98

0

مجازر 8 ماي 45 في الخطاب الإصلاحي الجزائري

قراءة في "ماي المقدس" بقلم شيخنا العلامة محمود بوزوزو من خلال «البصائر» و «المنار» (1945–1953)

بواسطة: بركة نيوز

 

بقلم: مصطفى محمد حابس، جينيف / سويسرا

 

يُعدّ الثامن من ماي 1945 منعرجا حاسما في تاريخ الجزائر الحديث، ففي اليوم الذي كان يفترض أن تحتفل فيه الإنسانية بنهاية الحرب العالمية الثانية، تحوّلت شوارع سطيف وقالمة وخراطة ومدن أخرى إلى ساحات دم ومجازر جماعية ارتكبتها الهمجية الاستعمارية الفرنسية ضد متظاهرين جزائريين خرجوا في مسيرات سلمية يطالبون بالحرية والكرامة والوفاء بوعود الاستقلال. وقد كشفت هذه المجازر، التي راح ضحيتها عشرات آلاف الشهداء، عن حقيقة المشروع الاستعماري وعمق القطيعة بين خطاب فرنسا عن «التحرير» وممارستها على أرض الجزائر، فدفعت بالحركة الوطنية إلى إعادة النظر جذريا في أساليبها وأفقها السياسي، والانتقال تدريجيا من الرهان على الإصلاح داخل المنظومة الاستعمارية إلى الإعداد لخيار الكفاح المسلّح.

 

هنا برز دور الحركة الإصلاحية، وفي مقدّمتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والكشافة الإسلامية الجزائرية، في تشكيل الوعي الذي غذّى تلك المظاهرات وفي توجيه ردّ الفعل عليها؛ فقد عمل الإصلاحيون منذ الثلاثينيات على ترسيخ العقيدة الصحيحة، وإحياء اللغة العربية، والدفاع عن الشخصية الإسلامية والوطنية في وجه سياسة الإدماج والاستلاب، فشكّل شبان المساجد والمدارس الحرّة والأفواج الكشفية النواة الصلبة للجماهير التي خرجت يوم 8 ماي. كما دفعت الحركة الإصلاحية ثمنا باهظا، إذ سقط عدد من رجالها ونسائها وأنصارها في تلك المجازر، ما جعل الذاكرة الإصلاحية تنظر إلى 8 ماي باعتباره «شهرا مقدسا» في تاريخ الجزائر الحديثة، ومختبرا داميا لصدق شعارها الجامع: «الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا».

 

الشيخ محمود بوزوزو المجاهد والكاتب الرسالي الثائر.. سيرة و مسيرة

 

شيخنا العلامة محمود بوزوزو، الذي عرفناه عن قرب و تعلمنا منه في مسجد جنيف، من  مواليد 22 فبراير 1918 في بجاية شمال شرق الجزائر. تعلم في مدرسة الإصلاح التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقسنطينة على يدي شيخه العلامة ابن باديس. وانتسب أيضا إلى المدرسة الفرنسية في بجاية حيث تعلم اللغة الفرنسية واطلع على ثقافتها وآدابها. ثم التحق بمدينة قسنطينة للدراسة في المدرسة الشرعية –الفرنسية التي تخرج منها في عام 1937 بحصوله على دبلوم في القضاء الشرعي.

واصل تعليمه العالي في مدرسة الثعالبية بمدينة الجزائر وتخرج ضمن الطلبة الأوائل في عام 1940. وكان أول تعيين له في مدرسة بجاية ثم عيّن معلما في مدرسة دلس ثم انتقل إلى مدينة القليعة وبعدها أبعد إلى مليانة في الغرب الجزائري ثم نفي إلى الجنوب الجزائري في آفلو.
انضم محمود بوزوزو مبكرا إلى حركة الكشافة الإسلامية في مسقط رأسه في بجاية، وواكب نشاطاتها في كل المدن الأخرى التي اشتغل فيها. وتقديرا لجهوده انتخب مرشدا عاما لهذه الحركة في الجمعية العامة المنعقدة في عام 1947 في سيدي فرج، ثم رئيسا لها.
وقد أثار نشاطه الكشفي ونضاله الوطني قلق سلطة الاحتلال الفرنسية التي أمرت الجهات الأمنية والعسكرية لمراقبة حركته باستمرار وبشكل مكثف وحكمت عليه بالإعدام. وأقدمت على نفيه إلى مدينة آفلو كما فعلت من قبل مع الشيخ البشير الإبراهيمي. ثم سافر الى أوروبا إبتداءً من عام 1957 و استقر إلى غاية وفاته في سويسرا يوم 27 سبتمبر 2007 عن عمر ناهز 90 سنة. فكان يشتغل مدرسا لمترجمي الأمم المتحدة في سويسرا وكذلك مدرسا في جامعة جنيف وداعية وإماما ومؤسسا لعدة جمعيات دينية وثقافية.

