185

0

لغز اختراق الدرع

كيف تتحدى الصواريخ الإيرانية أشد المنظومات الدفاعية تعقيداً في العالم؟

بقلم:ضياء الدين سعداوي

في خضم التصعيد العسكري المحتدم بين إيران وإسرائيل، يبرز سؤال جوهري يحير المراقبين والمحللين على حد سواء، وهو السؤال الذي طرحه الإعلامي فيصل القاسم: "كيف تصل الصواريخ الإيرانية إلى إسرائيل إذا كان كل هؤلاء يعترضونها؟"

فوفقاً للتصور النظري، تنتشر طبقات دفاعية متتالية تبدأ من القواعد الأمريكية في العراق، مروراً بالقواعد الفرنسية، فحاملات الطائرات الأمريكية في المياه الإقليمية، ثم القواعد البريطانية على حدود إسرائيل، وصولاً إلى منظومات "مقلاع داود" و"القبة الحديدية" داخل إسرائيل. فكيف إذاً تفلت الصواريخ من هذه الشبكة التي تبدو وكأنها حاجز منيع؟ البحث في معطيات المواجهات الأخيرة يكشف أن الإجابة لا تكمن في سيناريو خيالي تخترق فيه صواريخ فردية جميع هذه الطبقات، بل في تحولات إستراتيجية وتقنية عميقة في طبيعة الصراع نفسه.

 

مع ثورة التوجيه يصبح التشويش مستحيلاً

 

يبدو أن أهم تحول في معادلة المواجهة يتمثل في مصدر دقة التوجيه، فبعد حرب الأيام الـ12 في جويلية 2025 التي كشفت هشاشة إعتماد إيران على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) الأمريكي الذي يمكن تعطيله أو تشويشه بسهولة، يبدو أن طهران أنجزت تحولاً استراتيجياً نحو الإعتماد على نظام "بايدو" (BeiDou) الصيني للملاحة عبر الأقمار الاصطناعية.

آلان جوييه، المدير الأسبق للمخابرات الخارجية الفرنسية، لاحظ أن "المفاجأة في هذه الحرب هي أن الصواريخ الإيرانية أصبحت أكثر دقة بشكل ملحوظ مقارنة بالحرب التي وقعت قبل ثمانية أشهر، مما يثير تساؤلات كثيرة حول أنظمة توجيه هذه الصواريخ". التفسير الذي يقدمه الخبراء هو أن الإنتقال إلى نظام "بايدو" يمنح إيران ميزتين حاسمتين: أولاً، دقة عالية جداً تصل إلى هامش خطأ أقل من متر واحد بفضل الإشارات العسكرية المشفرة التي لا تستطيع الولايات المتحدة التشويش عليها. ثانياً، مناعة ضد محاولات الخداع والتشويش الإلكتروني؛ إذ تؤكد المحللة العسكرية باتريشيا مارينز أن "الإشارة العسكرية B3A لنظام بايدو-3 هي في الأساس غير قابلة للتشويش" بفضل تقنيات "القفز الترددي المعقد ومصادقة الرسائل الملاحية".

بل إن النظام الصيني يتيح ميزة أكثر تقدماً و هي إمكانية إعادة توجيه الصواريخ أو المسيرات أثناء الطيران عبر أداة إتصال بالرسائل القصيرة تعمل لمسافات تصل إلى 2000 كيلومتر. هذا يعني أن الصاروخ الإيراني لم يعد مجرد قذيفة باليستية تتبع مساراً محسوباً مسبقاً، بل أصبح "سلاحاً ذكياً" يمكن توجيهه وتصحيح مساره حتى بعد الإطلاق. هذا التطور التقني يفسر كيف تمكنت صواريخ إيرانية من ضرب أهداف إستراتيجية داخل إسرائيل، بما في ذلك قاعدة "رامات ديفيد" الجوية، التي تعد من أهم القواعد العسكرية في إسرائيل والأكبر في المنطقة الشمالية، والتي تمتلك منظومات دفاعية متطورة من بينها "باتريوت" و"مقلاع داود" و"القبة الحديدية".

 

إستراتيجية الرؤوس الثقيلة والتشبع يرهق المنظومة الدفاعية

 

لكن الدقة وحدها لا تفسر كل شيء. فالقوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية تمكنت من تدمير "جميع الأهداف المحددة" في إيران، كما تقول الرواية الرسمية، لكن الصواريخ لا تزال تصل. التفسير يكمن في تحول استراتيجي آخر أعلنه قائد القوات الجوفضائية للحرس الثوري الجنرال موسوي متمثلاً في الإنتقال إلى إستخدام صواريخ برؤوس حربية ثقيلة تزن أكثر من طن واحد، واستراتيجية هجمات تشبعية مصممة لإرباك الدفاعات الجوية.

