44
0
كلمة عابرة عن تربية الأجيال .. الأولياء والإفراط في التنازل لمطالب الأبناء ؟

بقلم: مسعود قادري
لا يختلف أهل التربية قديما وحديثا، في أن منبع وأسس تربية الأجيال هو الأسرة قبل المحيط والمدرسة، وما يلي ذلك من مؤثرات خارجية في التربية وتكوين الشخصية ..
فالأم باعتبارها منبع الحنان والعطف والعطاء والسهر على حال وليدها في المراحلة الأولى، هي القدوة الرائدة والقائدة التي يترسخ كل سلوك لها من حركة، ابتسامة، فرح وغضب مع صبيها إلا ويأخذها بكل براءة ودون استفسار أو احتجاج في وقت لا يكون له قدرة التمييز وتقدير الحركات والمواقف، بل يسجلها كما هي فتترسخ في ذهنه ربما حتى سن البلوغ ليستطيع بعدها الفصل في بعض الأمور المميزة جنسيا فيتغير ميل الذكر قليلا في بعض التصرفات نحو القدوة الثانية التي هي الأب عكس البنت التي تكون ملتصقة بالوالد حتى فترة المراهقة لتنحرف قليلا نحو الأم ...
الوالد في نظر التربويين وأهل التجربة والاختصاص هو القدوة الحقيقية للابن الذي يتفانى في تقليد والده من خلال مراقبة حركاته وسكناته وتصرفاته داخل الأسرة وخارجها بما فيها العلاقة بين الولدين وتصرفهما مع الأبناء..
فالتربية الحقيقية التي يعتز بها الأولياء ويدعمها المحيط القريب قبل سن المدرسة، ثم المحيط التربوي التعليمي بعد ذلك كمكمل وصاقل لكل العمليات السابقة ، هي التي نشأت وترسخت في ذهن الطفل ضمن أسرته مع الوالدين، الإخوة ، الأعمام وبقية افراد العائلة الكبيرة ..
قواعد التربية السليمة
الطفل في سنواته الأولى قد يتخذ من محيطه القريب نموذجا في الحياة كاخوته الكبار ـ ذكورا وإناثا، أعمامه وعماته لأنهم نهلوا من نفس النبع التربوي فتكون العملية التربوية عن العائلة استمرارا عاديا للحياة لا يجد معه الآباء صعوبة كبيرة في سلوك الناشئين من الأبناء واتباعهم نفس النهج الذي سلكه السابقون من إخوتهم .. فالشجرة ذات المنبت الطيب لا تأتي فروعها مخالفة ولا ثمارها مختلفة..
التربية السليمة التي أوصانا بها رسول الهدى ونبي الرحمة محمد صل الله عليه وسلم ملخصة في الحديث النبوي القائل:" لاعبوا أبناءكم لسبع وأدبوهم لسبع وصاحبوهم لسبع.. أو كما جاء في الحديث ".. والأبناء يدخلون في مقدمة معنى الحديث النبوي العام الآخر: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..".
فالرعاية هي العناية الدقيقة بكل تفاصيل الحياة لكل ما هو واقع تحت مسؤولية الراعي وأولهم بالطبع الأبناء والأحفاد وبقية العباد قبل البهائم والأنعام ومخلوقات الله الأخرى.. !؟ . فالعاطفة الأبوية التي نلاحظها عند بعض الأولياء ـ المبالغ فيها ـ ليست لا رعاية ولا صحبة ولا تأديب ولا شيء آخر ! ...، بل تنازل مطلق لرغبات الطفل دون حساب عواقب ما يطلبه من الأب أو الأم فيجده حاضرا وعندما تنعكس نتائجه بالسلب على المعني وربما الأسرة كلها في حالة الخطر الشديد .. لا قدر الله ..؟
يقول الجميع.. «قدر الله وما شاء فعل ..؟ !" مع أن التحذير الإلهي سابق في قوله تعالى :" وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ( البقرة 195.." و " يأيها الذين آمنوا خذوا خذركم ..." النساء الآية 71..." أخذ الحذر في كل الأمور صغيرها وكبيرها بالطبع .. فلو التزم الأولياء بتوجيه الخالق تبارك وتعالى ونبيه الذي لا ينطق عن الهوى لنجوا من المهالك الظاهرة والباطنة، الآجلة والعاجلة....
قد يقول قائل من الذي جعلنا نتناول هذا الموضوع التربوي العميق الشائك والمعقد في هذا الوقت وما دوافعه وأهدافه..؟
والرد على التساؤل بكل بساطة ودون توجيه تربوي أو نفساني، سنعرضه في مجموعة من ممارسات الأولياء العاطفية السلبية مع أبنائهم وأحفادهم منذ الصغر وفي مختلف مراحل الحياة والبداية من داخل البيت..