لتفاصيل أكثر عن سيرته ومسيرته، طالع مقالنا عنه بالفرنسية، و حوارنا المطول مع نجله البكر و رفق دربه الشيخ يحي باسلامة(*)

 

  ذكرى 8 ماي في كتابات الشيخ بوزوزو  في «البصائر» و«المنار» :

 

مرت جريدة «البصائر» لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بمراحل ثلاث وقد صدرت في طورها الأول أسبوعيةً في 27 ديسمبر 1935، واستمرت إلى غاية أوت 1939 قبل أن تتوقف مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. ثم عادت للصدور في طور ثانٍ بعد الحرب ابتداءً من 1947 واستمرت إلى أفريل 1956، لتصبح أهم منبر إصلاحي ووطني في الجزائر قبيل اندلاع ثورة نوفمبر، تنشر مقالات ابن باديس وخلفائه وجيلٍ من الكتّاب الشبان، من بينهم العلامة محمود بوزوزو.

وبالتالي لم يبدأ اهتمام الشيخ محمود بوزوزو بحوادث 8 ماي 1945 مع تأسيسه جريدة «المنار» في مطلع الخمسينيات، بل يعود إلى تجربته السابقة في أحضان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وصحيفتها «البصائر» التي عمل فيها مصححا ومحررا في أربعينيات القرن الماضي. فقد كان من أوائل أقلام «البصائر» الشابة التي تَشَكَّل وعيُها في مدرسة ابن باديس، وانخرطت في الدفاع عن الهوية الإسلامية والوطنية، ومتابعة تطوّر الحركة الوطنية قبل أن تنفجر مجازر 8 ماي 1945 وتشكّل صدمة كبرى للحركة الإصلاحية وللرأي العام الجزائري أيامها.

شكّلت جريدة «البصائر» المدرسة الصحفية الأولى التي تفتّح فيها وعي الشيخ محمود بوزوزو على قضايا الوطن والاستعمار، وذلك منذ أربعينيات القرن الماضي. ففي صفحاتها تعلّم لغة البيان والإقناع، وشارك – ضمن جيل من الأقلام الإصلاحية الشابة – في الدفاع عن العقيدة واللغة والهوية، ومتابعة تطورات الحرب العالمية الثانية وانعكاساتها على الجزائر. وعندما وقعت مجازر 8 ماي 1945، تلقّت «البصائر» الصدمة مبكرا، وعبّرت – بقدر ما تسمح به الرقابة الاستعمارية – عن هول ما جرى، فكان لذلك أثر عميق في ترسيخ هذا الحدث في وجدان الشاب بوزوزو وفي تشكيل نظرته إلى الاستعمار ووعيه بدور الكلمة في مقاومته. ولهذا تبدو مقالاته اللاحقة في «المنار» عن ذكرى 8 ماي امتدادا طبيعيا لتجربته في «البصائر»، لكن في فضاء أقلّ تقييدا وأكثر جرأة في تسمية الأشياء بأسمائها.

الظروف السياسية والرقابة الاستعمارية على الصحافة

ومع أن الظروف السياسية والرقابة الاستعمارية على الصحافة في أربعينيات القرن العشرين لم تسمح دائما بالتعبير الصريح عن حجم الجريمة الاستكبارية وأبعادها في حق شعب مسلم أعزل، فإن مقالات «البصائر» في تلك المرحلة – ومنها ما كتبه العلامة بوزوزو ورفاقه – أسهمت في قراءة ما جرى ضمن سياق أطول من الظلم الاستعماري، وفي تأكيد أن الدماء التي سالت يوم 8 ماي ليست استثناءً بل حلقة في سلسلة قمعية متواصلة، دبرت بليل.

