على الطريق قبل الكلمات، وتلتقطان ارتعاشة الظلّ قبل أن يظهر صاحبه.
مشى الخليل منذ نعومة أظفاره في الأزقة التي تعترف به، واعتلى الحجارة التي تحفظ وقع خطاه.
وفي يوم من أيام السنة العجاف ضجّت الساحة بالهتاف، وارتفعت فيها الرايات مثل أمواجٍ تبحث عن شاطئ، فجأة انشقّ الهواء بصهيل الفوضى، واختلط الغبار بالصوت، وصرخ التاريخ باللحظة الفاصلة بين الحرية والعبودية فانطفأ الضوء.
سقط الخليل للمرة الأولى في حياته وهو ثابت الخطى مرفوع الجبين، وسالت من وجهه نجمتان مكسورتان.
وما هي إلّا لحيظات حتى ارتجّت المدينة، وسقط في قلبها حجرٌ ثقيل أعاد الخليل إلى بيته محمولا على أكتاف أصدقاء صامتين مخذولين من وطأة النزف، والليل يهبط كثيفًا فوق الأسطح.
عند تلك العتبة بدأ تحوّل آخر، وتمدّد الألم في روح الخليل كما يتمدّد الظلّ عند الغروب، وتكاثرت الأصوات في داخله حتى صارت العتمة مزدحمة بالذكريات.
مرّ الشريط المزدحم في ذاكرة الخليل فسمع همسًا يأتي من طفولته، إنه صوت أمّه تحكي عن الفرسان الذين يسكنون الكتب، وعن المدن التي تحفظ أسماء أبنائها الثوّار في حجارة الأزقة.
تبعه صوت أبيه يردّد أنّ الوطن أمانة في الأعناق، وأنّ الأرض تعرف أصحابها ولو طال الغياب وتمطّى الظلام.
تحت وطأة السكون انفتحت فسحة خفيّة، فأصغى إلى ما كان يتوارى خلف الضجيج من خفقة السوق مع الفجر إلى تعب الخبّاز وهو يعجن النهار بيدين متشققتين، حتى وقع المعاول في الحقول، وأنين البيوت العتيقة وهي تحمل ذاكرة الأعراس والمواكب والشهداء.
صار لكلّ صوتٍ صورة مضيئة، ولكلّ رائحة معنى، ولكلّ نبضة تاريخ.
اتّسعت الرؤية في داخله، وتحولت العتمة إلى فضاء يعجّ بالحياة.
ومن عمق تلك التجربة استعاد سيرة الشاعر المغوار العنترة، والعباسي أبو نواس المتمرّد الذي شقّ دروبه بين اللذة والفكرة، ثم عاد يفتّش عن جوهر الوجود.
فكانت في حكايته جذوة رفض، وفي لغته انحياز للصدق مهما اشتدّ الصخب.
التقط الخليل تلك الشرارة، وصاغ منها موقفًا جديدًا فتمرّد على الاستكانة، كما تمرّد على تعريفٍ ضيّق للوطن، وعلى فكرة أنّ الفقد نهاية الحكاية.
بهذا الوعي خرج إلى الناس متكئًا على عصاه، وخطاه ثابتة كأنها تحفظ الأرض عن ظهر قلب، وصوته عميق يحمل ثقل التجربة.
التفّ حوله شبّان يبحثون عن معنى الفكرة التي لا تموت، وشيوخ يفتّشون عن عزاء لموت الأحياء.
لقد حدّثهم عن رؤية تنمو في الداخل، وعن وطنٍ يسكن الضمير قبل الخرائط، وعن أرضٍ تستمد قدسيتها من عرق الفلاح ودمعة الأم وصبر الأسير.
أمام هذا الصوت تكاثرت الضغوط فسعت قوة القمع إلى حبسه في دائرة الشفقة، وتحويله إلى قصةٍ تُروى في الهامش.
غير أنّ كلماته تسللت إلى القلوب، وانتشرت في الأزقة، وترددت في المجالس.
