79
0
قرار مدريد: قراءة في خلفيات سحب السفير الإسباني من إسرائيل

بقلم :ضياء الدين سعداوي
في خطوة وصفت باللافتة،كانت إسبانيا قد أعلنت رسمياً عبر الجريدة الرسمية سحب سفيرها من إسرائيل، في قرار يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز كونه إجراءا احتجاجياً عابراً. يأتي هذا التطور المتزامن مع إستمرار الحرب في غزة والتصعيد العسكري الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول الدوافع الحقيقية للموقف الإسباني ومدى انسجامه مع السياسة الخارجية الأوروبية الموحدة.
تراكم دبلوماسي وليس قراراً مفاجئاً
خلافاً للقراءات التي قد تربط القرار برد فعل على تطورات آنية، تؤكد المعطيات أن سحب السفير الإسباني يمثل تتويجاً لمسار تصعيدي بدأ قبل نحو عامين. فالجذور الحقيقية تعود إلى ماي 2024، عندما أعلنت مدريد رسمياً اعترافها بدولة فلسطين، وهو القرار الذي دفع إسرائيل حينها إلى استدعاء سفيرها من إسبانيا، لتخفض التمثيل الدبلوماسي الإسرائيلي في مدريد إلى مستوى "قائم بالأعمال".
ما حدث بالأمس هو رد فعل بالمثل، حيث قررت إسبانيا معادلة التمثيل الدبلوماسي، محولة سفيرتها إلى قائمة بالأعمال. هذا الإجراء جاء بعد أيام قليلة من استدعاء السفيرة نفسها للتشاور في مدريد، على خلفية إعلان الحكومة الإسبانية عن حزمة إجراءات جديدة تهدف كما وصفتها إلى "وضع حد للإبادة الجماعية في غزة".
يضاف إلى ذلك موقف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الثابت، الذي لم يتردد في وصف العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة بـ"الإبادة"، كما فرضت حكومته حظراً على بيع الأسلحة لإسرائيل ومنعت إستخدام القواعد العسكرية الإسبانية لدعم أي عمليات عسكرية في الشرق الأوسط.
علاقة مضيق هرمز: بين الحقيقة والتكهنات
في الأوساط التحليلية، ترددت تساؤلات حول إمكانية ارتباط القرار الإسباني بسيناريو جيوسياسي أوسع، يتمثل في العرض الإيراني المزعوم بالسماح بمرور آمن لناقلات النفط عبر مضيق هرمز للدول التي تسحب سفراءها من واشنطن وتل أبيب.
المعطيات المتاحة تنفي هذا الربط بشكل قاطع. لا توجد أي إشارة في المصادر الموثوقة تربط بين القرارين. صحيح أن إيران هددت باستهداف سفن الدول الداعمة لإسرائيل، وصحيح أن التوتر في المضيق بلغ مستويات قياسية، لكن لم تعلن أي دولة أوروبية، بما فيها إسبانيا، عن تلقيها أو قبولها لعرض إيراني من هذا النوع.
يبدو أن القرار الإسباني مدفوع بالسياق الثنائي المتعلق بغزة حصراً، وليس بملف الطاقة أو التهديدات الإيرانية في الخليج.
في سياق الحرب على إيران: موقف سياسي واضح
على الرغم من استقلالية القرار عن الملف الإيراني من حيث الدوافع المباشرة، إلا أن توقيعه يأتي في سياق الحرب الدائرة منذ 28 فيفري 2026، مما يمنحه بعداً سياسياً إضافياً.
إسبانيا كانت من أكثر الدول الأوروبية وضوحاً في رفضها للتصعيد العسكري الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران. رئيس الوزراء سانشيز صرح صراحة بأن الهجمات على إيران "تنتهك القانون الدولي"، وجدد رفضه استخدام القواعد العسكرية الإسبانية لأغراض هذه الحرب.
في هذا السياق، يمكن قراءة سحب السفير كـرسالة سياسية مزدوجة، الأولى موجهة لإسرائيل تعبر عن إستمرار الرفض الإسباني لسياساتها في غزة، والثانية موجهة للحلفاء الغربيين تؤكد فيها مدريد رفضها للتصعيد العسكري وتشدد على أولوية الحلول الدبلوماسية التي تبدأ بإنهاء الحرب في القطاع.
انقسام أوروبي وموقف فردي
من أهم ما يميز هذه الخطوة أنها انفرادية بامتياز، وتعكس رؤية مدريد أكثر مما تعكس سياسة أوروبية موحدة. فالإتحاد الأوروبي منقسم بشكل واضح إزاء الحرب على إيران والصراع مع إسرائيل. بينما تحتفظ دول مثل ألمانيا بعلاقات وثيقة مع تل أبيب، تتخذ دول أخرى كإسبانيا وأيرلندا مواقف أكثر انتقاداً.
المصادر الدبلوماسية تشير إلى أن مواقف مدريد المتشددة "تضع بروكسل في موقف حساس"، إذ تضطر المفوضية الأوروبية للموازنة بين دعم إسرائيل كحليف استراتيجي وبين استيعاب الضغوط الداخلية الداعية لوقف الحرب. القرار الإسباني يزيد من تعقيد هذه المعادلة، ويبرز صعوبة تحقيق سياسة خارجية أوروبية موحدة في ملفات الشرق الأوسط
لحظة غضب متراكمة
يمكن وصف القرار الإسباني بأنه "لحظة غضب دبلوماسي متراكمة"، بدأت بالاعتراف بفلسطين في 2024، وتغذت على إستمرار الحرب في غزة، ووجدت طريقها للتنفيذ الرسمي على خلفية التصعيد العسكري الأخير لتأكيد الموقف الإسباني المستقل. إنه قرار فردي بامتياز، لا تربطه بالسيناريوهات الإيرانية حول مضيق هرمز أي صلة مؤكدة، ويعكس بصورة رئيسية رؤية مدريد الخاصة أكثر مما يعكس سياسة أوروبية موحدة، مما ينذر بمزيد من التحديات الدبلوماسية في العلاقات الإسبانية-الإسرائيلية والأوروبية-الإسرائيلية على السواء.

