مع اقتراب مغيب الشمس في ولاية قسنطينة، وبينما تزدحم الطرقات بالمسافرين الباحثين عن مستقر قبل الأذان، تتحول بلدية الخروب وتحديداً على مستوى الطريق الوطني رقم 3، إلى خلية نحل لا تهدأ.
ص دلومي
سباق مع الزمن.. وضجيج يسبق السكينة
المشهد على الطريق الوطني رقم 3 ليس مجرد حركة مرور عادية، بل هو "ماراثون" يومي يتسابق فيه الجميع للوصول قبل نداء "الله أكبر". وسط أصوات المحركات ومنبهات السيارات، تبرز لافتة مطعم "قعدة زمان" كمنارة طمأنينة للمتعبين.
هنا، لا تبدو الخروب مجرد نقطة عبور، بل تتحول في هذه الدقائق الحرجة إلى حضن دافئ يستقبل القادمين من ولايات الشرق والغرب، حيث تذوب المسافات وتختفي ملامح التوتر من وجوه السائقين بمجرد رؤيتهم للشباب المتطوعين الذين يلوحون لهم بالدخول، إيذاناً ببدء رحلة من نوع آخر: رحلة التآخي فوق صحن واحد.
أجواء عائلية.. هنا يغيب الاغتراب
"بركة نيوز" لم تنقل الخبر فحسب، بل عاشت التجربة بقلبها، وشاركت الصائمين مائدة "تكسير الصيام" في مطعم "قعدة زمان" للمأكولات التقليدية.
بمجرد دخولك إلى المطعم، يغمرك إحساس بأنك لست غريباً، الطاولات التي رصت بعناية بدأت تمتلئ بالعائلات والأفراد قبل وقت كافٍ من الأذان. المشهد ليس مجرد إطعام، بل هو تجسيد حي للتضامن؛ حيث يختفي مصطلح "عابر سبيل" ليحل محله "ضيف الدار".
المائدة القسنطينية حضرت بكل ثقلها التقليدي، رائحة "الجاري" العطرة تملأ الأرجاء، ترافقها حبات البوراك المقرمشة، السلطات المتنوعة، وقارورات المياه المعدنية، في مشهد يوحي بأن القائمين على المبادرة لم يغفلوا عن أدق التفاصيل، حتى أنهم خصصوا مصلى للمصلين، ليشعر الصائم بتمام السكينة وكأنه في بيته.
لوحة إنسانية: حين تتحول الطاولات إلى ملتقى للقلوب
ما إن تقترب الساعة من لحظة الحقيقة، لحظة الغروب، حتى يتحول مطعم "قعدة زمان" إلى خلية نحل تضج بالحياة والسكينة في آن واحد. مشهد الطاولات هناك ليس مجرد رصٍّ للكراسي، بل هو لوحة فنية تعكس أبهى صور التكافل الاجتماعي في قسنطينة.
زحام مبهج وتنوع لافت
تكتظ القاعة بأطياف شتى من البشر؛ هنا شيخ مسن يرتدي برنسه القسنطيني الأصيل، وعيناه تلمعان ببريق الامتنان، وهناك شاب مسافر أدركه الوقت بعيداً عن أهله، وبينهم عائلات كاملة اصطحبت أطفالها، حيث يمتزج ضجيج الصغار البريء بدمدمة الاستغفار والتسبيح التي تسبق الأذان. الطاولات "تعج" حرفياً بالبشر، لكنه زحام منظم، يسوده الاحترام والتقدير، وكأن الجميع اتفقوا على ميثاق صمتٍ مهيب بانتظار نداء "الله أكبر".
مائدة تسحر الحواس
أما فوق الطاولات، فالمشهد يثير الشهية ويبعث على الدفء؛ أبخرة "الجاري القسنطيني" "شوربة الفريك" تتصاعد من الصحون الفخارية لتشكل سحابة من الروائح التقليدية التي تذكرك بمطابخ الأمهات.
تتراص حبات البوراك الذهبية المقرمشة جنباً إلى جنب مع أطباق السلطة الملونة التي تفتح الشهية بخضرتها ونضارتها.
ولا تغيب عن المشهد قارورات المياه المعدنية الباردة التي وُضعت بعناية، وحبات التمر "دقلة نور" التي تتوسط كل طاولة كملك متوج، ينتظر الجميع لحظة ملامسته لكسر صيام طويل. كل طبق وُضع بميزان، ليس فقط لإطعام الجسد، بل لإكرام النفس.
سيمفونية المطبخ في قعدة زمان… تناغم خفي يصنع دفء المائدة للصائمين
خلف تلك الأبواب الخشبية للمطعم، وتحديداً في المطبخ، قصة أخرى تُكتب بطلها البخار المتصاعد وعرق الجبين. هنا، تبدأ الرحلة منذ ساعات الصباح الأولى؛ نساء ورجال يعملون في تناغم مذهل، يراقبون قدور الفخار وهي تغلي على نار هادئة لتكتسب نكهتها الأصيلة. الصرامة في النظافة والدقة في المقادير ليست مجرد واجب مهني، بل هي "أمانة صائم".