الخبير العسكري نضال أبو زيد أشار إلى ظاهرة مهمة في معادلة المواجهة بأن إيران لا تفصح عن أعداد الصواريخ المطلقة، في حين تعلن إسرائيل أعداد الإعتراضات، مما يعني أن كلا الطرفين يخفي خسائره الحقيقية في معركة الإستنزاف المتبادل. لكن الأرقام المتاحة تكشف قصة مختلفة. في تجربة جويلية 2025، أطلقت إيران خلال 12 يوماً نحو 500 صاروخ، نجح 30 إلى 35 منها في إختراق الدفاعات، متسببة بخسائر إقتصادية إسرائيلية قدرت بنحو 3 مليارات دولار. والأكثر إيلاماً لإسرائيل وحلفائها أن الولايات المتحدة استهلكت خلال تلك الفترة نحو 160 صاروخاً من منظومة "ثاد" الثمينة، وهي كلفة يصعب تعويضها سريعاً.

هذا التحول يعكس إدراكاً إيرانياً متقدماً لطبيعة الدفاعات الإسرائيلية المتعددة الطبقات. فمنظومة "آرو 3" (Arrow 3) تعترض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي على ارتفاعات تصل إلى 100 كيلومتر، ومنظومة "مقلاع داود" تتعامل مع الصواريخ متوسطة المدى على إرتفاع 40-300 كيلومتر، بينما تتصدى "القبة الحديدية" للصواريخ قصيرة المدى والمقذوفات على مدى 4-70 كيلومتراً.

إلا أن هذه المنظومات المتطورة تواجه تحدياً كبيراً عندما تتعرض لهجوم متزامن بعشرات الصواريخ. فالصواريخ الثقيلة (أكثر من طن) تمتلك قدرة إختراق محسنة ضد البنى التحتية المحصنة، كما أن تأثيرها الانفجاري يمتد لمسافة 60-80 متراً مع اهتزازات أرضية تصل إلى عمق متر واحد. الأهم أن تكلفة إعتراض كل صاروخ إيراني (يتراوح ثمنه بين 200 و500 ألف دولار) تتطلب إطلاق صواريخ اعتراضية تكلف ما بين مليون ومليوني دولار للصاروخ الواحد. وعندما تطلق إيران مئات الصواريخ، تتحول المعادلة إلى حرب استنزاف اقتصادي، حيث تزداد النفقات الدفاعية بنسبة قد تصل إلى 95%. هنا يكمن سر آخر من أسرار الاختراق و هي استراتيجية "الهجمات التشبعية" التي تهدف إلى إغراق أنظمة الرادار والتتبع بعدد كبير من الأهداف المتزامنة، مما يسمح لبعض الصواريخ بالانفلات. هذا ما حدث في الهجمات المنسقة الأخيرة التي شنتها إيران وجنوب لبنان معاً.

 

وهم الطبقات المتتالية مقابل واقع الميدان

 

الشبكة الدفاعية التي تصفها التقارير العسكرية تبدو في الظاهر وكأنها حاجز لا يمكن اختراقه: سفن حربية أمريكية في الخليج، رادارات إسرائيلية في أذربيجان وتركمانستان، أنظمة دفاعية في قواعد عراقية وسورية، رادارات في السعودية وقطر والكويت والإمارات والبحرين، رادارات بريطانية في عمان، أنظمة "ناتو" في تركيا، دفاعات أردنية، طائرات حربية أمريكية وبريطانية وفرنسية في أجواء الأردن وإسرائيل، ثم الطبقات الإسرائيلية المتتالية.

لكن الفرضية التي تستند إلى تصور نظري لطبقات دفاعية تعمل بتناغم ميكانيكي تتصادم مع واقع أكثر تعقيداً. فالصواريخ الإيرانية، خاصة الباليستية منها، لا تسلك مسارات يمكن تتبعها بسهولة. الخبير العسكري إلياس حنا أوضح أن الصواريخ الفرط صوتية مثل "فتاح" قادرة على المناورة أثناء الطيران وتغيير مسارها باستمرار، مما يجعل اعتراضها عبر منظومات مثل "باتريوت" و"ثاد" أمراً بالغ الصعوبة، لأن هذه المنظومات صممت لإعتراض أهداف تسلك مسارات باليستية يمكن توقعها.