كاتب محرر بـ «البصائر». الى محرك ثائر بـ «المنار» بل بيلدوزر يقوده الكاميكاز  بوزوزو  :

«المنار» هذه الجريدة أسسها الشيخ محمود بوزوزو في 29 مارس 1951. وقبل أن ينشئها كانت له تجربة في الاعلام فكان مصححا ومحرِّرا في جريدة «البصائر» لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
فالمنار جريدة نصف شهرية تعنى بالسياسة والثقافة والاجتماع والدين. وكان مقرها ب 28 شارع ميلوز بالجزائر العاصمة ( و هو الشارع الخلفي لمسجد الطلبة بجامعة الجزائر المركزية). ويحتوي كل عدد على 4 صفحات. عمرت الجريدة 3 سنوات، وتوقفت في 1 جانفي 1954 بعد صدور 51 عددا لأسباب مادية ومضايقات إدارية من طرف المستعمر.
كانت هذه الجريدة بالنسبة لبعض قرائها بمثابة البلدوزر ضد العدو، حيث ينعت الشيخ بوزوزو بالكاميكاز في مقالاته على اختلاف كتاباته المعهودة في " البصائر" حيث كان أكثر إقداما و جرأة  في" المنار"، و لما استفسرنا منه ذلك قال تلك ملاحظات قد تكون صحيحة لأني في المنار، صاحب الامتياز و المسؤول الأول عن محتواها فأسمح لنفسي باقتحام حتى بعض الخطوط الحمراء، أما في البصائر فأراعي ظروف الجمعية ومشايخي و أحوالهم.

رغم ذلك فالمنار قريبة سياسيا من حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وتروّج لأفكاره الاستقلالية ومواقفه التحررية الصريحة، وتغطي نشاطات وأعمال قادتها مثل الزعيم مصالي الحاج، كما ساهمت فيها أقلام جزائرية مختلفة أمثال كل من السادة: عمر البسكري، محمد العيد، محمد قنانش، محمد الصالح الصديق، محمد الطاهر فضلاء… وكان مساعده الأيمن في هذه المهمة الاعلامية محمد محفوظي. وكان عبد الحميد مهري يحرر في الجريدة ويتابع سيرها وخطها الافتتاحي بتكليف من إدارة الحزب.
كما كانت الجريدة تنقل وتقتبس مقالات من المجلات والجرائد العربية المعروفة ليطّلع عليها القارئ الجزائري الذي لا تسمح له امكاناته المالية أن يشتري كل تلك الدوريات رغم شغفه لقراءتها وحرصه على متابعة ما يكتبه العلماء والمفكرون والسياسيون العرب والمسلمون المشهورون آنذاك.

نداء نجدة واستغاثة جريء إلى كتاب جريدة "المنار": 

 حين خاف الشيخ محمود بوزوزو كرئيس تحرير جريدة المنار، على تعثر تجربته الإعلامية الفتية باللسان العربي المبين وحماية لأقلام المنار خشية وأدها في مهدها، كتب مستصرخا الكتاب الجزائريين في العدد الرابع لجريدة المنار، بتاريخ 15 شعبان 1370 الموافق لـ 21  ماي 1951، نداء نجدة واستغاثة جريء بعنوان" إلى اخواننا الكتاب !!"، محرضا النخبة الجزائرية على التسلح بالقلم لنصرة " المنار" لسان حال الشعب الجزائري الذي يتوق للحرية والانعتاق من براثن المستعمر الجاثم على صدر الجزائر منذ عقود، مبينا أنواع الكُتاب ورسالة الكاتب وأمانة القلم وشرف الكِتابة عند الله والأمة والتاريخ، كما قال الشاعر الحكيم : 

