207
0
محكومون بالأمل.. حين تصبح القراءةُ وطناً آخر


بقلم: سماحه حسون – فلسطين
في الأزمنةِ الثقيلة، لا تنجو الشعوبُ بالقوةِ وحدها، بل بما تحفظه في روحها من نور.
وحين تضيقُ الحياةُ بما فيها من خوفٍ وضجيجٍ وقلقٍ يوميّ، يبقى الكتابُ نافذةً صغيرةً تُطلُّ منها الروحُ على اتّساعها الإنساني. لذلك لا تبدو مبادرةُ "محكومون بالأمل" التي أطلقتها مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي
مجرّدَ حملةٍ لتشجيع القراءة، بل مشروعًا أخلاقيًا وثقافيًا وتربويًا يعيدُ للإنسان الفلسطيني إيمانه بالكلمة، وبحقّه في أن يحلم رغم كلّ شيء.
فالقراءةُ ليست تكديسًا للمعلومات، ولا استعراضًا ثقافيًا باردًا، بل هي فعلُ بناءٍ داخليّ؛ تبني الإنسانَ من الداخل، وتُهذّبُ حسَّه، وتجعله أكثر قدرةً على فهم نفسه والعالم. الطفلُ الذي يقرأ، لا يكبرُ أسرعَ في اللغةِ فقط، بل يكبرُ إنسانًا أكثر رحابةً ووعيًا وشفافية. والبيتُ الذي تدخله الكتب، تدخله الطمأنينةُ أيضًا، لأن المعرفةَ تُخفّفُ وحشةَ الإنسان، وتمنحه قدرةً على الحوار بدل العنف، وعلى التفكير بدل الانغلاق.
في فلسطين، تأخذ القراءةُ معنًى مختلفًا. هنا لا يقرأ الناسُ من أجل الترف، بل من أجل البقاء الروحيّ. فالكتابُ في كثيرٍ من الأحيان يصبحُ شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة؛ مقاومةِ الجهل، واليأس، ومحاولات اقتلاع الإنسان من جذوره الثقافية والإنسانية. لذلك فإنّ الوصولَ إلى طفلٍ يحملُ كتابًا في قريةٍ بعيدة، أو في مخيمٍ مثقلٍ بالحكايات، هو انتصارٌ صغيرٌ للحياة نفسها.
إنّ أخطرَ ما يمكن أن يُصاب به مجتمعٌ ما ليس الفقرَ الماديّ وحده، بل الفقرَ الوجدانيّ والمعرفيّ؛ حين يفقد الناسُ علاقتهم بالكلمة، ويصبحُ التفكيرُ عبئًا، والخيالُ رفاهيةً مؤجّلة. ومن هنا تأتي أهميةُ المبادرات الثقافية والتربوية التي تُعيدُ الاعتبار للقراءة بوصفها ضرورةً إنسانية، لا نشاطًا هامشيًا.
ما أجمل أن يُقالَ لطفلٍ فلسطينيّ:
"اقرأ"...
أي: لا تسمحْ للعالمِ أن يسرقَ صوتكَ.
ولا تسمحْ للخوفِ أن يُطفئَ دهشتكَ الأولى.
ولا تسمحْ للأيامِ القاسيةِ أن تُقنعكَ بأنّ الحياةَ بلا معنى.
فالقراءةُ ليست أوراقًا تُقلَّب، بل أرواحٌ تتعارف، وتجاربُ تُنقذُ الإنسانَ من وحدته، وأحلامٌ تُعيدُ ترتيبَ القلب كلّما بعثرتْه الحياة.
محكومون بالأمل
يا قارئًا والضوءُ يقطُرُ في المدى
مِن راحتيهِ ويورقُ الإصرارُ
خُذْ من كتابِكَ ما يُرمِّمُ روحَنا
فالحرفُ بيتٌ دافئٌ وجِوارُ
إنَّ القراءةَ في البلادِ قصيدةٌ
خضراءُ ينبتُ في الحروفِ نهارُ
هيَ رفّةُ الأحلامِ حين تكسَّرتْ
فوقَ القلوبِ وأوجعتْها النارُ
هيَ ضحكةُ الطفلِ التي نجتِ الأسى
وبعينيهِ تفتَّحَ الإبصارُ
كم أُمَّةٍ عَبَرَتْ ظلامَ جراحِها
وبنورِ علمِ أبنائِها تختارُ
فالجهلُ بابُ الخوفِ، وهوَ متاهةٌ
سوداءُ يعبثُ خلفَها الإنكارُ
أمّا الكتابُ فنافذٌ للوعيِ، لا
تُغريهِ عاصفةٌ ولا إعصارُ
في كلِّ بيتٍ قصةٌ مخبوءَةٌ
وبكلِّ طفلٍ يولدُ المِعمارُ
اقرأْ... لكي تبقى فلسطينُ التي
رغمَ الجراحِ بخافقٍ مغوارُ
اقرأْ... فربَّ حكايةٍ أنقذتْ فتىً
وكأنّها وطنٌ لهُ وأسوارُ
نحنُ المحكومونَ بالأملِ الذي
مهما تَغوّلَ في الدروبِ حصارُ
سيظلُّ يزرعُ في العيونِ قصيدةً
ويقولُ: بعدَ العسرِ يزدهرُ النهارُ.

