151

0

مجتبى خامنئي... من "حارس بوابة" والده إلى "المرشد الأعلى" في أحلك الظروف

 

بقلم –ضياء الدين سعداوي

 

 

في خطوة إستثنائية حملت من الدلالات أكثر مما تحمله الكلمات و العبر أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران تعيين آية الله مجتبى خامنئي قائداً ثالثاً للجمهورية الإسلامية، لينتقل بذلك من موقع "النفوذ غير المعلن" داخل "بيت" والده إلى قمة هرم السلطة في لحظة هي الأكثر دموية وتعقيداً في تاريخ الجمهورية الإسلامية .

 

من "رجل الظل" الذي ظل لعقود "حارس بوابة" المرشد الراحل، إلى المرشد الأعلى الذي يتربع على عرش نظام أضعف بشدة بسبب الحرب الشاملة، يثير صعود مجتبى خامنئي تساؤلات جوهرية حول مستقبل إيران، ليس فقط على صعيد السياسة الخارجية، بل على صعيد شرعية النظام نفسه.

 

رجل بلا منصب... بصلاحيات تفوق المنصب

 

لعل أكثر ما يميز مسار مجتبى خامنئي (56 عاماً) أنه بنى نفوذه من دون أي منصب رسمي، فهو لم ينتخب قط ولم يعين في أي موقع حكومي باستثناء عمله داخل مكتب والده . ومع ذلك ظل إسمه مطروحاً بوصفه أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في صناعة القرار الإيراني من وراء الستار .

 

تشير برقية دبلوماسية أمريكية تعود إلى عام 2007 ونشرها موقع "ويكيليكس" إلى ثلاثة مصادر إيرانية وصفت مجتبى بأنه "وسيلة الوصول إلى خامنئي" ما يعكس مبكراً حجم موقعه داخل الحلقة الضيقة المحيطة بالمرشد الراحل  ، وفي عام 2019 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه معتبرة أنه "يمثل المرشد الأعلى بصفة رسمية رغم أنه لم ينتخب أو يعين في أي منصب حكومي"، وأن والده فوض جزءاً من مسؤولياته القيادية إليه .

 

هذه المفارقة اللافتة – رجل بلا منصب لكن بصلاحيات تتجاوز حدود المنصب – شكلت الأساس الذي بنى عليه نفوذه داخل المؤسسة الحاكمة وخصوصاً داخل الحرس الثوري المؤسسة الأكثر تماسكاً وتأثيراً في الجمهورية الإسلامية.

 

علاقات وثيقة مع الحرس الثوري... "المرشد الأصغر"

 

إذا كان مجتبى خامنئي قد بنى نفوذه داخل "البيت" فإن رصيده الأهم تكرس عبر علاقاته الوثيقة بالحرس الثوري  ، وتعود جذور هذه العلاقة إلى مشاركته في الحرب العراقية – الإيرانية عام 1986 وهو في السابعة عشرة من عمره حيث التحق بكتيبة "حبيب" التابعة للحرس الثوري، إلى جانب عدد من الشخصيات التي صعدت لاحقاً إلى مناصب نافذة في مؤسسات الأمن والإستخبارات .

 

ويرى كسرى أعرابي رئيس فريق أبحاث الحرس الثوري في منظمة "متحدون ضد إيران النووية"، أن لمجتبى "قاعدة قوية ودعماً داخل الحرس الثوري ولا سيما بين الأجيال الأصولية الشابة" واصفاً إياه بأنه يعمل بالفعل بصفته "المرشد المصغر" .

 

هذه العلاقات الوثيقة مع المؤسسة العسكرية العقائدية منحته نفوذاً إضافياً داخل الأجهزة السياسية والأمنية وجعلت منه شخصية محورية في التوازنات المعقدة بين المؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية، كما يعتقد على نطاق واسع أنه يسيطر على أصول مالية كبيرة وفقاً لصحيفة "الغارديان" ومصادر أخرى .

 

"هو السيد... لا إبن السيد"... استقلالية سياسية أم توريث مقنع؟

 

سياسياً يعد مجتبى خامنئي قريباً من الجناح المحافظ في النظام، بل من أكثر مكوناته تشدداً في ملفات الداخل والخارج ، وقد عارض الإصلاحيين الذين سعوا إلى التواصل مع الغرب سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو فيما يتصل بمطالب توسيع الحريات العامة.

 

ومن الوقائع التي كثيراً ما استشهد بها في الجدل حول دوره السياسي ما رواه مهدي كروبي رجل الدين المعتدل، من أن خامنئي رد على أحد السياسيين الذين حذروه من تدخل نجله في الشأن العام بالقول: "هو السيد، لا إبن السيد" . وقد فسرت هذه العبارة على أنها إقرار باستقلال شخصيته السياسية، أو على الأقل إشارة إلى أن نجله لا ينظر إليه داخل بعض دوائر السلطة بوصفه مجرد إبن للمرشد.