كتبتُ وقد أيقنتُ يوم كتابتِي ... بأنَّ يدي تفنَى ويبقى كتابُها 

فإن عملَت خيراً ستُجزى بمثله ... وإن عملت شرًّا عليَّ حسابُها    

فكتب العلامة الشيخ محمود بوزوزو - رحمه الله -، بإبداع وفطنة المفكر الحكيم والمعلم الرزين والأب الرحيم، كتب لإخوانه الكتاب، بعد التحية والسلام قائلا:"    

من الناس من يكتب تزلفا للحكام، ومنهم من يكتب تملقا للعوام، ومنهم من يكتب لإشفاء لحزازة وانتقاما من خصم، ومنهم من يكتب إيقادا للفتنة، ومنهم من يكتب طلبا للشهرة، ومنهم من يكتب رغبة في مادة، ومنهم من يكتب نصرة للحق ودَفعا للباطل، ومنهم من يكتب أداء للشهادة المشار إليها في آية ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، ومنهم من يكتب أداء للأمانة المنوطة بأهل العلم إرضاء للضمير أو إبراء للذمة أمام الله".

محرضا بقوله:"والعلم أمانة، حظها من الثقل كحظها من الشرف، ومن آتاه الله القدرة على التبليغ فقد أناط به حملا لا مناص منه. منبها أياهم بقوله:"المسؤولية الملقاة على حملة الأقلام ثقيلة. وهي تتطلب التدرع بالشجاعة، والتحلي بالنزاهة. والحرص على إبراء الذمة. ولا يكون ذلك إلا بتسخير الأقلام في خدمة الحق. وهي خدمة لا مندوحة عنها إذا وجدت وسائل القيام بها."

  فلا تقيمن الحجة على أنفسكم بإهمال أقلامكم، وأقيموا حجة الله على عباده بما وهبكم من نعمة فإن العلماء ورثة الأنبياء."

مرغبا الكتاب بقوله:"والمنار بين أيديكم، وقد بين لكم أهدافه بوضوح، وهو مستعد لمساعدتكم على أداء أمانتكم الشريفة، وخدمة أمتكم بأقلامكم. ويكرر لكم - أي المنار- أنه بعيد عن كل احتكار، فإن دعوته لكم تذكير بواجبكم، ويَسُرُّه أن يراكم قائمين بهذا الواجب كاملا غير منقوص بإنشاء صحف ومجلات ترفع من شأن العرب الجزائريين، وتبرهن على أن الجزائر جديرة بأن تعتمد عليها العروبة والإسلام في الميدان الفكري على الأقل."   

مقسما حانثا بقوله :" إنه - والله - لمحزن أن لا يكون للشعب الجزائري العربي المسلم من الجرائد والمجلات ما لشقيقيه الشعبين التونسي والمراكشي، وأن يسعى الادباء والمفكرون في القطرين الشقيقين في أداء واجبهم نحو العروبة والإسلام في عدة ميادين، فيقوموا ببعض ما على المغرب نحو اللغة العربية والفكر الإسلامي وتكون الجزائر وهي قلب المغرب قليلة الخفقان في هذا الميدان."    

 موضحا متأسفا بقوله: "وإنه لا أشد حزنا أن يكون للجالية الأوروبية وهي تعد مليون نسمة في الجزائر، عشرات الجرائد بين يومية وأسبوعية باللسان الفرنسي وأن لا يكون للعرب الجزائريين - وهم عشرة ملايين - العشر من ذلك باللسان العربي !!"  

ثم ينهي نداءه مبحوح الحنجرة، كمدير للجريدة ورئيس تحريرها، بقوله لهم:" يقول لكم المنار: قسما باستعدادكم العظيم، وحقكم الهضيم وما تلاقونه من إجحاف لدى الغريب والقريب لفيكم من القدرة على القيام بالمشاريع العظيمة، والمؤسسات ما لو كان عند غيركم لأتوا بالعجب العجاب. فأثبتوا وجودكم وارفعوا رؤوسكم وبرهنوا أن في المخ الجزائري ما في كل مخ كريم من الاشعاع والاشراق، وافعلوا ذلك تحدثا بنعمة الله، وقياما بحقوق الفكر، وأداء لأمانة العلم، وحفظا لإرث النبوة، تبرأوا ذمتكم أمام الله والأمة والتاريخ."   

