46

0

حين يُغتال الرمز.. بين سُقوط الخطاب وسقوط الأخلاق

بقلم: سامي إبراهيم فودة

ليست كل إساءةٍ تستحق الرد… لكن حين تصل الوقاحة حدّ اغتيال التاريخ، وحين يتحول الجهل إلى منبر، والتشويه إلى “رأي”، يصبح الصمت تواطؤًا لا يليق بشعبٍ قدّم قادته شهداء على درب الحرية.

ما كُتب بحق الشهيد القائد ياسر عرفات ليس نقدًا سياسيًا، ولا قراءة تاريخية، ولا حتى اختلافًا في الرأي… بل هو انحدار أخلاقي، وافتراء رخيص، ومحاولة مكشوفة لضرب الوعي الوطني الفلسطيني من داخله.

أيّ حديثٍ هذا الذي يُلقى جزافًا دون دليل؟ وأيّ جرأةٍ تلك التي تجعل من الاتهام بديلاً عن الحقيقة؟ من أراد أن يتهم، فليأتِ بحجته، بوثيقته، ببرهانه…

لا أن يتحول إلى بوقٍ ناعق يلوك الشائعات، ويعيد إنتاج رواياتٍ مشبوهة تخدم – بوعيٍ أو بدونه – رواية العدو.

إنّ التاريخ لا يُكتب بمنشورٍ عابر، ولا يُمحى بكلماتٍ مسمومة.

والقادة الكبار لا تُقاس مكانتهم بما يقوله صغار الحقد، بل بما تركوه من أثرٍ في وجدان الشعوب.

ياسر عرفات لم يكن رجلًا عابرًا في تاريخ فلسطين، بل كان مرحلةً كاملة، عنوانها: الهوية الوطنية، القرار المستقل، والثبات على الثوابت رغم كل العواصف.

اختلف معه من اختلف، وانتقده من انتقد… لكن لم يجرؤ الشرفاء يومًا على تخوينه أو النيل من تاريخه بهذه الطريقة السوقية.

أما تلك الادعاءات التي تُرمى هنا وهناك – عن تصفية هذا أو ذاك، أو علاقاتٍ مفبركة، أو قصصٍ بلا أصل – فهي ليست إلا إعادة تدوير لخطابٍ مريض، هدفه واضح: تشويه الرمز، لإسقاط المعنى.

وإسقاط المعنى، لضرب القضية.

حين يُسأل أحدهم: “من قتل فلان؟ ومن صفّى علّان؟” فالجواب ليس منشورًا فيسبوكيًا، ولا تحليلاً انفعاليًا… بل ملفات معقّدة، وتشابكات أمنية، وصراعات إقليمية، يعرفها من يحترم عقله قبل أن يحترم تاريخه.

أما أن تُختزل كل هذه التعقيدات في “عرفات فعل” و“عرفات قتل”، دون دليلٍ واحد… فهذه ليست شجاعة، بل جهلٌ مغطى بالصوت العالي.

إنّ أخطر ما في هذا الخطاب، أنه لا يهاجم شخصًا، بل يضرب الذاكرة الوطنية، ويحاول إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني بطريقة تخدم أعداءه.

فحين يُصبح الرمز خائنًا، والقائد قاتلًا، والتاريخ كذبة… فما الذي يتبقى لنا كشعب؟! إلى كل من يكتب، ويعلّق، ويُصفّق لهذا الانحدار: احترموا عقول الناس، أو على الأقل احترموا دماء الشهداء.

فالحرية التي ناضل من أجلها هذا الشعب، لم تكن يومًا مساحةً للشتيمة، ولا منصةً لتصفية الحسابات الرخيصة.

وختامًا… سيبقى ياسر عرفات حاضرًا في وجدان شعبه، بكوفيته، بثورته، بعناده، وبوصيته التي لم تمت: “يريدونني أسيرًا أو طريدًا أو قتيلًا… وأقول لهم: شهيدًا شهيدًا شهيدًا.” أما أولئك الذين يقتاتون على التشويه، فلن يتركوا في التاريخ أثرًا… سوى أنهم مرّوا من هنا، وتركوا ضجيجًا بلا قيمة.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services