وفي ليلةٍ بلا قمر أُخذ الخليل إلى غرفةٍ ضيقة، وأُجلِس أمام رجل يلوّح بالأوراق ويسأله عن مصادر قوّته.
ابتسم الخليل بهدوء اليقين، وقال إنّ مصدرها حبل موصول بالله، وذاكرة متّقدة، وإنّ العين التي تُنتزع من الجسد تُزرع في الروح جذورًا أعمق.
خرج من تلك الغرفة أكثر رسوخًا، وتسربت قصته إلى البيوت، فصار الأطفال يقلّدون مشيته بثقة، والنساء يغنّين باسمه في أعراس يختلط فيها الفرح بالحذر، وسرعان ما تحوّل إلى رمزٍ يختزن ملحمة شعبٍ كامل لبطل جُرّد من الضوء فاكتسب بصيرة، ومدينة تختبر أبناءها في الشدّة، وخصم يسعى إلى إخماد الصوت لكن دون جدوى، وجمهور يتعلّم أنّ الرؤية فعل مقاومة.
بلغت الحكاية ذروتها فوق تلةٍ تطلّ على المدينة النائمة، ومرّ النسيم بين البيوت، فحمل رائحة التراب بعد مطرٍ قصير.
رفع الخليل رأسه إلى فضاءٍ يسكن صدره، وتكلّم بصوتٍ يتجاوز السمع:
اعلموا أنّ الرؤية تبدأ من الداخل، والوطن فكرة تنمو في القلب، وتتشكل في الفعل، وتترسخ في التضحية، فمن يفقد نور العينين يربح نور الحقيقة.
ساد صمتٌ عميق أعقبه هتاف أكثر وعيًا لعهد يُكتب في الذاكرة، وتوقيع على صفحة المستقبل.
هو فقدان يتحوّل إلى ولادة، وعتمة تنجب بصيرة لرجل يحمل اسمه معنى الخلّة والوفاء، فالحكاية تتجاوز صاحبها لتغدو مرآة أمةٍ تبحث عن ذاتها بين الرماد والنجوم.
من أخبار المنبر:

بدعوة من الأمين العام لاتحاد الكتاب :
المنسق العام للمنبر يشارك في استقبال الناشر اليوناني كاتسيكيس.
بدعوة من الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين الشاعر مراد السوداني شارك المنسق العام لمنبر أدباء بلاد الشام، رئيس مجلس إدارة جمعية منبر أدباء بلاد الشام في فلسطين الشاعر محمد شريم يوم السبت 21/2/2026 في استقبال ضيف فلسطين الناشر اليوناني الكبير قونسطنطينوس كاتسيكيس ( konstantinos v. katsikeas) أثناء الزيارة التعريفية التي نظمها الاتحاد للزائر الضيف لمدينة بيت لحم، حيث شملت الجولة زيارة (كنيسة المهد) مسقط رأس السيد المسيح عليه السلام، بالإضافة إلى المتحف بمدخل المدينة الشمالي، ومركز التراث الثقافي الذي تديره السيدة مها السقا، ومكاتب وكالة (معا) الإخبارية حيث عقد اجتماع مع مدير التحرير الإعلامي د. ناصر اللحام، حيث جرى حوار حول واقع الحركة الإعلامية في فلسطين.
كما شارك في الاستقبال كل من الأديب د. محمد فرحات، والكاتب إلياس خير عضو المكتب الحركي المركزي للأدباء.
جمعية منبر أدباء بلاد الشام في فلسطين: تمنح (العضوية الفخرية) للشاعرة لميس الرحبي.