كما وجه نداءات مقتضبة في الخاتمة لكل من الباعة (الموزعين) والقراء، فقال إلى الباعة:"

الرجاء أن توافونا بحساب الأعداد السابقة بمجرد اتصالكم بهذا العدد. وأن ترجعوا لنا الفواضل، 

مناشدا حتى القارئ الجزائري بقوله: إذا اردت أن يصبح المنار أسبوعيا ويتسع حجمه و يصدر بانتظام، فأرسل له اشتراكا و أحرس على حمل أصحابك على الاشتراك."

«المنار» تواكب ذكرى 8 ماي دوريا (1951، 1952، 1953)، من المهد الى اللحد:

وللوقوف على مسيرة قلم الشيخ بوزوزو في «المنار» و ذكرى 8 ماي، يمكننا التوقف عند ثلاثية مقالات بوزوزو في «المنار» عن ذكرى 8 ماي في السنوات (1951، 1952، 1953) بوصفها امتدادا طبيعيا لذلك الوعي الإصلاحي المبكر الذي صاغته «البصائر»؛ فقد انتقل القلم نفسه من جريدة الجمعية إلى منبر خاص مستقل، لكنه حافظ على نفس الروح، أي روح الجمع بين الإصلاح الديني والتربية الوطنية وتوظيف الذاكرة الدامية لخدمة مشروع تحرير الوطن و المغرب العربي والإسلامي عموما.

قراءة من خلال 3 مقالات في" المنار": مع تطوّر فكرة الصراع مع المستعمر من 1951 إلى 1953

 

المقال الأول: 1951 "الذكرى السادسة لحوادث ماي 1945: ذكرى وعبرة"

 

هذه المقالة كتبها الشيخ بوزوزو " في المنار" بعد ست سنوات من المجازر التي طالت مناطق الشرق الجزائري خصوصا منها في مدن سطيف قالمة وخراطة، هذه الأخيرة أي خراطة القريبة من مسقط رأسه بجاية، بوصفه مرشدا عاما لفديرالية الكشافة الإسلامية الجزائرية ورئيسها، ومدير تحرير «المنار». يقدّم أحداث  8 ماي كيوم تتعايش فيه «الأفراح» و«الأتراح»: أفراح المنتصرين في أوروبا بانتهاء الحرب العالمية الثانية، وأتراح الجزائريين الذين حُوّل احتفالهم إلى مأتم بالرصاص والقمع. يركّز الشيخ بوزوزو على دروس العِبرة أكثر من التفاصيل التاريخية؛ فيتحدث عن تناقض شعارات الحرية والتحرير التي رفعها الغرب على رأسهم فرنسا مع واقع الحديد والنار في الجزائر، ويؤكد أن ما حدث كشف للشعب الجزائري حقيقة الاستعمار، وأن واجب الأجيال أن تحوّل الذكرى إلى وعي دائم لا إلى حزن عابر.

باختصار: مقال 1951 هو تأسيس لمعنى «الذكرى» كـ«درس وعِبرة»، يُثبّت الحدث في الوجدان ويضعه في إطار أخلاقي–ديني (سنن التاريخ، الظلم، الابتلاء) أكثر من كونه تحليلا سياسيا مفصلا.

 

المقال الثاني «مجازر 8 ماي 1945 حوّلت العرس إلى مأتم»

 

هذا هو المقال الذي أعيد عرضه وتحليله في مقال «مجازر 8 ماي 1945 حوّلت العرس إلى مأتم» المنشور في العديد من المواقع، إما كما هو أو مع تحليل كما هو مبين في موقع «البصائر»،

في هذا المقال يستعيد فيه الشيخ بوزوزو المشهد العام للوضع، بحيث يحتفل العالم بانتهاء الحرب، بينما السلطة الاستعمارية في الجزائر تواجه المتظاهرين السلميين بوابل من الرصاص، فيُستشهد الآلاف وتتحول فرحة النصر في الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط، إلى مأتم وطني في الجزائر. بحيث يستخدم الكاتب لغة قوية جدا في وصف «دين الغرب وفلسفته»، فيتحدث عن «بحر الدماء» الذي يسبح فيه الغرب المحموم، وعن غياب «الأخوة البشرية» و«الحرمة الإنسانية» في منطق الحضارة الغربية الاستعمارية.

