184
0
مجازر 8 ماي 1945.. ذاكرة شعب وجرح وطن لا ينسى

يصادف اليوم الذكرى الـ81 لمجازر الثامن ماي 1945، تلك الأحداث الدامية التي ارتبطت بواحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية في تاريخ الجزائر، والتي لا تزال راسخة في ذاكرة الجزائريين جيلا بعد جيل، حيث يؤكد أساتذة ومؤرخون أن استحضار مثل هذه المحطات التاريخية يبقى ضرورة وطنية وتاريخية، لأن التاريخ ليس مجرد أحداث عبرت، بل ذاكرة أمة ودروس يجب الحفاظ عليها وصونها من النسيان، خاصة وأن تضحيات الشهداء كانت الأساس الذي بُنيت عليه جزائر الحرية والاستقلال.
مريم بعيش
مع نهاية الحرب العالمية الثانية واحتفال العالم بانتصار الحلفاء على النازية، خرج الجزائريون يوم 8 ماي 1945 في مسيرات سلمية بمدن عديدة على غرار سطيف وقالمة وخراطة، للمطالبة بحقهم المشروع في الحرية والاستقلال، بعدما وعدت فرنسا شعوب مستعمراتها بحق تقرير المصير مقابل مشاركتهم في الحرب، ورفع المتظاهرون الأعلام الوطنية الجزائرية ورددوا شعارات تطالب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإنهاء الاستعمار، غير أن الإدارة الاستعمارية الفرنسية واجهت تلك المطالب السلمية بقمع دموي رهيب، حيث أطلقت قوات الشرطة والجيش النار مباشرة على المتظاهرين، لتتحول الشوارع إلى ساحات قتل ومجازر.
لم تتوقف الجرائم عند إطلاق النار فقط، بل شنت القوات الاستعمارية بعدها حملات انتقامية واسعة ضد السكان العزل، استُعملت فيها مختلف أساليب القمع والتنكيل، من إعدامات جماعية واعتقالات وتعذيب وحرق للقرى والمداشر، إضافة إلى القصف الجوي والبحري الذي طال العديد من المناطق، وأكدت شهادات تاريخية أن الاستعمار حاول التستر على حجم الجرائم المرتكبة، في حين تشير المصادر الجزائرية إلى سقوط عشرات الآلاف من الشهداء خلال تلك المجازر، التي اعتُبرت نقطة فاصلة في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية.
الشهيد سعال بوزيد.. أول شهيد يسقط حاملا الراية الوطنية

ويرتبط تاريخ مجازر الثامن ماي 1945 باسم الشهيد سعال بوزيد، الذي يعد أول شهيد سقط برصاص الاستعمار الفرنسي خلال تلك الأحداث، فقد ولد الشهيد يوم 9 جانفي 1919 بقرية الزايري ببلدية الأوريسيا بولاية سطيف، وسط عائلة متواضعة تعمل في الفلاحة، وتعلم القرآن الكريم في سن مبكرة، قبل أن يتحمل مسؤولية العمل صغيرا لمساعدة والدته بعد وفاة والده.
وانخرط الشهيد في صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية ضمن "فوج الحياة"، وعُرف بأخلاقه العالية وتواضعه وشجاعته، حيث كان كثير الانشغال بالقضية الوطنية، دائم النشاط والحركة، ولا يعود إلى منزله إلا في ساعات متأخرة من الليل، وكانت والدته تستفسر باستمرار عن سبب غيابه الطويل، ليجيبها قائلا: «لا تقلقي وإن سقطت شهيدا فزغردي علي»، وهي الكلمات التي بقيت خالدة في ذاكرة الجزائريين.
قام الشهيد بتعليق العلم الوطني الجزائري بأعالي "صفالو"، وفي صباح اليوم الموالي استيقظ مبكرا كعادته، أدى صلاة الفجر وارتدى لباسا نظيفا ثم توجه نحو مسجد المحطة "أبي ذر الغفاري" للمشاركة في المسيرة التاريخية، وحمل الشهيد العلم الوطني وسط فوج من الكشافة الإسلامية مرددا الأناشيد الوطنية والشعارات المطالبة بحرية الجزائر، غير أن الشرطة الاستعمارية تدخلت لمحاولة منع رفع الراية الوطنية، حيث أمر مفتش الشرطة الفرنسي الشهيد بإنزال العلم، لكنه رفض التخلي عنه أو إسقاط الراية التي كان يحملها بكل فخر.