الأمر لا يتعلق فقط بالمناورة، بل بالسرعة أيضاً. صاروخ "فتاح-2" الإيراني الفرط صوتي تصل سرعته إلى 15 ماخ (أي حوالي 18522 كم/ساعة)، وهذا يعني أنه يقلص زمن رد فعل أي نظام دفاعي إلى ثوان معدودة. وفقاً لتقديرات خبراء عسكريين، لإعتراض صاروخ بهذه السرعة، يحتاج نظام الدفاع إلى الإستجابة بسرعة تعادل 30 ضعف سرعة الصوت تقريباً، وهي قدرة لا تمتلكها التكنولوجيا الحالية.

هذه الهندسة الدفاعية المعقدة تحمل في طياتها نقطة ضعف أساسية أخرى تتمثل في التنسيق. فكل طبقة دفاعية تعمل ضمن نطاق محدد وبإجراءات تشغيل مختلفة، مما يخلق ثغرات توقيتية يمكن استغلالها. إضافة إلى ذلك، فإن تعدد اللاعبين يعني تعدد الأولويات؛ فالدفاعات الأمريكية قد تركز على حماية قواعدها أولاً قبل التصدي لصواريخ قد لا تهددها مباشرة.

 

استهداف منظومات الدفاع أي ضرب العين التي ترى

 

الخبير العسكري إلياس حنا كشف عن بعد آخر في معادلة الإختراق: الهجمات الإسرائيلية والأمريكية المتزامنة استهدفت مواقع متعددة داخل إيران، شملت مدناً مثل تبريز وشيراز وهمدان وزنجان، إضافة إلى العاصمة طهران، فضلاً عن استهداف موانئ حيوية أبرزها ميناء تشابهار جنوب شرقي البلاد، في إطار ما وصفته وسائل إعلام إسرائيلية بمحاولة تحييد الرادارات ومنظومات الدفاع الإيرانية. لكن المقابلة لم تكن أحادية الجانب. فإيران أيضاً تستهدف منظومات الدفاع نفسها التي تحمي إسرائيل.

الخبير العسكري أوضح أن تركيز الهجمات الإيرانية انصب بشكل أساسي على تل أبيب الكبرى ومناطق شمال إسرائيل وجنوبها، في إطار إطلاق مكثف للصواريخ والمسيرات. هذا التوزيع الجغرافي للهجمات يشير إلى إستراتيجية واضحة فإيران لا تطلق صواريخها عشوائياً، بل تستهدف المراكز الحيوية ومنظومات الدفاع نفسها، محاولة خلق ثغرات في الشبكة الدفاعية.

 

معضلة حاملات الطائرات هل هو هدف بعيد المنال؟

 

فيما يتعلق بدور القطع البحرية الأمريكية، التي يفترض أن تشكل طبقة اعتراضية متقدمة، فإن تحليلاً نشره مركز "ليكسينغتون" (Lexington Institute) يقدم منظوراً مغايراً. الدكتورة ريبيكا غرانت تؤكد أن حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" (USS Abraham Lincoln) تمتلك قدرات دفاعية هائلة تجعل من المستحيل عملياً إغراقها بصواريخ باليستية إيرانية. هذه القدرات تشمل كشف الإطلاق عبر أقمار "قوة الفضاء" الأمريكية، رادارات الإنذار المبكر المحمولة جواً (E-2D Hawkeye)، صواريخ اعتراضية من نوع SM-3 وSM-6 تطلقها المدمرات المرافقة، وهيكل مزدوج مقاوم للانفجارات.

لكن الأهم أن حاملات الطائرات في المواجهة الحالية لا تعمل فقط كمنصات اعتراضية، بل كأهداف محتملة أيضاً. فطهران تدرك أن تهديد القطع البحرية الأمريكية يغير حسابات واشنطن ويرفع كلفة أي تصعيد، مما يخلق نوعاً من الردع المتبادل الذي يسمح باستمرار الهجمات الصاروخية ضمن حدود معينة. وفقاً لتحليل عسكري، إيران تمتلك طيفاً واسعاً من وسائل الدفاع والهجوم البحري المصممة بالأساس لرفع تكلفة أي عمل بحري ضدها داخل مسرح عمليات ضيق مثل مضيق هرمز. وهذا يشكل تهديداً تشبعياً، أي إغراق أنظمة الدفاع بعدد كبير ومتزامن من الهجمات.