بعد الاطلاع على فحوى السيرة الذاتية المقدمة من الشاعرة، وعلى ما تقدمه هذه الشخصية الثقافية لمنبر أدباء بلاد الشام من المساعدة والعون على تحقيق أهدافه بكل أصالة وانتماء، وبناء على أحكام النظام الأساسي للجمعية، وما تنص عليه المادة (11) بشأن عضوية الشرف (العضوية الفخرية)، واستناداً إلى محضر اجتماع المجلس رقم (1/2026) المنعقد في بيت لحم بتاريخ 24/1/2026م، فقد قرر مجلس إدارة جمعية منبر أدباء بلاد الشام في فلسطين منح الشاعرة لميس الرحبي صفة عضو شرف (عضو فخري) في جمعية (منبر أدباء بلاد الشام في فلسطين) ابتداء من تاريخ القرار.

حرب لا تتوقف
بقلم : علي البَتّيري - شاعر القدس
(رئيس مجلس الحكماء) لمنبر أدباء بلاد الشام
لم يبق بيتٌ يُقصَفُ
وخصومُنا لم يكتفوا
بمجازرٍ وحرائقٍ
فخيامُنا تُستَهدَفُ
قد عادَ هتلرُهم لنا
وهو الثريُّ المترفُ
بدمارهِ وبنارهِ
وجنودُهُ كم أسرفوا
في ذبح أطفالٍ لنا
دمُهم يسيلُ وينزفُ
حربُ الإبادة لم تزل
والحربُ لا تتوقّفُ
في عالمٍ متجمّدٍ
وصقيعُهُ لا يوصفُ
من نطقِه متخوفٌ
وبصمتِه مُتزلّفُ
للقاتلين وشرِّهم
وإذا حكى يتكلَّفُ
في نطقِه وشعورهِ
يخشى العقابَ فيرجفُ
ممن طغى وجحيمُهُ
في الشرق لا يتوقّفُ
عن حرق من لم يصمتوا
ولدى الكلام تفلسفوا
كلُّ الجهاتِ تنكّرت
لدمائنا إذ تنزفُ
حتى عن الصمت الذي
قد طالَ لا تتأسّفُ
والعالم العربيُّ لا
يصحو ولا يتأفّفُُ
من عجزِهِ وظلامِهِ
والشمسُ باتت تُخسَفُ
لم يبقَ بيتٌ يُقصَفُ
والموتُ ريحٌ تعصفُ
يا ربّنا ..ارفق بنا
فمتى علينا تعطفُ؟
ارحم عباداً صائمينَ
وخوفُهم أن يُقصَفوا
لم يبقَ من عون لنا
إلاك يامَن ترأفُ ُ
بجراح شعبٌ مؤمنٍ
وبصبره ِ كم يُعرَفُ
يا ربّنا مَن اغضبوكَ
وعن رضاك تخلَّفوا
من تحت أقدامٍ لهم
اجعل خطاهم تتلفُ
زلزلْ بهم أحقادَهم
فرجاؤنا أن يختفوا
عن أرضنا وسمائنا
فنرى الخلاصَ ونحلفُ
أنَّ المخلّصَ ربُّنا
ما دام هذا المُصحفُ
في آيهِ وعدٌ لنا
والوعدُ لا لا يُخلَفُ

آمنتُ…
بقلم : سامي عوض الله البيتجالي
* مستشار جمعية منبر أدباء بلاد الشام بأمريكا الشمالية
تتدحرجُ الكلماتُ قتلى
أو تُصابُ بصمتها المشحوبِ
من هولِ الذهولِ
لا ظِلَّ للكلماتِ
إذ تعلو ظلالُكَ
باسقاتٍ كالنخيلِ
إصمتْ . فما يجدي الكلامُ
و قد أتتْكَ النارُ
بالنُّطْقِ البديلِ
ما عدتُ أسمعُ
ما يقال من الخطابِ
و قد اطاحَ الفِعْلُ
في قولٍ و قيلِ
قد كان ما سيكونُ
من نبأِ الخرابِ ،قيامةً
فاقرأ معي
لِ مُظَفُرِ النوّابِ*
أنباءَ الرسولِ
أني ضرَبتُ بقبضتي
صدري
لأدخلَ تحت سيفكَ َ
يا (ابن فاطمةٍ)
فأعلنْ عن دخولي
و اغسلْ جبيني
من دمائكَ يا (عليُّ )فأنني
آمنتُ في (المهْدِيُِ )
و الحَدَثِ الجليلِ
…
* اشارة الى قصيدة المظفر النواب : سيكون خرابا ، سيكون خرابا، سيكون خراباً
لا بد لهذي الأمة ان تأخذ درساً في التخريب

"أريد الموت في غزة مليون مرة، ولا أريد الغربة"
بقلم : غدير حميدان الزبون - فلسطين
* منبر أدباء بلاد الشام
ثمة وجعٌ لا يُرى في نشرات الأخبار، ولا تلتقطه عدسات الكاميرات، هو وجعٌ يسكن في المسافة بين الإنسان وبيته. هناك، عند حدود الانتظار الطويل يتكاثف الوقت حتى يصبح أثقل من حقيبة سفر، ويصير الحنين وطنًا مؤقتًا يُقيم في الصدر ولا يهدأ.