وأمام تمسكه بالعلم الوطني، أخرج المفتش الفرنسي مسدسه وأطلق عليه النار أمام أعين المتظاهرين، ليسقط الشهيد سعال بوزيد مضرجا بدمائه، بينما ارتفعت زغاريد النسوة وسط الحشود في مشهد تاريخي مؤثر، وحاول رفاقه نقله إلى المستشفى، غير أنه استشهد أمام مقهى "فرنسا" آنذاك، لتتحول لحظة سقوطه إلى شرارة فجرت موجة الغضب الشعبي، وازدادت بعدها وحشية الاستعمار لتشمل المجازر مختلف مناطق الولاية والوطن.
مجازر 8 ماي.. الشرارة التي مهدت لثورة نوفمبر
يرى مؤرخون أن مجازر الثامن ماي 1945 كانت نقطة تحول حاسمة في مسار الحركة الوطنية الجزائرية، إذ أدرك الجزائريون بعدها أن الاستقلال لا يمكن أن يتحقق بالوعود السياسية وحدها، وإنما بالكفاح والتضحية. وقد ساهمت تلك الأحداث في بروز قناعة جماعية بضرورة الانتقال إلى العمل المسلح، وهو ما تجسد لاحقا في اندلاع الثورة التحريرية المجيدة في الفاتح نوفمبر 1954، التي توجت باستقلال الجزائر بعد سنوات طويلة من المقاومة والتضحيات.
وتبقى ذكرى مجازر 8 ماي 1945 مناسبة وطنية لاستحضار تضحيات الشهداء والتأكيد على أهمية الحفاظ على الذاكرة الوطنية، خاصة في ظل دعوات المؤرخين وأساتذة التاريخ إلى ضرورة تعريف الأجيال الجديدة بحقيقة الجرائم الاستعمارية التي ارتُكبت في حق الشعب الجزائري، كما تواصل الجزائر تمسكها بمطلب الاعتراف الكامل بالجرائم الاستعمارية وعدم نسيان ما عاشه الجزائريون من قتل وتشريد وتعذيب، وفاءً لأرواح الشهداء الذين صنعوا بدمائهم فجر الحرية والاستقلال.
رئيس قسم التاريخ: محطة مجازر 8 ماي لا تزال حية في وجدان الجزائريين

أكد لنا الأستاذ العكروت خميلي، رئيس قسم التاريخ بجامعة الجزائر 2 أن الجزائريون لا يزالون ينظرون إلى مجازر 8 ماي 45 بطريقه رمزية، حيث أنها ترمز إلى واحده من مآسي الشعب الجزائري إن لم نقل هي الأكبر والشجرة التي غطت الغابة، وهي الأكثر دموية وعنفا.
كما تحدث خميلي عن الجازر التي يثيرها المؤرخون الجزائريون خاصة فيما يتعلق في مجازر زهرة ومجزرة العوفية وغيرها من المجازر التي اعتبر أنه من حقها أيضا أن تأخذ بعدها الرمزي بمعنى أنها تخرج من الطابع الحدثي فى الوقائع وتتوجه نحو الطابع الرمزي، لأنه لما تأخذ معنى رمزي في مخيال ووجدان الجزائريين هنا تدخل إلى الذاكرة الجزائرية وتصبح محطة هامة من محطات الذاكرة.
وأضاف محدثنا أن محطة مجازر 8 ماى لا تزال حية في وجدان الأفراد وسكان المناطق التي حدثت فيها، وإلى يومنا هذا لا تزال يعيش أحداثها الأبناء والأحفاد، مشيرا إلى أن هده المجازر تأثر بها تقريبا عدد كبير من الأسر التي تعيش في منطقة شمال سطيف أو في منطقه القبائل الصغرى و المناطق التي كانت مسرحا لهذه الأحداث، أيضا منطقة مطابخ الجبس بقالمة، ونوه محدثنا إلى أن هذه المجازر هي إبادة بكل المقاييس وهي جريمة دولية مكتملة الأركان، مأكدا في ذات الوقت على أنه إذا أردنا أن نصنفها فسنصنفها ضمن الجرائم التي لا تقبل الثقافة.
