214
0
حین یصبح الصبر مقاومة... دور عائلات الأسرى الفلسطینیین في إبقاء القضیة حیّة

بقلم :ثامر سباعنه
مركز كن بلسما للتدریب والأبحاث - فلسطین
في قلب المعاناة الفلسطینیة، تقف عائلات الأسرى كأحد أعمدة الصمود الأكثر حضوراً وتأثیرا.ً فھؤلاء لا یعیشون فقط ألم الفقد المؤقت لأبنائھم، بل یحملون على عاتقھم مسؤولیة إنسانیة ووطنیة تتمثل في إبقاء قضیة الأسرى حیّة في الوعي الجمعي، محلیاً وعالمیا.ً إنھم لا یمثلون مجرد عائلات منكوبة، بل جبھة نضال موازیة، تقاوم النسیان، وتفضح الانتھاكات، وتُذكّر العالم بأن خلف كل رقم أسیراً لھ حكایة، وبیت، وأم تنتظر.
لقد تحوّلت عائلات الأسرى عبر السنوات إلى صوت لا یمكن تجاھلھ، حیث لعبت دوراً محوریاً في تنظیم الفعالیات، والاعتصامات، والوقفات التضامنیة، والمشاركة في الحملات الإعلامیة. ھذا الحضور المستمر أسھم في تثبیت قضیة الأسرى كقضیة مركزیة في النضال الفلسطیني، ومنع تھمیشھا في ظل تعدد القضایا وتشعبھا. كما أن روایة العائلات لتجاربھا ومعاناتھا أضفت بُعداً إنسانیاً عمیقاً على القضیة، جعلھا أكثر قرباً وتأثیراً في الرأي العام.
أما بعد السابع من أكتوبر ،2023 فقد دخلت قضیة الأسرى مرحلة أكثر تعقیداً وخطورة. فقد استغلت حكومة الاحتلال الأوضاع السیاسیة والأمنیة لفرض إجراءات غیر مسبوقة بحق الأسرى الفلسطینیین داخل السجون. تم تشدید القیود بشكل كبیر، وتدھورت الظروف المعیشیة، وبرزت سیاسات عقابیة جماعیة تمثلت في تقلیص الزیارات، ومنع التواصل مع العالم الخارجي، بل وانقطاع
الاتصال الكامل في بعض الفترات، مما جعل عائلات الأسرى تعیش حالة من القلق المستمر والغموض حول مصیر أبنائھا.
إلى جانب ذلك، سعت حكومة الاحتلال إلى تمریر قوانین وإجراءات جدیدة تستھدف الأسرى بشكل مباشر، مستغلة حالة الانشغال الدولي.
ھذه السیاسات لم تقتصر على التضییق داخل السجون، بل امتدت إلى محاولات شرعنة انتھاكات تمس حقوق الأسرى الأساسیة، في مخالفة واضحة للقانون الدولي الإنساني. كل ذلك زاد من حجم المسؤولیة الملقاة على عاتق عائلات الأسرى، التي
وجدت نفسھا أمام معركة جدیدة: معركة كسر العزلة وإعادة تسلیط الضوء على ما یجري خلف القضبان.
وفي ظل ھذه التحدیات، یمكن لعائلات الأسرى أن تلعب أدواراً عملیة ومؤثرة في تفعیل القضیة، من أبرزھا:
• تعزیز الحضور الإعلامي: من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنقل معاناة الأسرى بشكل مستمر، ونشر قصص إنسانیة مؤثرة توصل صوتھم للعالم.
• تنظیم الفعالیات الشعبیة: كالوقفات الأسبوعیة، والمسیرات، والأنشطة التضامنیة التي تُبقي القضیة حاضرة في الشارع.
• بناء شراكات مع مؤسسات حقوقیة: محلیة ودولیة، لتوثیق الانتھاكات ورفعھا إلى الجھات المختصة.
• التواصل مع الإعلام الدولي: لإیصال الروایة الفلسطینیة بلغات مختلفة، وكسر احتكار السردیة الأخرى.
• تفعیل الدور التعلیمي والتوعوي: عبر المدارس والجامعات، لربط الأجیال الجدیدة بقضیة الأسرى وتعزیز الوعي بھا.
إن عائلات الأسرى لیست مجرد متلقیة للألم، بل صانعة للأمل، وقادرة على تحویل معاناتھا إلى قوة دافعة نحو التغییر. فحین تصرّ الأم على رفع صورة ابنھا في كل ساحة، وحین یواصل الأب طرق كل باب، فإنھم لا یطالبون فقط بحریة أحبّتھم، بل یكتبون فصلاً جدیداً من فصول الصمود الفلسطیني.
وفي زمنٍ تتكاثر فیھ التحدیات، تبقى ھذه العائلات خط الدفاع الأول عن إنسانیة الأسرى، وحلقة الوصل التي تمنع قضیتھم من الغیاب، لتبقى حاضرة في الضمیر... حتى الحریة.