 

وفي الإنتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2005، اتهمه السياسي الإصلاحي مهدي كروبي بالتدخل لصالح محمود أحمدي نجاد، وهو الإتهام الذي رفضه خامنئي رسمياً ، وفي إنتخابات 2009 المتنازع على نتائجها عاد إسمه بقوة وهتف المتظاهرون في الشوارع ضده: "مجتبى بميري رهبري رو نبيني"، أي "مجتبى، عسى أن تموت كي لا تتولى زمام القيادة" .

 

الموقع الديني... إشكالية شرعية غير مسبوقة

 

تبقى أبرز إشكالية تواجه المرشد الجديد هي موقعه الديني ، فمجتبى خامنئي يحمل رتبة "حجة الإسلام"، وهي رتبة دينية متوسطة في التراتبية الحوزوية، أدنى من رتبتي "آية الله" و"آية الله العظمى" التي كان يحملها والده والمرشد المؤسس روح الله الخميني ، والتحق بالحوزة العلمية في سن الثلاثين، وهو سن متأخر نسبياً مقارنة بالمسار المعتاد لطلاب العلوم الدينية .

 

ينص الدستور الإيراني على ضرورة أن يكون المرشد الأعلى "مجتهداً" قادراً على تفسير الشريعة الإسلامية وأن يكون قد بلغ أعلى مراتب رجال الدين الشيعة ، وهذا الشرط يشكل تحدياً كبيراً أمام شرعية مجتبى خامنئي، خصوصاً في نظر النخب الدينية التقليدية.

 

لكن اللافت أن بعض المصادر الرسمية بدأت تستخدم له لقب "آية الله" بعد تعيينه  في خطوة تذكر بالسيناريو نفسه الذي حدث مع والده عام 1989، حين تم ترفيع علي خامنئي من "حجة الإسلام" إلى "آية الله" بعد تعيينه مرشداً أعلى رغم أنه لم يكن يحمل آنذاك رتبة المرجعية الدينية العليا .

 

رسائل التعيين... تحدي التهديدات واستمرارية النهج

 

يأتي إختيار مجتبى خامنئي في توقيت شديد الحساسية إذ واجه مجلس الخبراء تهديدات مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وصف توليه المنصب بأنه "غير مقبول"، محذراً من أنه "ما لم يحصل على موافقتنا لن يدوم طويلاً" ، كما هدد جيش الإحتلال الإسرائيلي بـ"ملاحقة كل من يسعى لتعيين خليفة لخامنئي" .

 

بهذا المعنى يحمل تعيين مجتبى خامنئي رسالة تحد واضحة للغرب وإسرائيل، مفادها أن إيران هي من يقرر مصيرها، لا واشنطن ولا تل أبيب. كما أنه يبعث برسالة طمأنة إلى حلفاء إيران في المنطقة (حزب الله، الحوثيون، الفصائل العراقية) بأن "خط المقاومة" سيبقى على حاله بل ربما يتشدد أكثر، إذ يعتقد أن مجتبى أكثر تشدداً من والده في بعض القضايا، لا سيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي .

 

 من "التوريث الناعم" إلى "الجمهورية الوراثية"

 

إذا كان انتخاب مجتبى خامنئي يمثل استمراراً لنهج والده، فإنه يمثل أيضاً قطيعة مع روح الدستور الإيراني الذي يقوم على أن اختيار المرشد الأعلى يتم على أساس المكانة الدينية والقيادة السياسية، وليس عبر الوراثة العائلية . إنها المرة الأولى في تاريخ الجمهورية الإسلامية التي تنتقل فيها القيادة من أب إلى ابن، في خطوة تحول النظام من "جمهورية إسلامية" إلى "جمهورية خامنئية" بالوراثة.

 

على المدى القصير قد ينجح هذا السيناريو في فرض الأمر الواقع وتفكيك أي معارضة داخل النخبة، خصوصاً مع الدعم القوي الذي يتمتع به مجتبى داخل الحرس الثوري، لكن على المدى الطويل يزرع بذور أزمة شرعية عميقة، قد تتفاقم مع تفاقم الظروف المعيشية الصعبة التي يعانيها الشعب الإيراني ومع تراجع شعبوية الدين في الشارع الإيراني.

 

يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع "رجل الظل" أن يتحول إلى "رجل الأضواء" في لحظة هي الأكثر دموية في تاريخ إيران المعاصر؟ وهل تستطيع "الجمهورية الوراثية" الجديدة أن تصمد في وجه العاصفة التي تضربها من الداخل والخارج؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services