25

0

محافظ التراث بالمنيعة يؤكد: التكنولوجيا غيّرت شكل “اللمة” ولم تمسّ جوهرها القيمي"

 

يشهد المجتمع الجزائري في السنوات الأخيرة تحولات عميقة بفعل الرقمنة المتسارعة، انعكست بشكل واضح على تفاصيل الحياة اليومية، ولم يكن شهر رمضان بمعزل عن هذه التغيرات.

لحسن الهوصاوي 

فإذا كان هذا الشهر الكريم قد ارتبط تاريخياً بـ“اللمة” العائلية ودفء المجالس بعد الإفطار، فإن حضور التكنولوجيا داخل البيت أعاد تشكيل طبيعة هذه اللقاءات، بين المحافظة على الروح وتغيّر الشكل.

وفي تصريح صحفي، أوضحت حجاج خميسة، محافظ التراث بالمتحف العمومي الوطني بـالمنيعة، أن المجلس الرمضاني كان تقليدياً فضاءً للحوار وتناقل الحكايات وتعزيز الروابط الأسرية، حيث يُحترم الوقت العائلي المشترك وتُمنح الكلمة للكبير قبل الصغير. غير أن التحولات الرقمية أدخلت معطى جديداً إلى هذا الفضاء، تمثل في الحضور المكثف للهواتف الذكية على موائد الإفطار.

وأشارت إلى أن مستوى التفاعل المباشر داخل بعض المجالس تراجع نسبياً، بعدما أصبح جزء من الحضور ينشغل بمتابعة البثوث الرقمية أو تصفح منصات التواصل الاجتماعي، ما غيّر أجواء المجلس مقارنة بما كان عليه في السابق.

تحوّل في أنماط المشاهدة والتواصل

ومن أبرز مظاهر التحول الرقمي داخل البيت خلال الشهر الفضيل، تراجع التجمع حول برنامج تلفزيوني موحد عبر القنوات التقليدية، لصالح المشاهدة الفردية عبر المنصات الرقمية، حيث يختار كل فرد محتواه وفق اهتماماته. كما أصبح توثيق موائد الإفطار ومشاركة الصور عبر وسائل التواصل سلوكاً شائعاً، في انتقال من الخصوصية العائلية إلى الفضاء الافتراضي.

غير أن خميسة شدّدت على أن الرقمنة لا يمكن اختزالها في بعدها السلبي، إذ ساهمت مكالمات الفيديو والمجموعات العائلية الرقمية في تعزيز التواصل مع الأقارب البعيدين، وخلقت شكلاً جديداً من “القرب الافتراضي”، خاصة في ظل تباعد المسافات.

الشكل تغيّر.. والجوهر صامد

من جهتها، أكدت بن عمارة مبروكة، مستشار بمديرية الشباب والرياضة مكلفة بالإعلام والاتصال، أن الرقمنة غيّرت شكل المجالس أكثر مما غيّرت جوهرها. وأوضحت أن المجلس لم يختفِ، لكنه لم يعد بكامل تركيزه السابق، حيث يُلاحظ أحياناً حضور جسدي يقابله انشغال ذهني بالشاشة.

وأشارت إلى أن من أبرز مظاهر التحول:
متابعة البرامج الرمضانية عبر المنصات بدل القنوات التقليدية؛
مشاركة الأجواء عبر الصور والقصص الرقمية؛
تراجع السهرات الطويلة التي كانت تُحييها الأحاديث الشعبية والألعاب العائلية؛
الاعتماد على التطبيقات في تنظيم الوقت والوصفات وحتى إخراج الزكاة إلكترونياً.

ومع ذلك، تؤكد المتحدثة أن المحتوى الرقمي لا يمكن أن يكون بديلاً عن اللقاء المباشر، لأن التراث يُعاش بالمشاركة والتفاعل الحي، لا بالمشاهدة فقط.

الجنوب الجزائري… استمرارية الطقس الجماعي

ورغم هذه التحولات، لا تزال العديد من مناطق الجنوب والهضاب العليا تحافظ على طقوسها الرمضانية في بعدها الجماعي. ففي المنيعة، تتوارث الأجيال تقاليد التحضير المسبق للحساء أو “الحريرة”، وإعداد خليط “شعال الحساء” من الأعشاب الصحراوية المجففة، إضافة إلى خبز المطلوع الذي يرافق المائدة.

وتبدأ المائدة بالحليب والتمر، ثم يتوقف الجميع لأداء صلاة المغرب، في دلالة رمزية على أولوية الروح قبل الشبع. وبعد صلاة القيام، تختتم السهرة بـ“قعدة الشاي” التي تمثل لحظة اجتماعية بامتياز، تُستعاد فيها الحكايات وتُرسخ القيم.

كما يظل الاحتفاء بصيام الطفل لأول مرة، بوضع خاتم في كوب الحليب وتزيينه بالحناء، طقساً يعكس البعد الرمزي والاجتماعي لرمضان في المجتمع المحلي.

الرقمنة كجسر لحفظ الذاكرة

ويرى المتدخلان أن التحول من الشعبي إلى الرقمي يمكن أن يُقرأ بوصفه فرصة لحفظ التراث لا تهديداً له. فتوثيق وصفات الحريرة بالأعشاب البرية، وتسجيل شهادات كبار السن حول رمضان القديم، وإنشاء أرشيف رقمي للذاكرة المحلية، كلها مبادرات تمنح الموروث الثقافي امتداداً زمنياً أوسع.

وفي هذا السياق، طُرح مقترح إطلاق سلسلة إعلامية بعنوان “رمضاننا كيف كان”، تُعنى بتوثيق روايات الجيل الأكبر وتصوير الأطباق التقليدية مع شرح أصولها، في خطوة تجمع بين الأصالة وأدوات العصر.

المجلس… مدرسة اجتماعية متجددة

يبقى المجلس الرمضاني، في جوهره، مدرسة اجتماعية تُعيد ترتيب العلاقات وتذيب الخصومات وتنقل القيم. هو الفضاء الذي تتحول فيه المائدة من مجرد طعام إلى معنى، ومن عادة إلى رمز.
وهكذا، يتضح أن الرقمنة أعادت تشكيل تفاصيل الحياة الرمضانية، لكنها لم تستطع إلغاء روح التراث، بل وضعتها أمام تحدي التكيّف. وبين الشاشات والذاكرة، يظل الوعي الأسري والثقافي هو الضامن لاستمرار “اللمة” كقيمة حية في المجتمع الجزائري.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services