وعرج رئيس قسم التاريخ كلامه بالحديث عن طلبة قسمه، حيث أطلعنا أنه ان لم يكن يعني الطالب يعلم عن محطة 8 ماي شيئا إلا وتجده يعلم الكثير عن الذاكرة وما يترسخ في وجدان الشعوب، وهي صمام الأمان للأجيال القادمة، مضيفا بأن طالب التاريخ لما يتخرج يكون مزودا برصيد تاريخي يكفيه ليزود أجيالا أخرى.
واختتم محدثنا كلامه بالحديث عن حصيلة المجزرة التي اعتبرها تفوق يعني بغض النظر عن الكتابات الكثيره والحبر الذي سال في الحصيله هي مجزره كبيره الحصيله هي اكثر من 45000 شهيد ما بين العدد الأقصى 30 ألف والحد الأدنى هو 100 ألف، وهو عدد كبير جدا.
الأستاذ عابد سفيان: استذكار مجازر الـ8 ماي تأكيد على أن الاستقلال لم يأتي من العدم بل نتيجة تضحيات كبيره خاضها الجزائريون

من جهته الأستاذ عابد سفيان من جامعة الجزائر 2 ومدير الدراسات في قسم التاريخ، أكد على أن تاريخ الثامن ماي من سنه 1945 هو محطة هامة في تاريخ الجزائر لان فرنسا ارتكبت فيه جرائم مروعه في حق الجزائريين، واعتبر هذا الشهر وهو شهر ماي شهرا للدماء والدموع لأن الاستعمار ارتكب فيه جرائم يندى لها الجبين في حق الجزائريين الذين خرجوا مطالبين فرنسا بتحقيق وعودها، إلا أنها قابلت هذه المسيرات السلمية التي اراد بها الجزائريون ايصال رسالة إلى السلطات الفرنسية لتذكيرهم بالوعود التي طلبها الجزائريون بعد المشاركة في الحرب العالمية الثانية.
وأضاف عابد بأن فرنسا خرجت بقواتها لقمع هذه المسيرات السلمية في كل من سطيف ، قالمة وخراطة، مسيرا إلى أن المؤرخين سواء كانوا الفرنسيين بحد ذاتهم أو الجزائريين أو حتى الصحافة العالمية كتبت عن هذه الجرائم في تلك المرحلة.
كما أكد محدثنا أن استذكار هذه الجرائم يجعلنا نعتبرها من أبشع ما ارتكبه الاستعمار الفرنسي في حق الجزائريين، كما أنه في حقيقة الأمر هناك كذلك نقطة مهمة ألا وهي أن هده المجازر جعلت الجزائريين يقتنعون بأن ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة وأن الاستعمار الفرنسي لا يعرف الا لغة واحده ألا وهي لغة السلاح.
في السياق نفسه، أضاف عابد أنه من حينها بدا وبرز الوعي التحرري لدى الجزائريين الذين أدركوا بأنه لابد من التحضير الفعلي للثورة الجزائرية المظفر مهم جدا التاريخ والعبر التاريخ والعبر،مسيرا إلى أن استذكار هذا التاريخ يعد عبرة للجزائريين وكذلك أن نستذكر بان الاستعمار الفرنسي ارتكب جرائم مروعه وان الاستقلال لم يأتي من العدم وإنما كان نتيجة تضحيات كبيره خاضها الجزائريون سواء داخل الوطن أو خارجه.
وختم محدثنا كلامه بأنه لنا في تاريخ الجزائر وفي تاريخ الثورة الجزائرية المضفرة العديد من العبر والمحطات التاريخية التي يجب ان نستذكرها، كأن نستذكر الشهداء، نستذكر تضحيات الجزائريين الذين ضحوا من اجل أن تحيا الجزائر من اجل أن يرفرف العام الجزائري عاليا، من اجل أن تحيا الجزائر دوله مستقلة بكامل سيادتها.