الأسرة أساس كل تقويم
يذهب الكثير من أهل التربية السلوكية للأطفال إلى نبذ المبالغة في العاطفة التي لا تخدم حياة الأبناء، سواء من حيث توفير كل ما يطلبه من وسائل للعب والترفيه دون انتقائها ومعرفة كنهها والهدف التربوي من وضعها بين يدي الأطفال.. لكن التقاليد الغربية والشرقية التي نقلت لنا عن طريق احتكاكنا الدائم مع الغرب بكل وسائل الاتصال القديمة والحديثة الرسمية والشعبية انطلاقا من المنظومات التربوية المفروضة ووسائلها الهدامة التي تدس لنا في ما يرسل من برامج موجهة للأجيال الصاعدة تجعل مجتمعاتنا تميل إلى أخذ الجاهز بدعوى أنه مجرب مع أن المحيط غير المحيط والثقافة غير الثقافة والعقيدة كذلك !..
فالدمية التي تقدم لصغيرات أسرة إسلامية يتناقض مظهرها العام مع تعاليم تربيتنا، وكذلك بعض اللعب المقدمة لذكورنا من الأطفال فهي إما جامدة لا تقدم إضافة فكرية وعملية للطفل في تعامله معها ، أو قد تكون من النوع الذي يعلمه العنف والمغامرة وعدم احترام الآخر مهما كان قريبا أو بعيدا.. ! .
هذه اللعب ربما لم تشكل خطرا كبيرا على أطفالنا باعتبارها محصورة في فئة ميسورة قليلة وغير منتشرة في المحيط العام .. لكن المشكل الكبير غزانا مع انفتاح فضائنا الخارجي وانتشار الصحون المقعرة في شرفات وسقوف عماراتنا ومنازلنا لمعايشة الكوارث الحقيقية التي كانت تصب لنا صبا من الفضاء والكثير منا كان يفرح بها ويعتبرها طريقنا للالتحاق بركب المتقدمين أخلاقيا، إلى الوراء..طبعا .. ؟! .
فأول ما نقلت لنا الوسائل الجديدة عن طريق قنوات فرنسية وإيطالية، وراءها ملاك يهود هدفهم الأول والأخير هو تدمير الأسرة الإسلامية بزرع عوامل الانحلال بين شبابها واستغلال نقط الضعف عند الفئات النشيطة في المجتمع وجلبها لمتابعة أفلام الخلاعة وبرامج الفساد والاختلاط التي تقرب الانسان من البهائم وتبعده عن محيطه الفاضل الذي يضمن له الاستقرار والطمأنينة..
نفس القنوات الفضائية التي كانت متابعة من جمهور كبير، بما فيها بعض القنوات العربية التي تبث من الغرب بعد أن سلكت نفس النهج الذي تشقه قنواته في ضرب الأمة في الصميم ولكن بقليل من الحشمة والحذر ..
هذه القنوات، أعدت برامج وأفلام خصيصا للأطفال، دبلج الكثير منها للعربية مع بقاء المظاهر الخارجية التي تبقي الطفل المشاهد غارقا في التناقض بين الكلام والأسماء العربية والشعارات والسلوك المتنافي مع ما تلقاه في الأسرة والمحيط العام والتربوي..؟ ! ..
مع ذلك يتفاعل الكثيرمن أبنائنا مع هذه البرامج الخيالية العنيفة أحيانا والعاطفية أحيانا أخرى ويجتهد في تقليد أبطالها خاصة أبطال المغامرات والمنافسات الرياضية القتالية..
المشكل هنا عند الأسرة التي تختار لأبنائها القنوات يوميا، عربية أو غربية.. وتتركهم أمامها لساعات طويلة، دون الاطلاع على محتواها أو تحديد مواعيد معينة لمتابعة هذه البرامج حتى لا تؤثر بالسلب على الطفل في حياته الجسدية، البصر، السمع والتركيز. وقد لا تنتبه الأم بالخصوص إلى أطفالها إلا بعد أن تنهي اشغال البيت الطويلة والكثيرة وينام المشاهدون الصغار حالمين بما شاهدوه طوال اليوم ..؟. فأين دور الأسرة هنا ..؟
المصيبة الكبرى التي يحذر منها علماء النفس والتربية عموما بدعوتهم المتواصلة للأولياء بتوجيه الصبيان عامة وتحديد علاقاتهم اليومية بالهواتف الذكية وبرامج اللعب التي تقدمها هذه الوسائل فتلهي الطفل عن كل شيء في حياته حتى يهمل علاقاته مع أسرته ومحيطه التربوي وصلته حتى بأفراد العائلة والأتراب ورفاق الدراسة والحي، لقضائه كل وقته في متابعة البرامج الهاتفية أو الدخول في مغامرات ومسابقات خداعة قليلا ما يستفيد منها في حياته ..
