106
0
حين تتحول اللغة إلى ذاكرة حيّة: قراءة في كتاب "شيء يذكرني بي"

بقلم : د. أحمد رفيق عوض
كان لي الشرف أن أكتب أول مقال عن أول ديوان للشاعر عبد السلام العطاري، كنت شاهدًا على ميلاد صوته الشعري الأول، على تلك اللحظة التي يكون فيها القلب ممتلئًا بكل الألق، وكل الطموح، وكل الرغبة في اقتحام العالم بالكلمات، كان ديوانًا يشبه البدايات: طازجًا، جريئًا، ومشحونًا بحلم تغيير العالم، أو على الأقل إعادة تسميته.
اليوم، وبعد سنوات، أعود لأقرأ كتابه الجديد شيء يذكرني بي، فأشعر أنني لا أقرأ امتدادًا فحسب، بل تحوّلًا حقيقيًا. هذا الكتاب ليس ديوان شعر بالمعنى التقليدي، وليس رواية أيضًا، بل هو نص هجين، مساحة مفتوحة تتنفس فيها اللغة بحرية، وتتحول إلى كائن حي يسير بين الذكريات ويعيد ترتيبها بحساسية شاعر يدرك تمامًا ما يفعل.
هذا النص مليء بكل شيء: بالمحبة، والحنين، والمغامرة، واستعادة البدايات الأولى. تلك البدايات التي لا تعود كما كانت، لكنها تبقى في داخلنا كوميض دائم. نقرأ فيه الشجرة الأولى، والعصفور الأول، والحب الأول، والمرأة الأولى، والساحة الأولى… وكأن الشاعر يحاول إعادة بناء العالم من جديد، ولكن هذه المرة من الداخل، من الذاكرة.
وعلى قدر الحنين يتفجر الكلام، وعلى قدر العذوبة تصبح اللغة أكثر رهافة. هنا لا نقرأ لغة تصف، بل لغة تعيش. اللغة في هذا الكتاب ليست وسيلة فحسب، بل غاية بحد ذاتها. إنها الجسر الحقيقي نحو استعادة التجربة الأولى، والرشفة الأولى، والدهشة الأولى. وكأن الشاعر يقول: ما فقدناه في الواقع يمكن أن نستعيده في اللغة.
وهذا الطرح، وإن لم يكن جديدًا بالكامل، إلا أنه يتخذ هنا شكلًا مختلفًا. فاللغة تتحول إلى معادل موضوعي للحياة، لكنها لا تكتفي بتقليدها، بل تعيد خلقها. تحمل قوتها، ومفاجآتها، وعاطفتها، وحتى ارتباكها. إنها ليست نسخة من العالم، بل عالم موازٍ، وربما أكثر صدقًا.

في أحد مقاطع الكتاب، وتحديدًا في الصفحة 63، تحت عنوان “إذا انتصرنا”، يقول الشاعر:
"وإذا انتصرنا
وجاء الليل
ونسينا النوافذ مشرّعة
وانتهينا من الأخبار العاجلة
وحلمنا بقوت يومنا
وزرعنا أرضنا
وصار لكل حي في الأرض سنبلة
والحدائق للفراشات
وجلسنا معًا
ونظرنا في عيونهم
وصارت الدهشة في عينيه
وقلنا هذا الطفل: كان هنا
ما أجمله
وختمنا الدرس
وحُلّت المسألة
إذا انتصرنا"
هذا المقطع وحده يكشف عن روح الكتاب. فالحلم هنا ليس سياسيًا فحسب، ولا شخصيًا فقط، بل هو حلم إنساني بامتياز؛ حلم ببساطة الحياة، وبكرامة العيش، وبعودة الدهشة إلى عيون الأطفال. وكأن الشاعر يعيد تعريف النصر: ليس بوصفه حدثًا صاخبًا، بل حالة من السكينة، وقدرة على الجلوس معًا دون خوف، وعلى النظر في العيون دون حواجز.
إنني، بصراحة، مندهش من هذا الكتاب؛ مندهش من قدرته على أن يكون بسيطًا وعميقًا في آن واحد. ومن هذا التحول الذي شهده مشروع عبد السلام، من شاعر يكتب قصيدة النثر، إلى كاتب يجعل النثر ذاته يتحول إلى شعر. وهذا ليس أمرًا يسيرًا، بل يتطلب حساسية عالية وتجربة ناضجة تعرف كيف توازن بين اللغة والمعنى.
ما ينجزه عبد السلام هنا هو نوع من الفتوحات داخل النص؛ فهو لا يكتفي بكتابة الشعر، بل يعيد تعريفه، ويوسّع حدوده، ويدخله إلى مناطق جديدة. النص لديه لا يتقيد بشكل ثابت، بل يتشكل بحسب الحاجة، وهذا ما يجعل القراءة تجربة حيّة ومفتوحة على الاحتمال.
في النهاية، أستطيع القول إنني لم أقرأ كتابًا فحسب، بل عشت تجربة كاملة؛ تجربة يختلط فيها الحنين بالضوء، ويجاور فيها الحزنُ الجمالَ بهدوء، وأستطيع أن أقول لصديقي عبد السلام: بقدر ما كنت مدهشًا في بداياتك، فإنك اليوم أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على التقاط تفاصيل الحياة الصغيرة، وتحويلها إلى نص يستحق أن يُقرأ.
كل المحبة وكل التقدير للشاعر عبد السلام العطاري.

