367
0
ليلة القدر بين الجانب الشرعي و المخيال الاجتماعي

ليلة القدر في المجتمع الجزائري ليست مجرد مناسبة دينية، بل هي لحظة فارقة تعكس التقاليد العريقة والممارسات الروحانية العميقة. بين الصلاة والدعاء، والتكافل والعادات المتوارثة.
نسرين بوزيان
تعزيز الوعي بقيمة هذه الليلة المباركة
وصف الله تعالى ليلة القدر بأنها خيرٌ من ألف شهر في كتابه العزيز، مما يجعلها من أقدس الليالي في السنة. لذلك، تشهد المساجد في الجزائر إقبالًا كثيفًا، حيث تمتد صلاة التراويح إلى وقت متأخر، وتُخللها أدعية جماعية وابتهالات تُضفي على الأجواء طابعًا روحانيًا مميزًا. يحرص المصلون على أداء صلاة التهجد، وتبقى بعض المساجد مفتوحة حتى الفجر، مع تنظيم دروس ومحاضرات دينية.
كما يُولي العديد من الجزائريين أهمية خاصة في هذه الليلة لتقديم الزكاة والصدقات، اقتداءً بالسنة النبوية، في أجواء تعكس روح التعاون والتآزر المجتمعي.
الشربات: رمز الضيافة في هذه الليلة المباركة
تمتزج الأجواء الدينية في ليلة القدر بعادات اجتماعية متجذرة، حيث تحرص العائلات الجزائرية على تحضير أطباق تقليدية مثل “الكسكس” و”الشوربة”، خاصة “شربة فريك”. كما تُقدّم الحلويات التقليدية مثل “المقروط”، “البقلاوة”، و”الزلابية”.
ولا تكاد تخلو الموائد من عصير “الشربات”، وهو مشروب الليمون الممزوج بماء الزهر، الذي يُعتبر رمزًا للضيافة في هذه الليلة المباركة.
ختان الأطفال: تقليد متجذر في هذه الليلة
تعد ليلة القدر فرصة لإحياء عادة “ختان الأطفال”، حيث يُفضّل العديد من العائلات ختان أبنائهم في هذه الليلة، اعتقادًا بأن بركاتها تحلّ على الطفل وتمنحه الحماية والخير.
هذا التقليد الراسخ في المخيلة الشعبية يجعل الأسر التي تنوي ختان أطفالها تنتظر حلول الشهر الفضيل، لما له من مكانة خاصة في التراث الشعبي وعمق اجتماعي.
تقديم “المهيبة” في ليلة القدر تبركًا بها
تحرص العائلات في بعض المناطق الجزائرية على تقديم “المهيبة” (الهدية التي يحملها أهل العريس للعروس) في ليلة القدر تبركًا بعظمتها، واستبشارًا بالعروس التي ستُزف إليهم، بينما يفضل البعض تقديمها في ثالث أيام العيد.
طقوس وخرافات قديمة متجددة
تُحيي بعض العائلات الجزائرية في ليلة السابع والعشرين من رمضان طقوسًا قديمة وخرافات، حيث يُعتقد أن تطييب يدي الطفل بالحناء ووضع الكحل له يحميه من الأذى،كما يُقدّمون الحناء المتبقية للفتاة العازبة لعلها تجد نصيبها في الزواج.
بخور 27 أو بخور لشفاع
تحضر بعض العائلات بخورًا خاصًا يُسمى “بخور 27” أو “بخور لشفاع”، ويتكون من عرعار يُضاف إليه بخورات أخرى مثل الجاوي وملح الشط وفسوخ وغيرها. يُحضَّر هذا البخور ويُحمل إلى المسجد ليُوزع في الأركان، حيث يعتقد البعض أن البخور يجلب البركة ويطرد الشياطين. كما تُشعل بعض العائلات الشموع لاستقبال الملائكة التي تنزل لأداء مهامها، إيمانًا منهم بقدسية هذه الليلة.
الأساطير المرتبطة بليلة القدر
لا تزال الجدات تروي لأبنائهن أنه من ينتظر ليلة القدر المباركة ويرى النور يخرج من السماء، فإن الله يستجيب له ما دعا من الأدعية.
ويُطلق على الشخص الذي يستجيب الله لدعائه بأنه شخص تصادف مع ليلة القدر، فيتحول ذلك الشخص إلى أشبه بولي صالح يطلب الناس منه الدعاء لله حتى يستجاب لهم.
تقول إحدى النساء على منصة التواصل الاجتماعي: “طلبت إشارة إذا كانت الليلة هي ليلة القدر، ورأيت في المنام أنني واقفة في النافذة، رافعة يدي وأدعو ربي قائلة: ‘يا رب، إذا كان اليوم هو ليلة القدر، أعطني إشارة’. فسبحان الله، انشقت السماء وخرج منها مثل البرق. فرحت وقلت: ‘الليلة هي ليلة القدر’”.
وقالت أخرى: “في إحدى ليالي شهر رمضان، قامت جدتي في الليل لإطعام البقرة وإحضار علف الزرع، فرأت ضوءًا ساطعًا يدخل من النافذة في سطح البيت. خافت جدتي وفزعت من الضوء، وعندما جاء الصباح، أخبرت جدتي بما رأته، فقال لها جدي: ‘هذه هي ليلة القدر، لقد جزعت من الخوف عليكِ، ولو كنتِ قد طلبتِ من الله شيئًا أو أمنية، لكان قد استجابها".
قبول الطقوس حسب موافقتها للشريعة
في هذا السياق، يقول رئيس الفدرالية الوطنية لموظفي قطاع الشؤون الدينية والأوقاف، جلول حجيمي، في حديثه مع “بركة نيوز”، إن بعض العلماء المسلمين عبر العصور يرون أن ليلة السابع والعشرين من رمضان هي ليلة القدر، مشيرا إلى أن ليلة القدر تقع في العشر الأواخر من رمضان، وبالتحديد في الليالي الوترية، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان”.
ويضيف حجيمي أن من الواجب على المسلمين اغتنام هذه الليلة بأفضل الأعمال مثل كثرة الذكر، قراءة القرآن، الاستغفار، القيام، الاعتكاف، والصدقة، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في هذه الليلة أكثر من غيرها من الليالي.
ويؤكد المتحدث أن ليلة القدر تمثل فرصة عظيمة للتوبة والإنابة، حيث وصفها الله تعالى بأنها “خير من ألف شهر”، وهي الليلة التي أُنزل فيها القرآن الكريم، مما يجعلها ذات مكانة عظيمة وبركة خاصة لأولئك الذين يحيونها بالإخلاص والعبادة،مستشهدا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه”.
وفيما يخص الطقوس والبدع التي قد تمارسها بعض العائلات الجزائرية في هذه الليالي، يشير حجيمي إلى أنه إذا كانت هذه الطقوس موافقة للشريعة فهي مقبولة، أما إذا كانت بعيدة عنها فيجب تجنبها.
وفيما يتعلق بتطييب المكان بالبخور، أوضح حجيمي أن البخور يُعتبر مشروعًا في بعض الثقافات كعطر لتطييب المكان، وله أصول ثابتة في بعض مناطق المشرق، ولكن الادعاء بأن البخور يطرد الشياطين أو يُستخدم للسحر والشعوذة هو أمر غير مشروع ويجب الابتعاد عنه.