50

0

هل تعكس صفقة "أوغوستا" بين سوناطراك وسوكار مراجحة استراتيجية أم قفزة نحو الإحترافية التجارية؟

 

ضياء الدين سعداوي 

 

في الأسابيع الأخيرة، أثار إعلان شركة سوناطراك عن شراء نفط خام من أذربيجان لتغذية مصفاة "أوغوستا" في إيطاليا، بينما تواصل تصدير خام "صحاري بلاند" إلى أسواق أخرى، جدلاً واسعاً في الأوساط الإقتصادية والإعلامية المحلية. كثيرون استغربوا الخطوة متسائلين: كيف لدولة نفطية كالجزائر أن تستورد النفط؟ لكن القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن هذه الصفقة ليست مؤشراً على عجز إنتاجي، بل تمثل تطبيقاً عملياً لنظرية "المراجحة السعرية" (Price Arbitrage) التي تعتمد عليها كبريات شركات النفط العالمية لتعزيز هوامش أرباحها.

 

المراجحة السعرية، في سياق تجارة النفط، تعني شراء سلعة من سوق يكون سعرها فيها أقل، واستخدامها في سوق آخر حيث العائد على تحويلها إلى منتجات مكررة (بنزين، ديزل (مازوت)، كيروسين) أعلى من العائد المتحقق باستخدام السلعة المحلية. في حالة سوناطراك، فإن خام "صحاري بلاند" يمتاز بجودة عالية ومكونات كيميائية (نسبة منخفضة من الكبريت ووزن جزيئي متوسط) تجعله مرغوباً في أسواق التكرير الآسيوية والشمال أوروبية بسعر يتقارب مع خام برنت القياسي. أما خام "بي تي سي" الأذربيجاني، فهو أخف وزناً (API Gravity أعلى) ويتوفر بكميات كبيرة عبر خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان، وغالباً ما يطرح بخصم سعري بسيط مقارنة بخام برنت بسبب وفرة العروض الأذربيجانية في حوض المتوسط. هذا الفارق، حتى لو كان دولارين أو ثلاثة للبرميل الواحد، يتحول عند ضربه بحجم تغذية يصل إلى 150 ألف برميل يومياً إلى مكسب شهري يقدر بعشرة ملايين دولار أو أكثر.

 

من زاوية اقتصادية أعمق، تكمن عبقرية الصفقة في أنها تحول مصفاة "أوغوستا" من مجرد منشأة تكرير تابعة إلى منصة تداول إقليمية. فالمصفاة، التي استحوذت عليها سوناطراك عام 2018 بعد صراع قضائي طويل، كانت تستهلك سابقاً النفط الجزائري حصراً، مما كان يعني خسارة فرصة بيع ذلك النفط في السوق الفورية (Spot Market) بأسعار مرتفعة. أما اليوم، ومع دخول النفط الأذربيجاني كمادة خام بديلة، أصبح بإمكان سوناطراك أن تقوم بعملية مقايضة غير مباشرة: تبيع خامها الأغلى ثمناً في الخارج، وتشتري خاماً أرخص نسبياً لتشغيل مصفاتها الأوروبية، وتحتفظ بمنتجات التكرير (الغازوال والبنزين) لتغطية الاستهلاك المحلي أو تصديرها بأسعار المنتجات النهائية التي تضم هامش تكرير (Cracking Margin) أعلى بكثير من هامش بيع الخام الخام.

 

هذا النموذج يشبه إلى حد كبير ما تفعله شركات مثل "فيتول" و"ترافيغورا" المتخصصة في تجارة الطاقة، لكن الفارق الجوهري أن سوناطراك تمتلك هنا أصلاً ثابتاً (المصفاة) يمنحها قدرة على التحكم في سلسلة القيمة المضافة (Value Chain) من البئر إلى المحطة. والأهم من ذلك، أن هذه الإستراتيجية تعزز الأمن الطاقوي الأوروبي للجزائر في وقت حساس، حيث تسعى إيطاليا وألمانيا إلى تنويع مصادر إمداداتها بعد الحرب الأوكرانية. فامتلاك مصفاة تعمل بكامل طاقتها في صقلية يعني أن الجزائر لم تعد مجرد مورد خام، بل أصبحت طرفاً فاعلاً في سوق المنتجات المكررة التي تشهد تقلبات أسعار عنيفة أحياناً تفوق تقلبات الخام الخام بنسبة تتراوح بين 30 و50 بالمئة.

 

بالطبع، لا تخلو الصفقة من مخاطر. الإعتماد على خطوط إمداد طويلة من بحر قزوين إلى المتوسط يضيف تكاليف لوجستية وشحن (Freight Costs) يجب أن تحسب بدقة ضمن معادلة المراجحة. كما أن نجاح العملية مرهون بقدرة سوناطراك على تسويق خام "صحاري بلاند" في أسواق بعيدة كالصين والهند بأسعار تغطي فارق تكلفة الشحن الإضافية. لكن المؤشرات الأولية تشير إلى أن الشركة الجزائرية نجحت في تثبيت عقود طويلة الأجل مع مصاف آسيوية، مما يوفر استقراراً في التدفقات النقدية. في المحصلة، ما تقوم به سوناطراك اليوم ليس "ضربة معلم" عاطفية، بل هو تحول منهجي نحو إدارة أصول أكثر احترافية، يعيد تعريف دور الشركة الوطنية من "منتج وطني" إلى "مستثمر عالمي" في صناعة التكرير، وهي خطوة كانت حتمية للتكيف مع تعقيدات سوق الطاقة في عصر ما بعد الجائحة والحرب الأوكرانية.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services