346

1

ما قبل العاصفة

بواسطة: بركة نيوز

بقلم: ألاء أكرم العقاد 
الفصل الأول:

في زاویة صغیرة من البیت، حیث الجدران تفیض دفئًا رغم ضیق المكان، كانت "رُبا" تجلس على كرسیھا الخشبي، تحمل دفترھا 
القدیم وقلمھا الأزرق الذي أصبح جزءًا من أصابعھا. كانت تحب أن تبدأ صباحھا بفنجان قھوة وورقة بیضاء، تسكب فیھا كل ما یعجز صوتھا عن قولھ.
لم تكن رُبا كأي فتاة في حیّھا. رغم إعاقتھا الحركیة، كانت شعلة من الذكاء والھدوء. تقرأ كثیرًا، وتكتب أكثر. وكلما كتبت، شعرت أن قدمیھا تتحركان على سطور الحلم، ولو لم تكن قادرة على المشي.
أمّھا، تلك السیدة التي تشبھ الوطن في حنیتھا، كانت تقول لھا دائمًا: "یا رُبا، الله عطاك نعمة القلم، خلیھ سلاحك". 
فتبتسم رُبا وترد:ّ "وأنا مستعدة أواجھ العالم فیھ".
كانت تحلم أن تصبح كاتبة، أن تحمل كلماتھا للعالم، تحكي عن غزة، عن الألم الذي لا تلتقطھ الكامیرات، ولا تنقلھ نشرات الأخبار. 
كانت تكتب لتُثبت أنھا "موجودة"... وأن الإعاقة لا تُعطّل الروح.
في ذلك الیوم، كانت الشمس دافئة، والحيّ یعجّ بالحیاة. الأولاد یركضون في الأزقة، صوت الباعة یعلو، وأبوھا یجلس على كرسیه المعتاد یشرب الشاي. لم تكن تعلم رُبا أن ھذه اللحظات ستصبح ذكرى... وأن العاصفة تقترب بصمت.
- الفصل الثاني: العاصفة*
لم تمضِ ساعات على ذلك الھدوء حتى بدأ كل شيء یتغیر. 
في المساء، خیّم صمت غریب على الحي،ّ كأنّ المدینة تحبس أنفاسھا. كانت رُبا تراقب من شباك غرفتھا، ترى وجوه الجیران 
القلقة، وتسمع الھمسات: "یقولوا في قصف قریب... یمكن تصعید جدید".
ثم فجأة... 
ارتجّت الأرض تحت أقدام الجمیع. دوى الانفجار الأول كأنھ زلزال. انطفأت الكھرباء. صرخت أمھا، ركض إخوتھا نحوھا، وابوھا 
صاح: "كلنا بالخارج، بسرعة!". 
ورُبا... لم تستطع أن تركض.
كانت الإعاقة في تلك اللحظة قیدًا ثقیلا،ً لكنھا تماسكت. 
"ساعدوني"، قالت بصوت ثابت رغم الخوف. 
أمھا حملت حقیبتھا، أبوھا رفعھا بین یدیھ، وركضوا نحو الشارع مع عشرات العائلات.
لم یحملوا شیئًا من البیت، فقط بعض البطانیات ووثائقھم، وتركو خلفھم حكایاتھم، صورھم، دفاترھم... وطفولتھم.
رُبا كانت صامتة. لكن بداخلھا عاصفة لا تھدأ. 
"لن أترك كلماتي ھناك، سأحملھا معي، سأكتب كل شيء"، ھمست لنفسھا.
في مكان النزوح، بین الخیام، لم یكن ھناك دفء، ولا أمان، ولا حتى نوم. 
كانت رُبا مستلقیة، تنظر إلى السماء المظلمة، وفكرت: 
"ھل انتھى كل شيء؟ أم أن ما یحدث الآن ھو بدایة حكایتي؟".
- الفصل الثالث: ما بعد الألم
مرّت اللیالي ثقیلة داخل الخیمة، كأنّ الزمن لا یرید أن یتحرك. 
البرد كان یتسلل من كل الجھات، والأرض رطبة لا ترحم. 
لكن رُبا لم تسمح للألم أن یسیطر علیھا، كانت تمسك بدفتر صغیر احتفظت بھ منذ البدایة، وتكتب كل لیلة، حتى في ضوء شمعة 
قصیرة العمر.
كتبت عن الوجع، عن صرخات الأطفال، عن وجھ أمھا وھي تحاول أن تخفي دموعھا، وعن صمت أبیھا الطویل، الذي یحمل أكثر 
مما یُقال.
في صباح یوم شتوي، وصل متطوعون إلى المخیم، معھم كتب، وألوان، وأخبار عن ورشة كتابة صغیرة. 
ترددت رُبا، ثم قالت في نفسھا: 
"ھذه فرصتي... یمكن لصوتي أن یُسمع".

حضرت الورشة، وجلست بین مجموعة من الفتیات، لم تكن تعرف أحدًا، لكنھا كانت مختلفة.

حین طلبوا من الجمیع أن یكتبوا عن یوم من حیاتھم، أمسكت قلمھا بثقة، وبدأت تنقل الحقیقة، بصدق دون تزییف.

قرأ المشرف ما كتبتھ، ووقف أمام المجموعة قائلا:ً

"لدینا ھنا كاتبة، لیست فقط قویة... بل صوتھا قادر أن یُحدث فرقًا".

كانت ھذه اللحظة نقطة تحوّل.

رُبا ابتسمت لأول مرة منذ أیام، شعرت أن الحرب لم تأخذ كل شيء...

بقي لھا قلم، وحلم، وإرادة.

الفصل الرابع: بین الأمل والانتظار

مرّت الأسابیع، ورُبا بدأت تلاحظ أن الكتابة لم تكن فقط مھربًا، بل أصبحت رسالة تملأ قلبھا.

أصبحت تأتي إلى الورشة بانتظام، تشارك قصصھا وأحلامھا، وتستمع لقصص الأخریات.

وجدت في الكتابة أصدقاء جدد، وأمل متجدد ینبض في روحھا.

لكن في الداخل، كان ھناك صراع آخر.

الواقع في المخیم لم یتغیر، الخیمة ما زالت مكانھا الوحید، والبرد لا یرحم.

رُبا تتساءل: ھل ستُصبح كلماتھا جسرًا نحو حیاة مختلفة؟

ھل یمكن لحلم فتاة عاشت الحرب أن یتحقق في عالمٍ لا یرحم؟

في لیلة صمت فیھا المطر، جلست رُبا أمام خیمتھا، تنظر إلى السماء المتقطعة بالغیوم،

وھمست لنفسھا:

"أنا لست مجرد ضحیة، أنا صوتٌ ینادي... لكن ھل سیصل صوتي إلى من یجب أن یسمع؟"

وفي تلك اللحظة، جاءتھا رسالة عبر ھاتف مھترئ:

"ھناك من یرید أن یسمع قصتك. ھل أنت مستعدة؟"

وقفت رُبا مترددة، تملؤھا مشاعر متناقضة بین الخوف والحماس،

وفي عینیھا بریق الحلم الذي لم یمت.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services