على تخوم الطريق المؤدي إلى غزة تتبدّل ملامح البشر، فالعيون التي أنهكها السهر تستعيد بريقها لمجرد أنْ يلوح الاسم في الأفق.
الاسم وحده يكفي ليهزم عامين من الغياب، أجل، عامان كانا كفيلين بأنْ يعلّما القلب معنى العزلة، وأنْ يرسما على الروح خرائط شوق لا تمحى.
في الحكايات العادية يكون السفر مغامرة، وتكون العودة تفصيلًا، أما هنا، فالعودة قدرٌ يُنتزع انتزاعًا من بين القيود.
هنا، يتحول الطريق إلى اختبار صبر، ويتحوّل المعبر إلى فاصلة بين حياة معلّقة وحياة تستعيد نبضها.
كان ذلك قبل أنْ ينطق الرجل عبارته التي دوّت في القلب، لقد كانت غزة تناديه بصوتٍ لا يسمعه سواه، وكانت الأزقة تتهيأ لخطواته، والبحر يعدّ أمواجه، والبيت يفتح نوافذه انتظارًا.
كل شيء هناك كان يعرف أنه عائد حتى وإنْ تأخر الزمن.
هذه ليست قصة عبورٍ جغرافي، إنها قصة روح رفضت أنْ تتصالح مع المنفى، واختارت أنْ تعود عندما تبدأ الحكاية وتنتهي.
يبدأ المقال من لحظةٍ يلتقي فيها الشوق بأرضه، ويكتشف الإنسان أنّ الانتماء ليس كلمة تُقال، فهو حياة كاملة تُستعاد.
عبارة خرجت من قلبٍ أنهكه الانتظار، فبدت صرخة تختصر عامين من التيه والاشتياق والقلق.
هو رجل عاد إلى غزة بعد إغلاق معبر رفح لعامين كاملين، ثم عاد محمّلًا بأيام ثقيلة، وساعات طويلة من الترقب، وليالٍ كان يسأل فيها نفسه: متى تنتهي هذه المسافة القاسية بيني وبين بيتي؟
الغربة ليست أمتارًا تفصل بين مكانين؛ الغربة شعور دائم بأنك خارج الإطار، وأنّ حياتك معلّقة، وتفاصيلك اليومية فقدت معناها.
هناك، تستيقظ فتبحث عن رائحة بيتك فلا تجدها، وتشتاق لضحكة أمك، ولصوت البحر، ولضجيج الشوارع التي تحفظ خطواتك.
كلّ شيء في الخارج يبدو مؤقتًا حتى ابتسامتك.
عامان وهو يتابع أخبار المعبر مثلما يتابع مريض نبضه، يتابع بلهفة أي إشاعة ترفع الأمل، أو خبر يؤجله، أو قرار يتأخر.
في كلّ مرة كان يتهيأ للعودة، ويعيد ترتيب حقيبته في خياله، فيخطط للقاء طويل مع أهله، ثم يعود الانتظار سيد الموقف.
قال كلمته المؤثرة وكأنه يضع خلاصة تجربته أمام العالم: “الموت ولا الغربة”. لم يكن يتمنى الفناء، وإنما كان يعلن تمسكه بجذوره.