ثم ينتقل بقلمه إلى تبيان درس سياسي واضح: يبيّن أن الجزائريين شاركوا في الحرب «باذلين النفس والنفيس» على أمل التحرر، لكن حين جاء وقت «المغانم» جُوزوا بالنار بدل الحرية، فأُطلق عليهم رصاص 8 ماي. من هنا يخلص المقال إلى أن تاريخ 8 ماي بالنسبة للحركة الوطنية ليس فقط ذكرى مأساة، بل لحظة وعي بأن الإصلاحات الاستعمارية أو الوعود الفرنسية لا يمكن الوثوق بها، وأن الجرح باق ما دامت فرنسا مصرة على ظلمها واستبدادها.

 

حيث كتب يقول رحمه الله، وتصفا إياها بالفتنة، التالي :

 

أقدم الغرب على الفتنة يوقظها، وعلى النار يوقدها، منشدًا أناشيد الحرية والتحرير، ليسوق عشاق الحرية معه. فانطلق الجزائريون باذلين النفس والنفيس في سبيل العهد المنشود عهد التحرير. فكان النصر حليف الحلفاء الذين انساق معهم الجنود الجزائريون. وجاء وقت اقتسام المغنم بعد دفع المغرم فادحًا. فما كان حظ الجزائريين؟ أطلق عليهم الاستعمار الفرنسي نيرانًا أبادت ما يجاوز أربعين ألف مسلم، فكان يوم 8 ماي 1945 للجزائريين يوم أتراح يندبون فيه سوء حظهم، يتوالى المدى وجرحه باق، ولكنه إلى جانب ذلك يوم درس وعبرة. ونعم الدرس ما جاء من الجراح والآلام.

 

فإن الغرب اليوم قد عاودته الحمى المشؤومة، وسيجد لها أناشيد حول ما يصبو إليه الجزائريون من آمال سامية، فهل يلدغ المؤمن من جحر مرتين؟ فإن اتقاء اللدغ يقتضي من الجزائريين جمع الكلمة وتوحيد الموقف لتحقيق مطامحهم قبل كل شيء عملًا بقول القائل "عصفور في اليد خير من عشرة في الغد"، بل على الشعوب المغربية كلها أن توحد موقفها لكيلا تذهب مطامحها للأهواء الاستعمارية المشؤومة.

فإن الاستعمار يضربها بدون تمييز فعليها أن تقاومه بدون تمييز. وإنه يجعل من فرص تحررها فرصًا لتشديد خناقه عليها، أليس في إمكانها قلب الوضعية لنجاتها؟...

 

باختصار: مقال 1952 يطوّر خطاب 1951؛ ينتقل من التركيز على البعد الأخلاقي والعِبرة إلى نقد صريح للغرب الاستعماري، وربط مباشر بين مشاركة الجزائريين في الحرب وخيانة وعود التحرير، مع إبراز 8 ماي كنقطة تحوّل في الوعي السياسي لدى الشارع الجزائري خصوصا والمغاربي والعربي عموما

 

المقال الثالث: «الذكرى الثامنة لحوادث 8 ماي 1945» (8 ماي 1945 – 8 ماي1953)

 

كتب الشيخ بوزوزو هذا المقال الثالث بعوان " بعد الانتخابات"، قائلا : " يوم بيننا وبينه 8 سنوات، ولذكراه في النفس حسرات، وفي العين عبرات.. يوم فيه أُزهقت أرواح بريئة، وأُريقت دماء زكية، وعقلت ألسنة فصيحة، وملئت سجون ومحتشدات فسيحة، ونكثت عهود وثيقة، وزلزلت آمال وطيدة، ونثرت عقود نضيدة، وفصمت وحدة فريدة... يوم تراءت فيه للأمة الجزائرية من مطامحها قطوف دانية، فسارت أفواجا إلى شجرة الحرية، تحث سيرها الآمال المعقودة على العهود الموثوقة من رعاة الشجرة المنشودة التي سقتها بدمها في "كاسينو" وغيرها مشاركة في الغرم، لتشارك في الغنم، بموجب العدل، ومقتضى العقل، ووحي الضمير، ومشروع الدين... ولم تكن تتوقع أن سيرها إلى النعيم، ينتهي بها إلى الجحيم، وأن يوم المغنم، أشأم من يوم المغرم، تجني فيه الشوك بدل الحب، وتصحح المثل"إنك لا تجني من الشوك العنب"...

