35

0

قراءة في قانون الإعدام.. تصعيد إسرائيلي يهدد آلاف الأسرى الفلسطينيين

 

بقلم :د. حسن العاصي - باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 في خطوة وُصفت بأنها من أخطر التحولات التشريعية في تاريخ إسرائيل، صادق الكنيست الإسرائيلي يوم 30 مارس 2026 على قانون غير مسبوق يقضي بفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48 معارضًا، ما أثار موجة واسعة من الإدانات الحقوقية والدولية. القرار يضع حياة أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني في خطر مباشر، ويُعتبر تصعيدًا خطيرًا في سياسات الاحتلال ضد الفلسطينيين.

اقتراح القانون تم تقديمه من قبل عضو الكنيست ليمور سون هارميلخ، بدعم مباشر من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. والمستفيد السياسي رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي دعم القانون علنًا، في سياق أزمة داخلية ومحاولة لتصديرها عبر التصعيد ضد الفلسطينيين.

هذا القرار لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي والأمني الذي يعيشه الكيان الإسرائيلي، حيث يتقاطع مع تصاعد نفوذ التيارات اليمينية المتطرفة، ومع محاولات الحكومة الإسرائيلية تصدير أزماتها الداخلية عبر تشديد القبضة على الفلسطينيين.

من الناحية الرقمية، نحن أمام واقع يضم أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، بينهم نحو 1,300 معتقل إداري محتجزون دون محاكمة، وأكثر من 500 أسير يقضون أحكامًا طويلة أو مؤبدة. التصويت داخل الكنيست جاء بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48 معارضًا، وهو ما يعكس انقسامًا داخليًا لكنه منح الشرعية القانونية لسياسة قد تُدخل المنطقة في مرحلة أكثر دموية.

القرار يطرح إشكاليات قانونية عميقة، إذ يُعتبر سابقة في تاريخ التشريع الإسرائيلي، حيث يتم توجيه عقوبة الإعدام بشكل حصري ضد فئة محددة، ما يثير اتهامات بالتمييز العنصري وانتهاك اتفاقيات جنيف التي تحظر الإعدام الجماعي أو العقوبات التمييزية. منظمات حقوقية دولية مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش حذرت من أن هذا القانون يمثل "إعدامًا خارج إطار العدالة"، ويقوض مبادئ المحاكمة العادلة.

على المستوى السياسي، يُقرأ القرار كأداة لتوحيد صفوف اليمين الإسرائيلي المتشدد، وتعزيز موقع الحكومة في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية داخلية. أما على المستوى الإقليمي، فإن انعكاساته قد تكون خطيرة، إذ يهدد باندلاع موجة احتجاجات واسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويمنح حركات المقاومة مبررًا إضافيًا لتصعيد المواجهة.

إننا أمام لحظة مفصلية، حيث يتحول القانون إلى أداة للصراع، ويصبح الأسرى الفلسطينيون ـ الذين يمثلون شريحة واسعة من المجتمع ـ في قلب معركة سياسية وقانونية وأخلاقية، قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

الخلفية التاريخية لعقوبة الإعدام في كيان الاحتلال الصهيونى

من الناحية التاريخية، يُعتبر موضوع عقوبة الإعدام في الكيان الصهيونى من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل، إذ ارتبط منذ تأسيس الدولة عام 1948 بمحددات سياسية وأمنية أكثر منه بمحددات قانونية أو جنائية. فعلى الرغم من أن التشريعات الإسرائيلية أبقت على عقوبة الإعدام في القانون الجنائي، إلا أن تطبيقها ظل محدودًا للغاية، وهو ما جعلها أقرب إلى "عقوبة معلقة" تستخدم في ظروف استثنائية.

أول تطبيق بارز: في عام 1962، نفذ الكيان الصهيونى حكم الإعدام بحق أدولف أيخمان، أحد كبار المسؤولين النازيين، بعد محاكمته بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال المحرقة. هذه كانت المرة الوحيدة التي نفذ فيها الاحتلال حكم الإعدام رسميًا، وأصبحت القضية مرجعًا تاريخيًا في النقاش حول العقوبة.

التشريع القائم: القانون الإسرائيلي ينص على إمكانية تطبيق الإعدام في حالات "الجرائم ضد الإنسانية" و"الخيانة العظمى"، لكنه لم يُستخدم ضد الأسرى الفلسطينيين رغم المطالب المتكررة من أوساط يمينية.

المحاولات السابقة: منذ الانتفاضة الثانية (2000–2005)، طرحت عدة مشاريع قوانين لإقرار الإعدام بحق منفذي العمليات الفلسطينية، لكنها كانت تُرفض أو تُجمّد بسبب المخاوف من تداعياتها الدولية والإنسانية.

التحولات السياسية: مع صعود التيارات اليمينية المتطرفة في العقد الأخير، خاصة بعد انتخابات 2022 و2024، عاد النقاش بقوة حول ضرورة "تغليظ العقوبات" ضد الفلسطينيين، وصولًا إلى مشروع القانون الأخير الذي صادق عليه الكنيست.

وفق تقارير حقوقية، هناك أكثر من 9500 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، بينهم نحو 1,300 معتقل إداري محتجزون دون محاكمة.

منذ عام 1948 وحتى اليوم، لم تينفذ الكيان الصهيونى أي حكم إعدام باستثناء قضية أيخمان، رغم وجود نصوص قانونية تسمح بذلك.

أكثر من 500 أسير فلسطيني يقضون أحكامًا طويلة أو مؤبدة، ما يجعلهم الفئة الأكثر عرضة لتطبيق القانون الجديد.

الخلفية التاريخية تكشف أن إسرائيل كانت تتجنب تطبيق عقوبة الإعدام بشكل مباشر، خشية الانتقادات الدولية، لكنها أبقت النص القانوني كأداة ضغط سياسية. الجديد في القرار الأخير أنه يحوّل العقوبة من نص قانوني شبه معطل إلى أداة سياسية ممنهجة تستهدف فئة محددة، وهو ما يُعتبر تحولًا جذريًا في فلسفة العقاب داخل المنظومة الإسرائيلية.

هذا التحول يعكس أيضًا توازن القوى داخل الكنيست، حيث أصبح اليمين المتطرف قادرًا على فرض أجندته التشريعية، حتى لو كانت على حساب التزامات الاحتلال الدولية. وبذلك، فإن عقوبة الإعدام لم تعد مجرد بند قانوني استثنائي، بل أصبحت جزءًا من إستراتيجية الردع والتصعيد ضد الفلسطينيين.

 

 

 

 

 

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services