 

الردع المتبادل و إستراتيجية الاستنزاف 

 

الخبير العسكري نضال أبو زيد قدم تحليلاً عميقاً لطبيعة المواجهة، موضحاً الفارق الجوهري بين مقاربتي الطرفين: إيران تعتمد إستراتيجية استنزاف تقوم على تحقيق أكبر قدر من الأهداف في أطول مدة زمنية ممكنة، في حين تسعى أمريكا وإسرائيل إلى تحقيق أكبر قدر من الأهداف في أقصر وقت ممكن تفادياً للإنزلاق في حرب مطولة.

هذا التحليل يفسر لماذا تستمر الصواريخ الإيرانية في الوصول رغم كل طبقات الدفاع. فطهران لا تراهن على إختراق جميع الطبقات في كل مرة، بل على استنزاف قدرات الخصم الدفاعية والاقتصادية، ورفع تكلفة المواجهة إلى مستوى يجعل استمرارها غير محتمل. وفي هذا السياق، يصبح وصول 30 صاروخاً من أصل 500 نجاحاً استراتيجياً، حتى لو فشلت الغالبية العظمى.

الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان هذا التحول، ولذلك تعملان على تعزيز قدراتهما الدفاعية. ففي مارس 2026، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية عن عقد "بقيمة مليارات الدولارات" مع شركة "رافائيل" (Rafael) لتوريد صواريخ اعتراضية جديدة، إلى جانب بدء الإنتاج الأمريكي لصواريخ "تامير" (Tamir) الخاصة بـ"القبة الحديدية" بتمويل أمريكي قيمته 1.25 مليار دولار.

 

ما بعد أسطورة الدرع المنيع

 

تكشف الوقائع الميدانية عن حقيقة مركزية: منظومة الدفاع متعدد الطبقات، رغم تطورها وتكاليفها الباهظة، لم تعد تشكل حاجزاً مطلقاً. نجاح الصواريخ الإيرانية في الوصول إلى أهدافها داخل إسرائيل يعود إلى عوامل متداخلة. أولا، تحول تكنولوجي يتجلى في  الإعتماد على نظام توجيه صيني (بايدو) يوفر دقة عالية ومناعة ضد التشويش.ثانيا،  إستراتيجية تسليحية تتمثل في الإنتقال إلى رؤوس حربية ثقيلة (أكثر من طن) وصواريخ فرط صوتية تزيد قدرة الاختراق والتدمير وتقلص زمن رد الفعل الدفاعي. ثالثاً ، تكتيكات تشبعية من خلال إطلاق موجات متزامنة من الصواريخ لإرباك أنظمة الدفاع واستنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الباهظة الثمن.رابعا، استهداف المنظومات الدفاعية أي ضرب مراكز القيادة والرادارات لخلق ثغرات في الشبكة. خامساً ، التحضير المسبق يبرزه التكامل العسكري مع الصين يشمل رادارات متطورة مضادة للطائرات الشبح (YLC-8B) قادرة على كشف طائرات F-35 على مسافات تتجاوز 200 كيلومتر.

السؤال الذي يطرحه الإعلامي فيصل القاسم، رغم بساطته الظاهرية، يقود إلى استنتاج أعمق: لم يعد الهدف من الدفاعات الجوية المتطورة منع جميع الهجمات بشكل كامل، بل تقليل أضرارها إلى حد يمكن تحمله، ورفع كلفتها على المهاجم إلى مستوى يجعله يعيد حسابات. وفي هذه المعادلة الجديدة، تثبت الأيام أن الدفاعات المثالية لا توجد إلا في النظرية.

التحول الإيراني نحو التكنولوجيا الصينية فتح فصلاً جديداً في هذا الصراع، حيث لم تعد الولايات المتحدة تحتكر وسائل الحرب الحديثة. وإذا صحت تقديرات الخبراء بأن نظام "بايدو" منح إيران قدرة توجيه لا يمكن تعطيلها، فإن المنطقة أمام سباق تسلح جديد ستعيد فيه القوى الكبرى حساباتها الاستراتيجية، ليس فقط في مواجهة إيران، بل في مواجهة حقيقة أن "الدرع الأمريكي" لم يعد وحده من يقرر من يصل ومن يسقط. ففي الميدان، تتحول معركة "الدرع والسهم" إلى سباق تسلح دائم بين تقنيات الهجوم وتقنيات الدفاع، سباق لا يملك فيه أي طرف ضمانة مطلقة للنجاح.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services