 

تلك هي المفاجأة القاسية، والمصيبة الداهية، نزلت على الجزائر بحسرات وأتراح، بينما "أحلافها" في مسرات وأفراح، وليتها لم تدفع في الحرب إلا ثمن الذهاب، ولم تنل من الغنيمة إلا سوى الإياب، ومن العهود إلا السراب، ولم تجد في استقبال العهد الجديد نارًا بالباب، تلتهب وعيدًا، وتطلب مزيدًا.. فبذلت للحيف، مثلما بذلت للسيف، ولم تجن سوى العلقم المر، بدل العسل الحر.. فإن قيل: "ثورة أخفقت!" قلنا لبعض: "ما الداعي لها؟ هل يثور إلا المظلوم، وهل يئن إلا المكلوم، وهل الثورة إلا حجة على الحاكم للمحكوم!"

وقلنا لآخرين: "ما سبب إخفاقها!"وذكرنا قول القائل: "العاقل لا يقاتل من غير عدة، ولا يخاصم بغير حجة، ولا يصارع بغير قوة"...

 

أو قيل "مؤامرة دبرت!" قلنا "هل غير الخوف حاك حبالها، وهل سوى الغدر جر وبالها؟ ولا يخاف الوفي، ولا يغدر السخي، وإلا فأين الدين والعقل والضمير؟ أين الحق والخير والجمال؟"

 

أيها الشعب! استجل العبر من مختلف الغير، واستقبل الغد بالحزم والحذر! فبوادر الفتن تلوح في الآفاق وتعلو، فتحتجب وتبدو، وتبتعد وتدنو، لا تدري متى تطير الشرارة، وللمفاجأة مرارة، وكل آت قريب، ووعد الخصم مريب.. إنك تستقبل من الهول شرا مما استدبرته، فهل أعددت للمستقبل عدته، وأخذت من الماضي عبرته، أم لا تبالي أن تعثر عثرتين، وتلدغ مرتين؟

 

فالتفت إلى ثامن ماي 1945، وانظر ثامن ماي 1953 تجد المظالم موصولة الحلقات منوعة الأشكال مرتبطة الأوصال، فالسياسة سخافة، والديمقراطية خرافة، والحرية سخرية، والانتخابات انتحابات، والقوانين للمظلوم أغلال وللظالم ضمانات، بها يتحصن دون أن يطمئن، شأن المجرم عديم الأمان رغم الضمان! والظلم ليس له قرار، والعدل الإلهي بالمرصاد وأنت له في انتظار.. خذ بالأسباب، وائت البيوت من الأبواب، تجد الوعد الحق بالاستخلاف والتمكين، والأمن بعد الخوف في الدنيا والدين. واذكر: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" ولن تجد لسنة الله تبديلا.

 

 

المرجع و الهوامش:

الشيخ ببوزوزو سيرة ومسيرة، حوار مع نجله، عبد الحميد بوزوزو.

سيرة ومسيرة 75 سنة من العطاء، حوار مع الشيخ يحي باسلامة، رفيق درب العلامة محمود بوزوزو

مقالنا في موقع أمة دوت كوم (فرنسا)  ومجلة ( ديبا مقازين) اللبنانية بعنوان :

Cheikh Mahmoud Bouzouzou : un maître, un imam, un combattant, un savant … un monument

In : Oumma.com et Débat Magazine.

 

جريدة المنار :

العدد الرابع لجريدة المنار، بتاريخ 15 شعبان 1370 الموافق لـ 21 ماي 1951

المقال الأول: جريدة المنار، السنة الأولى، العدد الثالث، الجمعة 27 رجب 1370، 4 ماي 1951

المقال الثاني : بتاريخ  9 ماي 1952 في «المنار» (السنة الثانية، العدد 3)

المقال الثالث :  جريدة المنار، السنة 3، العدد 42، الجمعة 24 شعبان 1372، 8 ماي 1953

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services