67

4

الشهيد لزهر شريط.. البطل الذي تحدى الجنرال بيجار وخطط لمعركة الجرف الكبري

إعداد هديل فضايلية
في سجل الثورة التحريرية الجزائرية أسماء خالدة سطرت بدمائها وتضحياتها أروع صفحات البطولة والفداء،  ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم الشهيد البطل لزهر شريط، الذي يعد من أبرز قادة الثورة في منطقة النمامشة،  فقد جمع بين الشجاعة والحكمة والقدرة على التنظيم العسكري، وساهم بشكل فعال في دعم الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي، حتى أصبح رمزاً من رموز المقاومة الوطنية في الشرق الجزائري.

مولده 
ولد لزهر بن محمد بن حمزة وعائشة فتني سنة 1915 بدوار تازينت التابع لبلدية بئر مقدم، وينحدر من أعراش النمامشة" تبسة حاليا"،  المعروفة بتاريخها النضالي وتمسكها بقيم الحرية والكرامة.

نشأ في أسرة ميسورة الحال تضم سبعة إخوة، وتلقى تربيته في بيئة ريفية محافظة قائمة على العمل والاجتهاد والاعتماد على النفس،  ومنذ صغره شارك والده في مختلف الأنشطة الاقتصادية، خاصة الزراعة وتربية الماشية، ما أكسبه خبرة واسعة في شؤون الحياة الريفية ورسخ لديه قيم المسؤولية والانضباط والصبر.
ومع اشتداد قبضة الاستعمار الفرنسي على الشعب الجزائري، بدأ الوعي الوطني يتشكل لدى لزهر شريط، فكان من الرافضين للخضوع لسلطات الاحتلال، وقد استدعي في مرحلة مبكرة من حياته للخدمة العسكرية الفرنسية، فحاول التهرب منها لكن السلطات الاستعمارية تمكنت من القبض عليه وإجباره على أداء الخدمة العسكرية.

وخلال فترة الحرب العالمية الثانية أرسل ضمن وحدة سلاح المدفعية إلى فرنسا، وهناك أظهر موقفاً وطنياً شجاعاً عندما فرّ مع عدد من الجنود المغاربة من المعسكرات الفرنسية،  وبعد استنفاد الذخيرة والعتاد العسكري، ألقي عليه القبض وتمت معاقبته بالسجن لمدة شهر قبل اكتشاف العملية.

بداية العمل الثوري 
بعد عودته إلى الجزائر، ازداد اقتناع لزهر شريط بضرورة مقاومة الاستعمار بكل الوسائل المتاحة، فاستأنف نشاطه الوطني من خلال المساهمة في توفير الأسلحة للمجاهدين،  كما أسس شبكة متخصصة في تهريب السلاح، واستطاعت هذه الشبكة الوصول إلى مخازن الأسلحة التي خلفتها قوات الحلفاء في ليبيا بعد الحرب العالمية الثانية،  وقد ساهم هذا النشاط في دعم الثورة التحريرية وتزويد المجاهدين بالعتاد اللازم لمواصلة الكفاح المسلح.
ومع اندلاع الثورة التحريرية في الفاتح من نوفمبر 1954، برز لزهر شريط كقائد ميداني يتمتع بالكفاءة والجرأة. فقد تولى قيادة الطليعة الأولى التي ضمت اثنين وثلاثين مجاهداً بأعالي قمم الجبل الأبيض، وكانت مهمتهم تتمثل في مراقبة السدود وتأمين أفواج التسليح والتصدي لتحركات القوات الفرنسية،  وبفضل خبرته الميدانية وقدرته على التنظيم، استطاع أن يكسب احترام رفاقه وثقتهم، ليصبح أحد أبرز القادة العسكريين في المنطقة.

المحطات البارزة في النضال 
ومن المحطات البارزة في مسيرته النضالية مشاركته في التخطيط والإشراف على معركة الجرف الكبرى، التي تعد من أشهر معارك الثورة التحريرية الجزائرية،  وجاءت هذه المعركة في ظروف صعبة فرض فيها الاستعمار حصاراً شديداً على المجاهدين، فكان الهدف الأساسي منها فك ذلك الحصار واستعادة زمام المبادرة.

وقد أطلق على هذه العملية اسم استراتيجية الانقضاض الجبلي، حيث واجه نحو ثلاثمائة مجاهد قوة عسكرية فرنسية ضخمة،  ورغم الفارق الكبير في الإمكانات والعدد، أظهر المجاهدون صموداً استثنائياً وبسالة نادرة.
كما شارك لزهر شريط في معركة أرقو التي تعد من أبرز المواجهات العسكرية في المنطقة خلال الثورة التحريرية. وقد أثبت خلالها قدرة عالية على القيادة والتخطيط، وساهم مع رفاقه في تحقيق نتائج مهمة عززت من معنويات المجاهدين وأكدت أن إرادة الشعب الجزائري أقوى من آلة الحرب الاستعمارية.
وتذكر المصادر التاريخية أن لزهر شريط كان من أكثر القادة إزعاجاً للجيش الفرنسي، كما كان يبعث برسائل تحدٍ إلى قادة الجيش الفرنسي، مؤكداً أن المجاهدين لن يتراجعوا عن مطلب الحرية والاستقلال مهما بلغت التضحيات، حيث صرح انذاك بيجار خلال ندوته الصحفية قائلا : "ان الفلاقة في جبال النمامشة يطلبون منا أن نلقاهم في معاقلهم للمواجهة الحربية ولكن هل تعلمون من هم النمامشة؟ إنهم هؤلاء الذين إذا قضينا عليهم فإننا سنقضي على الولاية الأولى وإذا قضينا على هذه الولاية فإننا سنقضي على الثورة كلها ".

استشهاده
ففي الأول من جوان سنة 1958 صدر بحقه حكم بالإعدام رمياً بالرصاص بمنطقة قلعة السنان التونسية،  وبرحيله فقدت الثورة أحد أبرز قادتها الميدانيين، غير أن ذكراه بقيت حية في وجدان أبناء المنطقة وفي ذاكرة الشعب الجزائري.
إن سيرة المجاهد لزهر شريط تمثل نموذجاً رائعاً للوطنية الصادقة والإرادة القوية، وتؤكد أن استقلال الجزائر لم يكن هبة مجانية، بل ثمرة تضحيات رجال آمنوا بحق شعبهم في الحرية وقدموا أرواحهم فداء للوطن.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services