319
0
قراءة في لوحة "التجذّر" للفنان حكمت جابر

بقلم: عامر الخطيب
حين تعانق الروح أصلَها.
ثمة لوحات تُشعرك بأنها لم تُرسم بالفرشاة وحدها، بل رُسمت بشيء أعمق من الفرشاة وأكثر وجعاً من اللون، رُسمت بتلك الرغبة الإنسانية الأولى في أن تجد لنفسك مكاناً تنتمي إليه، جذراً تستند عليه حين تخذلك الريح وتجور عليك الأرض القاحلة، و"التجذّر" للفنان حكمت جابر لوحة من هذا النوع النادر الذي يمسك بتلابيب المشاهد ولا يتركه حتى يسأل نفسه - أنا أيضاً... إلى أي شجرة أستند؟

تقوم اللوحة على تكوين بالغ الذكاء والحساسية في آنٍ معاً، محوره الشاقولي الرئيسي جذع الشجرة الضخم المتوسط للعمل، ذلك العمود البني الراسخ الذي يشقّ اللوحة من أسفلها إلى أعلاها كعمود فقري يحمل ثقل المشهد كله، ويلتصق بهذا الجذع الإنسانُ الجالس، مُسنِداً ظهره إليه في هيئة تنضح بالإرهاق والاستسلام الذي هو ليس هزيمة، بل هو ذلك النوع من الاستسلام الحكيم حين يُدرك المرء أن السند الحقيقي لا يُبنى، بل يُوجَد.
التكوين يقوم على توازن غير متماثل مدروس؛ يساره تنفتح السماء الخضراء الداكنة المثقلة بالغيوم، ويمينه تمتد أغصان عارية من الأوراق تتشعب كأصابع تفتش في الهواء عما لا تجده، أما الأرضية السفلى فهي البرتقالي الأوكري المتعب، بسطت نفسها كمسرح للحدث الإنساني، صلبة قاسية لكنها صادقة كالحقيقة التي لا تُجامل، وقد وفّق الفنان توفيقاً بالغاً حين جعل رأس الشخصية مختفياً خلف جذع الشجرة، فهذا الاختفاء ليس إخفاءً تقنياً بل هو قرار دلالي عميق، وجه الإنسان هنا لا يهمّ، لأن هذا الإنسان ليس شخصاً بعينه، إنه كل واحد منا في لحظة انكساره وحاجته إلى الجذر والأصل.
تنبني منظومة الألوان في هذا العمل على ثنائية جوهرية بين عالمين لونيين يتصارعان ويتحاوران في آن، فالبني والأوكر والذهبي المحترق يسيطران على الثلث الأسفل والوسط وجذع الشجرة، وهي ألوان الأرض البكر، ألوان الطين الأول الذي منه خُلق الإنسان وإليه يعود، هذا الحضور الترابي الكثيف ليس مجرد خلفية بيئية، بل هو إعلان فلسفي بأن الإنسان في هذا العمل ابن أرض، لا يملك من هذا الكون إلا ما تمنحه إياه تلك الأرض الجرداء الكريمة في جفافها.

الأخضر الداكن المُغيَّم الذي يملأ الخلفية العليا هو أخضر ثقيل بالمعنى، ليس الأخضر الربيعي الواعد، بل هو ذلك الأخضر المزروع في ذاكرة الغابة القديمة، يحمل الحكمة والخطر معاً، لسان حاله يقول - الحياة هنا لكنها ليست سهلة - وهذا الأخضر يمنح الشجرةَ خلفيتها الطبيعية ويؤكد أن جذورها أعمق مما يظهر.
البني الدافئ للجذع هو قلب العمل اللوني، يحمل دفء الأم والملجأ والمكان الأول، وقد أحسن الفنان تشكيل هذا الجذع بتدرجات بارعة تُضفي عليه شخصية مستقلة، فهو ليس مجرد عنصر طبيعي بل هو الشخصية الثانية في اللوحة، الصامتة القوية الصبورة.
الأزرق الداكن لثوب الشخصية يأتي كنقطة لونية باردة وسط هذا الدفء الترابي، إشارة إلى ذلك البُعد الروحي والحنين الذي يسكن صدر هذا الجالس المُتعَب، كأن الأزرق هو ذاكرته في مواجهة واقعه الأوكري القاسي، والخيوط الذهبية المتدلية من ثوبه كالهُدب والخيوط المتطايرة تُوحي بأن هذا الإنسان نفسه بعض جذور هذه الشجرة، أو أن الشجرة امتدت فيه كما امتد هو فيها(انصهار الإنسان بقضيته) وحدود الفصل بينهما باتت ضبابية كحدود الهوية حين تمتزج بالمكان.
لا تحتاج لوحة "التجذّر" إلى كثير من الشرح لتبلغ المشاهد العربي في عمق جرحه، إذ تستدعي مباشرة ذلك السؤال المؤلم الذي لا يتوقف طرحه في زمن الاقتلاع والتهجير والمنافي، زمن التزييف والخداع، ما الجذر الذي يستند إليه المقتلَع من أرضه؟ ما الشجرة التي تُؤوي من لا مأوى له؟
الشخصية في اللوحة لم تنهزم، هي تستريح، وهذا الفارق الدقيق بين الهزيمة والاستراحة هو ما يجعل العمل إنسانياً بامتياز، يُقدّم الإنسان لا ضحيةً بل كائناً يلتقط أنفاسه ليعود، والشجرة بجذعها الضخم وأغصانها العارية تقول - أنا هنا، لم أرحل، تعال واستند.
تتردد في أرجاء هذا العمل أنفاس مقام "الصبا" بامتياز، ذلك المقام الذي يقع في منطقة الحزن الصادق، الحزن الذي لا يستجدي الدموع بل يدعوك إلى مصالحة ألمك والجلوس معه في هدوء، والصبا هو مقام الوجع الكريم الذي يرفض الانكسار وإن جلس على الأرض، ويتداخل مع الصبا في هذا العمل نفسٌ من مقام "الحجاز" في تلك الأغصان العارية المتشعبة يميناً، التي تصرخ بصمت نحو سماء لا تُجيب، كما يصرخ المقام الحجازي حين يبلغ ذروته في ليل الغربة الطويل.
"التجذّر" لحكمت جابر ليست مجرد لوحة فنية، إنها وثيقة إنسانية بالغة الصدق، رسم فيها الفنان ما لا تُحيط به الكلمات في مئة سطر، أن الإنسان حين يفقد كل شيء يبقى له شيء واحد، أن يجد شجرة يستند إليها، أرضاً يجلس عليها، جذراً يُذكّره بأنه كان هنا، وأنه لا يزال.
وهذا العمل في تقديري ينتمي إلى ذلك النوع النادر من الفن الذي يصنع ذاكرة لا تُمحى، لأنه صُنع بمادة أصعب من الزيت وأقسى من القماش "صُنع بالحقيقة".
دامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا...