أراد أن يعيش في مكان يعرف اسمه جيدًا، فلا يحتاج إلى شرح هويته، فالأرض تحفظ خطاه والسماء تعرف دعاءه.
كانت لحظة العبور أشبه بولادة جديدة، فخطواته الأولى داخل غزة حملت ثقل الشوق كله، فعانق أهله كمن يعانق من نجا من عاصفة طويلة.
لم يكن المشهد استعراضًا، فقد كان إنسانًا يعود إلى حضنه الأول.
في غزة قد تضيق الحياة، وقد تتكاثر الأعباء، وقد تتشابك الظروف غير أنّ هناك شعورًا لا يعوّض بأنك في مكانك الطبيعي. الإنسان قد يتحمل قسوة الواقع، لكنه ينهار أمام اقتلاع روحه من أرضها.
وكلمات هذا الرجل تعبّر عن آلاف العالقين خلف الحدود، أولئك الذين علقوا بين وطن ينتظرهم وعالم لا يشبههم. المعبر بالنسبة لهم لم يكن طريق سفر، فقد كان شريانًا يربط القلب بجسده، لأنّ الوطن ليس رفاهية، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، إنّه ذاكرة الطفولة، وصوت الأذان من الحي، وملامح الجيران، ووجوه الأصدقاء، هو التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها.
عاد الرجل إلى غزة وهو يدرك أنّ الكرامة تبدأ من الانتماء، فقد يواجه صعوبات كثيرة، لكنه اختار أنْ يواجهها في بيته، وبين أهله، وتحت سمائه.
هناك، حتى التعب يبدو أخف، والألم له طعم مختلف.
لم تكن عبارته تحديًا للموت، إنما كانت إعلانَ حُبّ للحياة كما يريدها، حياة قريبة من القلب على أرض تحفظه حيًا وميتًا.
تنتهي الحكاية عند بوابة معبر، ولا تُختصر في دمعة لقاء، فالحكاية تبدأ فعلًا عند أول نفسٍ يُسحب من هواء يعرف صاحبه، وعند أول خطوة تلامس أرضًا تحفظ الأسماء في ترابها ولا تنساها.
ذلك الرجل لم يعد وحده، لقد عاد ومعه عامان من الأسئلة الثقيلة ليضعها على عتبة بيته ويغلق الباب خلفه.
عاد ليقول للعالم إنّ الانتماء ليس شعارًا يُرفع، إنه يا سادة، قدرٌ يُعاش بكلّ ما فيه من تعبٍ وفرحٍ وخسارةٍ وأمل.
عاد الرجل ليبرهن أنّ الروح مهما ابتعدت تظل مشدودة بخيطٍ خفي إلى المكان الذي تشكّلت فيه ملامحها الأولى.
قد تبدو غزة في عيون البعيدين خبرًا عابرًا أو عنوانًا سياسيًا، لكنها في عيون أبنائها نبضٌ يومي، وذاكرة تمشي على قدمين، وصوت أمٍّ تنادي أبناءها فلا يتأخرون.
من ذاق الغياب عنها يعرف أنّ الرجوع إليها استعادة للحياة.
وهنا تكمن الدهشة كلها بأنّ الإنسان قد يُحاصر، وقد يُؤجَّل، وقد يُختبر صبره حتى آخر حدّ، لكنه يظل قادرًا على اختيار جذوره.
ويظل قادرًا على أنْ يقول بثقة العائد من العتمة: إنّ الوطن ليس مكانًا نسكنه، فهو مكان يسكننا.
وعند تلك اللحظة التي يلتقي فيها القلب بأرضه يسقط كل تفسير آخر، ويبقى المشهد واضحًا كالحقيقة الأولى فمن يعرف بيته جيدًا لا تغريه المسافات، ولا تكسره الحدود، لأنّ الطريق إليه مهما طال يظل الطريق الأقصر إلى نفسه.

