12

0

حين يصبح القيد وطنا مؤقتا: الأسرى الفلسطينيون ومعركة الصمود التي لا يراها العالم

بواسطة: بركة نيوز

 

بقلم : د. رائد ناجي‎ - الجزائر

 

في الزنازين الضيقة، لا يعيش الأسرى الفلسطينيون مجرد عقوبةٍ قانونية كما تحاول آلة الاحتلال أن تصوّرها للعالم، بل يعيشون معركة وجود كاملة؛ معركة يخوضها الجسد ضد الإهمال، والعقل ضد العزلة، والروح ضد محاولات الكسر اليومية.

 

 

 

هناك، خلف الأبواب الحديدية الثقيلة، لا يكون السجن مكانا فقط، بل يتحول إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل الإنسان الفلسطيني، وانتزاع إرادته، وتجفيف ذاكرته الوطنية، وتحويله من صاحب قضية إلى رقم في ملف أمني بارد.

 

غير أن المفارقة الكبرى، أن السجن الذي أراده الاحتلال قبرا للمعنى، تحوّل مع الزمن إلى مدرسة للصمود، وإلى مساحة يعيد فيها الفلسطيني اكتشاف نفسه، وكتابة وعيه، وصناعة يقينه بأن الحرية ليست حالة جغرافية فقط، بل حالة داخلية أيضا.

إن التحدي الأكبر الذي يواجهه الأسرى اليوم، لم يعد مقتصرا على القيد المادي وحده، بل أصبح يتمثل في الحرب النفسية المركبة التي تستهدف الإنسان من الداخل. فالاحتلال يدرك جيدا أن الجسد يمكن تقييده بالسلاسل، لكن الوعي الحر أخطر من كل البنادق. ولذلك، تتجه سياسات السجون الحديثة نحو إنهاك الأسير نفسيا، عبر العزل الطويل، والحرمان من الزيارة، والتجويع، والإهمال الطبي، والتضييق على التعليم، ومصادرة أبسط تفاصيل الحياة الإنسانية.

الأسير الفلسطيني لا يواجه سجانا واحدا، بل يواجه منظومة كاملة صممت بعناية لتقول له كل يوم: "أنت وحدك". وهنا تحديدا تبدأ معركة الصمود الحقيقية؛ لأن أخطر ما يمكن أن يتسلل إلى الإنسان داخل العتمة، ليس الخوف، بل الشعور بالنسيان.

ولهذا، يصبح التمسك بالتفاصيل الصغيرة شكلا من أشكال المقاومة. فحين يقتسم الأسرى الخبز القليل، أو يهرّبون كتابا، أو يتبادلون القصائد، أو يحفظون أسماء الشهداء، فهم لا يمارسون عادات يومية عابرة، بل يحمون ذاكرتهم الجمعية من الانهيار. إنهم يدافعون عن إنسانيتهم في وجه مشروع يريد تحويلهم إلى كائنات معزولة فاقدة للمعنى.

ومن أعقد التحديات التي تواجه الأسرى أيضا، تلك المتعلقة بالزمن. فالسجن لا يسرق الحرية فقط، بل يسرق العمر نفسه. سنوات طويلة تمر خلف القضبان بينما العالم في الخارج يتغير بسرعة مخيفة؛ أطفال يكبرون، وأمهات يهرمن، ومدن تتبدل، وأصدقاء يغيبون. الأسير يعيش قسوة الزمن المضاعف؛ فهو يرى الوقت بطيئا داخل الزنزانة، وسريعا حين يفكر بمن يحبهم خارجها.

ولعل أكثر المشاهد قسوة، حين يتحول اللقاء بين الأسير وذويه إلى زيارة عبر الزجاج، أو إلى صوت متقطع في هاتف مراقب، أو إلى حرمان كامل من الزيارة لسنوات. هنا لا يصبح العقاب موجها للأسير وحده، بل للعائلة بأكملها. فالاحتلال يدرك أن تفكيك الروابط العاطفية جزء من استراتيجية الإخضاع الطويلة.

ومع ذلك، يواصل الأسرى صناعة أشكال مدهشة من الحياة داخل الموت البطيء. فمن بين الجدران خرج شعراء، وروائيون، ومفكرون، وقادة رأي. وكأن الفلسطيني، كلما ضاق عليه المكان، اتسعت داخله اللغة أكثر. لقد أثبتت تجربة الأسرى أن الإنسان قد يخسر حريته الجسدية، لكنه يستطيع أن يحافظ على حريته المعنوية إذا امتلك قضية يؤمن بها.

إن معركة الأسرى ليست معركة أفراد مع السجان فقط، بل هي مرآة للصراع بأكمله. ففي كل أسير حكاية وطن يحاول الاحتلال إخضاعه، وفي كل زنزانة صورة مصغرة عن فلسطين المحاصرة. ولهذا، فإن صمود الأسرى لا يمثل بطولة شخصية فحسب، بل يمثل بقاء الرواية الفلسطينية نفسها في مواجهة محاولات الطمس والتشويه.

لكن المؤلم حقا، أن العالم الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان، كثيرا ما يقف عاجزا أو صامتا أمام ما يتعرض له الأسرى من انتهاكات. وكأن الإنسانية تصبح انتقائية حين يتعلق الأمر بالفلسطيني. هذا الصمت الدولي لا يضاعف معاناة الأسرى فقط، بل يمنح الاحتلال شعورا دائما بالإفلات من العقاب.

ورغم كل ذلك، يبقى الأسرى أكثر الفئات الفلسطينية قدرة على إنتاج الأمل. إنهم يعرفون أن السجان يملك المفاتيح، لكنه لا يملك المعنى. ويعرفون أن الزنزانة مهما ضاقت، لا تستطيع احتجاز الفكرة. ولهذا، تتحول معركة الصمود داخل السجون إلى معركة وعي وإرادة، لا مجرد معركة بقاء.

وفي النهاية، فإن الأسرى الفلسطينيين لا يواجهون السجن وحده، بل يواجهون محاولة مستمرة لكسر الإنسان الفلسطيني من الداخل. غير أن التجربة أثبتت، مرة بعد أخرى، أن هذا الشعب الذي استطاع تحويل الألم إلى ذاكرة، والقيد إلى قضية، والعتمة إلى أغنية مقاومة، قادر أيضا على أن يجعل من الصمود شكلا آخر من أشكال الانتصار.

فبعض المعارك لا تقاس بمن خرج منها حرا فقط، بل بمن بقي فيها إنسانا رغم كل شيء.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services