لقد أثبتت الدراسات العلمية خطر هذه الوسائل على حياة الطفل فيزيولوجيا وعقليا وسلوكيا، لكن الكثير من الأولياء لا يعيرون لنتائج هذه الدراسات العملية أي اهتمام ، بل يتسابقون في اقتناء أجود وأغلى الهواتف الذكية لأبنائهم ويحفزونهم على التمكن من تقنياتها والتفوق في التعامل معها ـ لا فرق هنا بين الفقير والقناعة بمحدودية الإمكانيات وتربية أبنائه على القناعة والرضا بمستوى حياة الأسرة ـ حتى يفتح الله ـ يلجأ إلى الثقافة الشائعة في البلاد وهي دير كيما يدير جارك !..
النيف والخسارة دون حساب لعواقب الديون وما يلحق الأسرة منها ..؟ ، فالتقنية صارت في متناول الكل ـ إلا القلة القليلة جدا من محدودي الدخل والمعوزين الذين يتعذر عليه توفير هذه الوسائل لفلذات أكبادهم ـ حيث يعتبرها الميسورون وأهل الثراء طريقة جيدة لكسب عطف الصبيان وكسب ودهم .. ،هنا نلاحظ ، كيف يشتكي الجميع من غياب الرابط الأسري الحقيقي الذي ضاع في البيت حيث لا يلتقي أفراد أي أسرة ـ صغيرة أو كبيرة ـ في المنزل إلا وقد انشغل كل منهم بهاتفه وترك البقية دون حوار وقد يفترق الجمع ولا يسمع كلاما من أحد لأحد حتى ولو كان تحية من الولد لوالديه وهو يغادر للنوم أو للخارج ..
أين هذا من سهرات العائلة قديما واجتماعها حول المائدة وحول الوالدين للاستفادة من القصص الهادفة للأم أو الجدة أو الوالد..؟
هذه صور من النمط التربوي السائد في المجتمع والذي وضع الحياة الأسرية التي كانت مقدسة في خبر كان ، حتى فقدت العلاقة الأسرية دفئها وحنيتها وجمدت جمود الوسائل المحمولة التي تتعامل معها أجيال الأسرة دون فرق في العمر والجنس .. هنا تساءل أين التربية الحقيقة في مثل الحلات التي ذكرت .. والأكثر من هذا كله ما نراه يوميا في محيطنا العام من تسيب وترك الحبل على الغارب للطفل ليتلاعب بحياته وعواطف غيره في الشارع كما يدور في خاطره دون حساب للعاقبة ..؟ .
* ـ عندما تلتقي الأسرة حول فيلم غربي في التلفزة تشاهد لقطات كانت تفرق العائلة أو يوقف فيها البث في السنوات القريبة ، لكن الفقدان التدريجي للحياء بعد أن تنازل الوالدان عن سلطتهم والمبرمجون عن دورهم ، فصارت مشاهدة كل ما يقدم في التلفزة سواء كان لائقا أو غير ذلك مقبول ، بل قد يثير الضحك والفرح لأن السرة أصبت تصنف نفسها بالتنازل عن الحياة ضمن الأسر المتقدة ولم تبق من الأسر الرجعية كما يحلو للملحدين الشيوعيين تسمية كل من التزم بالقيم والعقيدة ..؟. فكيف نحافظ على الاحترام الأسري ولما ذا نتساءل عن ضياع الحياء بين الكبار والصغار ..
*ـ عندما تمتطي الأسرة سيارتها ويضع الوالد أصغر صبيته أمام المقود وزوجته الكريمة جالسة بجانبه تتفلسف أوتزين ! بينما بقية الأطفال في الخلف يفتحون النوافذ ويخرجون نصف أجسادهم خارج أبواب السيارة ، دون مراعاة السيد السائق لقواعد المرور ولا إدراك الزوجين لمخاطر الطريق وما قد ينجر ترك فلذات الكبد لما لا تحمد عقباه وهما يعلمان أن مثل هذه الأوضاع كانت سببا في هلاك عائلات بأكملها نتيجة هذه التصرفات السلبية التي لا تحترم القانون ولا قواعد الأخلاق العامة.. فأين التربية هنا ..؟
*ـ عندما تعيش يوميا المناورات الخطيرة للأطفال بدراجات نارية لا تعرف حدودا للسرعة ولا ترتبط بقوانين المرور . وسائقوها مراهقون لا يبالون بالمخاطر التي يسببونها لأنسهم ولغيرهم..؟ . وعندما ترى أطفالا من الجنسين أعمار بعضهم لا تتعدي العشر سنوات، يناورن في أكثر الشوارع ضيقا وازدحاما بحركة المرور بدراجاتهم الهوائية العادية أو بـ " التروتينات الكهربائية " التي غزت المحيط وأصبح الأولياء يفتخرون باقتنائها لأبنائهم دون حساب لخطرها على حياتهم ودراستهم و ... فهل هذا أيضا له علاقة من بالتربية وهل هذا حب وعاطفة ..؟ لكن يقال" أن من الحب ما قتل.. " ولو ان القول لا ينطبق على هذه الوقائع إلى أنه يدخل في نفس السياق ولو من باب ا لعظة والعبرة.. فالمبالغة في تحقيق مطالب الطفل دون حساب لمخارجها من باب الحب القاتل ..؟ !.
