28
0
كلمة رئيس الجمهورية في قمة المؤسسة الدولية للتنمية « 21 IDA »
من أجل تعبئة الموارد لإفريقيا

النص الكامل لكلمة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون خلال قمة المؤسسة الدولية للتنمية، بنيروبي (كينيا)، 29 أفريل 2024، والتي قرأها بالنيابة عنه، الوزير الأول نذير العرباوي.
بسم الله الرحمان الرحيم عليه نتوكل وبه نستعين
فخامة السيد ويليام روتو، رئيس جمهورية كينيا الشقيقة،
فخامة السيد محمد الشيخ الغزواني، رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية الشقيقة، والرئيس الحالي للاتحاد الافريقي،
أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة،
اسمحوا لي في البداية أن أعرب عن خالص شكري وامتناني لأخي فخامة السيد ويليام روتو، ومن خلاله إلى جمهورية كينيا الشقيقة، على دعوته الكريمة للمشاركة في هذا الاجتماع الهام. كما أغتنم هذه الفرصة لأشكر السيد أجاي بانغا، رئيس مجموعة البنك الدولي على دعمه الكبير والعناية التي ما فتئت توليها مجموعة البنك الدولي لدعم جهود التنمية في القارة الإفريقية.
تكتسي هذه القمة أهمية بالغة باعتبارها محطة أساسية ضمن الجهود الرامية إلى دعم أولويات وتطلعات المجموعة الافريقية خلال العملية الواحدة والعشرين لإعادة تأسيس موارد المؤسسة الدولية للتنمية «IDA-21 « ، كما تعد فرصة مواتية للتأكيد على التزامنا المشترك بدعم البلدان الأكثر هشاشة في مساعيها لتحفيز النمو الاقتصادي ومكافحة الفقر وتخفيف أوجه اللامساواة، ضمن منظور يرتكز على التنمية المستدامة ويضع الإنسان في صلب الأولويات التنموية الوطنية.
وتأتي عملية إعادة تأسيس الموارد «IDA-21 » في سياق عالمي محفوف بالمخاطر وعدم الاستقرار نتيجة توالي الصدمات الناجمة عن الاضطرابات الجيوسياسية وأزمة المناخ، علاوة على تداعيات جائحة كوفيد - 19 وما تبعها من تفاقم قياسي لمستويات الديون وارتفاع أسعار الفائدة وشح التمويل الذي أجبر العديد من البلدان الفقيرة على تقليص النفقات الضرورية بما فيها تلك الموجهة لقطاعات حيوية كالصحة والتعليم والبيئة، وهي كلها عوامل ساهمت في تعميق التفاوتات والهشاشة في البلدان الأشد فقرا وتقويض التقدم المحرز صوب تحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030.
وفي هذا الصدد ، تبرز الحاجة الملحة لتجند المجموعة الدولية من أجل المساهمة في الاستجابة للتحديات المعقدة التي تواجه البلدان الفقيرة ومعالجة الأسباب الجذرية التي تغذي النزاعات وعدم الاستقرار، لاسيما استفحال الفقر والتهميش وعدم المساواة، فلا يمكن بأي شكل من الأشكال المراهنة على تعزيز الأمن والسلام دون تحقيق النماء الاقتصادي والاجتماعي المستدام.
السيد الرئيس،
من هذا المنبر، تؤكد الجزائر مجددا على الدور المحوري الذي تضطلع به المؤسسة الدولية للتنمية في تلبية الاحتياجات التمويلية المتزايدة للبلدان الافريقية منخفضة الدخل من خلال آلية الاقراض الميسر والمنح والمساعدات لتخفيف أعباء الديون، كما تشيد بالاهتمام الذي تحظى به إفريقيا ضمن سياسات وبرامج المؤسسة من خلال تخصيصها لأكثر من 70 % من مجموع التزاماتها لمنطقة إفريقيا خلال العملية العشرين لإعادة تأسيس موارد المؤسسة.
وتتطلع الجزائر في هذا الصدد إلى أن تكون العملية الواحدة والعشرين لتعبئة موارد المؤسسة طموحة ونوعية بما يسهم في زيادة سقف الموارد الميسرة التي تحتاجها البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة لاسيما في إفريقيا، وأن تراعي هذه العملية الأولويات والاحتياجات الخاصة لهذه البلدان بما يسهم في بلوغ الأهداف المسطرة وتحقيق النتائج المرجوة. كما تجدد الجزائر دعمها لكل المبادرات والآليات التي من شأنها سد فجوة التمويل وزيادة حجم المساعدات الإنمائية وتحسين كفاءتها، وكذا تفعيل أدوات مناسبة للتخفيف من وطأة الديون بما يشمل إلغاء وإعادة هيكلة الديون وتعليق خدمات الدين، لاسيما لصالح البلدان الأقل نموا، وتحرير السياسات المتعلقة بالأمن الغذائي والصحي من المقاربات الاقتصادية البحتة، وبالأخص فيما يتعلق بالوصول إلى المواد الغذائية والأدوية، فضلا عن أهمية رصد الموارد الكفيلة بدعم جهود هذه الدول في مواجهة آثار التغيرات المناخية وتوفير الدعم التقني الضروري في هذا المجال.
ولعل من أبرز المجالات ذات الأولوية التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام، دعم التنمية البشرية وتعزيز الأمن الغذائي وتطوير مشاريع البنية التحتية والطاقة والرقمنة بالإضافة إلى تشجيع المقاولاتية والابتكار وتعزيز القدرة على الصمود والتكيف مع تغير المناخ، مع إيلاء عناية خاصة لدعم أشد الفئات هشاشة كالنساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة.