تشعر وأنت تراقبهم بأنهم لا يحضرون طعاماً للزبائن، بل يجهزون مائدة لأبنائهم؛ فالحرص على أن يصل الطعام ساخناً ومثالياً هو تحدٍ يومي يخوضونه بحب. هذه السيمفونية هي المحرك الخفي لكل تلك السكينة التي يشعر بها الصائمون في الخارج.
لحظات ما قبل الأذان… حين توحّد المائدة غرباء وتفيض البركة في الوجوه
في اللحظات الأخيرة التي تسبق الأذان، تخفت الأصوات تدريجياً. الشباب المتطوعون يتحركون بين الطاولات بخفة كالفراشات، يتأكدون من أن كل ضيف لديه ما يحتاجه. هذا المشهد، حيث يمتلئ المطعم عن آخره، يعطيك شعوراً بأن "البركة" ليست في كمية الطعام فحسب، بل في تلك الوجوه المجتمعة التي لا يعرف بعضها بعضاً، لكنها تتقاسم الآن الملح والطعام في مائدة واحدة، محطمةً كل حواجز الغربة والوحدة.
مبادرات تضامنية في قسنطينة… وجبات إفطار تعزز التكافل وتصل إلى العائلات المستورة
حتى العائلات التي اختارت "الخفاء"، كانت حاضرة بعلبها التي تُملأ بفيض من الجود، ليعودوا بها إلى بيوتهم حاملين معهم ليس فقط وجبة إفطار، بل جرعة من الأمل بأن الخير في أمة الجزائر لا يزال ينبض بقوة.
في حديثه لـ "بركة نيوز"، كشف نوفل بوشارب، عضو الأكاديمية الجزائرية للشباب وإحياء التراث مكتب قسنطينة، عن حجم المجهود المبذول، قائلاً:
"في اليوم الأول من الشهر الفضيل، تمكنا من تفطير 300 شخص، شملت الحاضرين ووجبات محمولة، وفي اليوم الثاني قدمنا 150 وجبة. هدفنا ليس فقط إطعام الجالسيد، بل الوصول إلى العائلات المستورة".
ولا يقتصر الكرم على داخل المطعم، بل تمتد الأيادي البيضاء للعائلات محدودة الدخل التي تأتي بعلبها الخاصة لتأخذ نصيبها من الوجبات الساخنة بكل كرامة وهدوء، مما يعكس عمق التكافل الاجتماعي في المنطقة.
جنود الطرقات.. شباب تركوا عائلاتهم ليخدموا غيرهم
قبل دقائق معدودة من انطلاق أذان المغرب، وبينما يهرع الجميع إلى بيوتهم، كان هناك شباب قرروا أن تكون "عائلتهم الكبيرة" هي الأهم. هؤلاء المتطوعون تركوا دفء بيوتهم، وانتشروا على حافة الطريق الوطني رقم 3، يوزعون وجبات "تكسير الصيام" على السائقين الذين أدركهم الوقت.
بابتسامة لا تفارق الوجوه، يقدمون التمر والماء والوجبات الخفيفة، ليخففوا عن المسافرين عناء الطريق ويقللوا من حوادث المرور المرتبطة بالسرعة قبل الإفطار.
شهادات حية: مائدة واحدة.. وقلوب مؤتلفة
اقتربت "بركة نيوز" من بعض الحاضرين لتنقل مشاعرهم في تلك اللحظات الإيمانية؛ يقول "ع. محمد" وهو سائق شاحنة قادم من ولاية سطيف: "فاجأني الشباب بحفاوة الاستقبال، كنت أخشى أن يدركني الأذان وحيداً في مقصورة الشاحنة، لكنني هنا وجدت دفء العائلة وحلاوة الجاري القسنطيني وكأنني في بيتي".
أما رب عائلة فضل عدم ذكر اسمه، فقد صرح وعيناه تملؤهما السكينة: "ما يقدمه هؤلاء الشباب ليس مجرد وجبة، بل هو كرامة واحتواء، ابني الصغير يسألني دائماً متى نعود إلى هذا المطعم الجميل".
ومن زاوية أخرى، أضاف شيخ مسن وهو يسوي برنسه: "قسنطينة كانت ولا تزال مدينة الخير، وما يفعله هؤلاء الصبية اليوم في قعدة زمان يثبت أن الخير في أبنائنا متوارث، وأن رمضان يجمعنا دائماً على المحبة قبل الطعام".
، "قعدة زمان" بالخروب لم تكن مجرد مطعم، بل كانت مدرسة في الإنسانية، حيث تكاتفت جهود الشباب مع عبق التراث لتجعل من رمضان قسنطينة لوحة من التضامن الذي لا يمحى.