*ـ حتى بيوت الله ، لم تنج من تصرفات لا علاقة لها بالتربية ولا بالدين ، فالكثير من الآباء يحضرون صبيانا صغارا غير مميزين ويتركونهم يجوبون المسجد ويحدثون الفوضى مؤثرين بذلك على تركيز المصلين وخشوعهم وأولهم الوالد الذي يقضي وقت صلاته يجذب الصبي يمينا ويسارا ويحاول تثبيته ، لكن الطفل بطبيعة ميالا للاكتشاف وحب الاطلاع وكثرة الحركة .. وبالطبع لا أحد من المصلين وحتى الأئمة يستطيع النهي عن هذه التصرفات لأنهم سيقابلون بإجابات ومقارنات لا يمكن إقناع أصحابها بالعكس..؟ .. فكل ولي يبرر موقفه بأنه يريد تعليم الصبي التمسك بالمسجد والصلاة مقارنة بالمصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان يحضر معه سبطيه الشريفين " الحسن والحسين " وأميمة بنت زينب بنت الرسول الكريم ..
لا أحكم على أحد هنا ، لكن أترك الأمر لمن لهم الاطلاع بالشؤون الدينية أكثر مني ، ليقولوا ،هل تقبل مثل هذه المقارنات خاصة والصبيان المقصودين هنا، من الذين لم يبلغوا سن التمييز والإدراك .. أما الأكبر منهم فلا حديث عنهم إلا ما يخص الفتيات اللواتي يحضرن مع آبائهن ويصلين بين الصفوف ،مع أن الفتاة تقطع صف الصلاة بين الرجال لاختلافها مع جنس الرجال وصلاتها في صفوف النساء وخلف الرجال خير لها والله أعلم ..
*ـ من المستحبات الشرعية والتربوية أن الأطفال الصغار لايتؤكون خارج المنزل بعد المغرب خوفا عليها وحفاظا على سلامتهم ، كما أم من الرعاية الجيدة للذفل خاصة سن المراهقة مراقبته في سيره وصحبته وعدم تركه في الشارع لساعات متأخرة من الليل دون معرفة المحيط الذي يتردد عليه وطبيعة المتواجدين فيه ، مع أن الجميع يفهم أن الصاحب ساحب !..أين مسؤولية الأبوين هنا وأين محبتهم وعاطفتهم الجياشة نحو أfنائهم ..؟
*ـ أخيرا.. الأحداث والحوادث والوقائع التي نعيشها يوميا في بلدنا وفي غيرها من كوارث حركة المرور وما تلحقه من أضراء بالأفراد والعائلات والمجتمعات وحتى هيئات الدول التي تتحمل المخاطر المالية في التعويض للمتضررين وأسرهم . من هذه الأحداث، التي تتكرر في العالم وفي القليل من الدول التي لا يراعى فيها قانون السير بالدرجة الأولى، فهناك ظاهرة لا تسجل إلا في بلدنا وبعض البلدان التي لا تفوقنا كثيرا في السلوكات الغريبة .. فليس هناك أغرب من قطع الطريق العام خلال محافل الأفراح " الكورتيجات " ونقل العرسان ، حيث تتوقف الحركة إجباريا بسبب عبث العابثين وتهور المتهورين المبالغين في المناورات والتجاوزات التي حولت في العديد من الحالات ـ عندنا وعند غيرنا ـ، الأفراح إلى مآتم كبرى لكن لا أحد يتعظ أو يأخذ العبرة من نتائج هذه التصرفات التي لم تجد من يوقفها عند حدها فيدفع المواطنون ثمنها.. !؟.سؤالي الأخير من وراء كل ماقلته من كثير لم نتناوله اختصارا .. فأين التربية من كل هذه التصرفات وأين الوازع الديني الذي يفتخر به الجزائري والذي يقدس روح الانسان المسلم بالخصوص ويحميها من كل المخاطر، حتى من مجرد التهديد بآلة حادة ... وبالله التوفيق