كما أن مساعينا المشتركة لدعم التنمية في إفريقيا تتطلب إيلاء العناية اللازمة لتجسيد المشاريع ذات البعد الاندماجي القاري وتنفيذ أجندة الاتحاد الإفريقي 2063 بالنظر لانعكاساتها الإيجابية على التنمية في القارة الإفريقية. وهو ما تعكف بلادي على تجسيده، لاسيما من خلال تصور اندماجي لمشاريعها الوطنية وفي جوارها المباشر، من خلال مشاريع الطريق وأنبوب الغاز والألياف البصرية العابرة للصحراء، التي من شأنها دفع عجلة التنمية وتوفير بنية تحتية مناسبة لتعزيز الاندماج الإقليمي وتمكين شعوب المنطقة من تعظيم الاستفادة من هذه الديناميكية القارية.
السيد الرئيس،
إننا وإذ نثمن عاليا مختلف المبادرات القارية التي ترمي إلى دعم التنمية في إفريقيا، يتعين في ذات الوقت إيلاء الأهمية للخطط التنموية الوطنية التي من شأنها أن تشكل رافدا رئيسيا لتوفير المناخ الملائم لنجاح هذه المبادرات الإقليمية.
ومن هذا المنطلق، باشرت الجزائر تنفيذ إصلاحات اقتصادية عميقة لبناء نموذج اقتصادي جديد قائم على تنويع الاقتصاد وخلق الثروات وتحرير روح المبادرة. وبفضل هذه الجهود، حققت الجزائر ارتفاعا ملموسا للناتج الداخلي الخام خلال السنتين الأخيرتين، بما مكن من تعزيز المكاسب الاجتماعية ودعم الاستثمار وتمويل تطوير البنية التحتية القاعدية.
وفي صلب هذه الإصلاحات، تم إصدار منظومة قانونية وتنظيمية جديدة للاستثمار، تتضمن العديد من المزايا والتحفيزات وتكرس الاستقرار القانوني والشفافية والمساواة بين المستثمر الأجنبي والوطني، مع استحداث وكالة جزائرية لترقية الاستثمار ، بآليات وإجراءات مرقمنة، وشباك وحيد مخصص للمشاريع الكبرى والاستثمارات الأجنبية. كما كرست هذه الإصلاحات نظاما جديدا لمنح العقار الاقتصادي الموجه لإنجاز مشاريع استثمارية، وفق مقاربة اقتصادية شفافة، فضلا عن مراجعة شاملة للقانون النقدي والمصرفي لضمان الاستجابة للتحديات الاقتصادية والمالية الحالية، وتنويع العروض التمويلية مع افتتاح وكالات للبنوك الجزائرية في الخارج ، لاسيما في إفريقيا.
وعلى الصعيد الاجتماعي، تعمل الحكومة باستمرار على تكريس الطابع الاجتماعي للدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية وتمكين المواطن من الوصول إلى خدمات نوعية في مجالات الصحة والضمان الاجتماعي والتربية والتعليم بكل مراحله. حيث تمت مراجعة وتثمين الأجر الوطني الأدنى المضمون ( SNMG ) ورواتب العاملين في القطاع الإداري العام ومعاشات التقاعد، وإعفاء ذوي الدخل المنخفض من الضريبة على الدخل الإجمالي، فضلا عن استحداث منحة البطالة لمرافقة طالبي العمل لأول مرة.
وقد سمحت هذه المقاربة المتوازنة بتجسيد عملية إصلاحية شاملة لتنويع الاقتصاد الوطني وخلق فرص كبيرة لدعم التنمية والاستثمار، بالموازاة مع تعزيز الدور الاجتماعي للدولة وتكريس العدالة الاجتماعية التي تضع المواطن في صلب السياسة التنموية، وهو ما جعل الجزائر تحتل مكانة رائدة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في قارتنا .
السيد الرئيس،
إن الجزائر بحكم انتمائها الإفريقي والتزامها التاريخي بروح التضامن والوحدة في قارتنا، ومن منطلق قناعتها الراسخة بترابطية الأمن والتنمية، ترافع باستمرار عن قضية التنمية في القارة الإفريقية، وتبذل جهودا حثيثة لتعزيز التعاون وتنسيق السياسات الوطنية وتعزيز قدرات البلدان الإفريقية الشقيقة في رفع تحدي التنمية، لاسيما عبر تجسيد مشاريع تنموية بعدة دول من الجوار المباشر، من خلال الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية، التي رصدت لها الحكومة الجزائرية مبلغ مليار دولار أمريكي.
وفي ذات السياق، تضم الجزائر جهودها لجهود باقي الشركاء من أجل العمل على تمكين البلدان الإفريقية من الحصول على التمويلات الضرورية لتحقيق أهدافها الإنمائية وتشجيع كل المبادرات الرامية إلى تحقيق التعافي الاقتصادي والنمو المستدام في قارتنا.
وفي ختام كلمتي، أود أن أعبر لكم مجددا عن دعم الجزائر لجهود مختلف الأطراف المشاركة في هذا الاجتماع من أجل إعطاء الزخم المرجو للعملية الواحدة والعشرين لتعبئة الموارد للمؤسسة المالية الدولية، بما يسمح بتوفير الإمكانيات المالية الضرورية وإدماج مجمل الأولويات الوطنية الإفريقية ضمن خطة عمل المؤسسة الدولية للتنمية والمضي قدما نحو مستقبل أكثر إنصافا واستدامة .
أشكركم على كرم الإصغاء
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

