14219

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة "191"

 

بقلم اسماعين تماووست 

الفكرة ، يا لغرابتها! إنّها ضيف لا يطرق له باب، ولا يستأذن قبل أن الحضور،  كثيراً ما تداهمني على حين غفلة، وأنا منشغل بغيرها أو حتى هارب من صخبها...

كل فكرة تولد كأنّها اكتشاف صغير، ومضة تضيء عتمة الذهن، لتتراكم مع غيرها في أعماق الدماغ، كأنها ركائز تبني صرحاً خفيّاً من الوعي،  وليس ثمّة تفسير واحد لكيفية مجيء الفكرة، ولكنّي أدركت بحكم التجربة أن أصفى السبل لاحتضانها هو الهروب من الضجيج، ذاك الذي يمزّق خيوط التفكير ويفسد مساره.
لقد علّمتني السنوات أن الفكر ليس مجرّد ترفٍ ذهني، بل هو أداة الإنسان العظمى، تلك التي تُمكّنه من فرز الخير من الشر، ومن رسم مسارات قراراته طوال حياته، ومن هنا كان سرّ اختياري للعزلة، بعيداً عن صخب المدن وضوضاء البشر.

ففي أحضان الطبيعة الصامتة، أجد مأوى لأفكاري، ومختبراً داخلياً يمدّني بالرؤى الواضحة، إنّ الهدوء العميق الذي تمنحه الطبيعة ليس مجرّد سكينة، بل هو الشرارة الأولى التي تفتح أمامي أبواب الحلول، سواء لحياتي أو لمهنتي في مطاردة المجرمين وكشف خيوط المؤامرات.
كنت أدرك جيّداً أنّ المعركة ضد الإرهاب والجريمة لا تُحسم بالقوة وحدها،  السلاح قد يُسقط جسداً، لكنه لا يهزم فكرة، ولا يُطهر وطناً من وباء الخيانة، أما الفكر، فهو السلاح الذي يكشف خيوط المؤامرات، ويمنحني البصيرة لأسبق المجرم بخطوة، وأحاصر الشر قبل أن يتكاثر.

لذلك، حين أبتعد عن الجميع وأغرق في صمتي، لم أكن أهرب من واجباتي، بل كنت أستعد لها، وحدي، بين الأشجار والسماء، كنت أُحادث نفسي كأنها رفيق وفيّ، أسألها وأُجيبها أحياناً، وأحياناً أكتفي بالصمت وأدع الصدى يجيب عني. .

كنت أمشي بلا وجهة محددة، غير أنّ خطواتي كانت تقودني إلى أقاليم أبعد في داخلي، حيث تتلاقى الفكرة مع الخيال، وتولد منها بصيرة لا تُشبه غيرها.
لقد أيقنت أنّ الصمت ليس ضعفاً، بل تدريب على الإصغاء لما لا يُسمع،  وأدركت أن الفكر ليس ظلّاً يرافقنا، بل هو النور الذي يسبقنا ويمهّد الطريق، هكذا تعلّمت أن أعظم الانتصارات تبدأ بفكرة، وأنّ الوطن لا يحميه السلاح وحده، بل يحميه أوّلاً عقلٌ متيقظ يرى ما لا يراه الآخرون، ويحوّل الشرارة إلى نور، والنور إلى خطة، والخطة إلى نصر يوقّع باسم العدالة.

كنتُ، رغم كل محاولاتي في كبح الإحباط، أعود دائماً إلى نفس الشعور المقيت: شعور الصياد الذي يرجع خائباً من رحلة مطاردة طويلة، بلا صيد ولا ثمرة،  غير أنّ الفرق بيني وبين ذلك الصياد، أنّ خيبتي كانت أثقل وأقسى، لأنني لم أكن أطارد طريدة عابرة، بل أبحث عن خيط رفيع، عن ثغرة دقيقة، عن معلومة صغيرة قد تغيّر مجرى معركة كاملة ضد أولئك الذين زرعوا الموت في كل مكان، وسرقوا من الناس أمنهم وطمأنينتهم.

كنتُ أدرك أنّ كل معلومة، مهما بدت تافهة في أعين الآخرين، كانت بالنسبة لي كنزاً لا يُقدّر بثمن،  في عالم مكافحة الإرهاب، المعلومة لم تكن مجرد أداة، بل كانت حياة بأكملها: إمّا أن تقتل بها، أو تُقتل إن غابت عنك،  ولذلك كنتُ أعتبر كل خبر، كل كلمة، كل إشارة، بمثابة سلاح يحميني ويحمي زملائي، سلاح غير مرئي لكنه أشد وقعاً من الرصاص.
وما أصعب تلك اللحظات التي كنتُ أواجه فيها السؤال ذاته: هل أنا حقاً قادر على حمل هذه الأمانة الجسيمة؟ هل من الممكن أن أنجز مهمة بهذا الحجم الخطير، بعدد قليل من الرجال، يُعدّون على أصابع اليد الواحدة؟ كنتُ أقف بين الحزم والشك، بين التصميم والخوف، لكنني لم أسمح للخوف أن يشلّني، كنتُ دائماً أواجهه بعقل يقظ، وروح متوقدة، لأنني أعلم أنّ الاستسلام يعني انتصار العدو.
كثيراً ما وجدتُ نفسي أقود رجالي في طرقات معتمة، داخل أحياء ضيّقة أو غابات كثيفة، حيث يختبئ الموت وراء كل ظلّ، ويتربّص بنا الخطرعند كل منعطف،  كنتُ أدرك تمام الإدراك أنّ المغامرة قد تكلّفنا حياتنا، ولكنني كنتُ أؤمن أنّ الرسالة أسمى من الخوف، وأنّ حماية الأبرياء أعظم من أي حساب شخصي.
كنتُ أعلم أنّنا بخطواتنا تلك، ونحن نلاحق المجرمين في أوكارهم، لم نكن مجرد رجال شرطة عاديين، بل كنّا حراس الوطن في زمن الظلام، نحمل على عاتقنا مهمة إخماد نار الإرهاب قبل أن تلتهم البلاد، وفي قلبي، رغم القلق والخيبات العابرة، كانت تشتعل شعلة لا تنطفئ: شعلة الإصرار، وإيمان لا يتزعزع بأنّ الكفاح مهما طال، سيقودنا في النهاية إلى فجر جديد.

ظلّ كل شيء ينها أمام ناظريّ، كما لو أنّ الزمن نفسه يتداعى بلا رحمة، من غير أن نتمكن من التوصل إلى إجابة واحدة صحيحة أو مخرجٍ من هذا المأزق القاتل، غير أنّني سرعان ما تمالكت نفسي، كمن يفيق فجأة من نوم عميق، لأدرك بوضوح أنّني كنت قد عُيّنت من قبل مسؤوليني المحترمين لقيادة تلك المجموعة من رجال الشرطة، ولتولّي إدارة هذه المهمة البالغة الأهمية،  كان تكليفهم لي شرفًا عظيمًا، ودليلاً على ثقتهم المطلقة بي، إذ ألقوا على عاتقي مسؤولية استثنائية في ظروف لا تشبه سواها.
شعرت حينها بأنّني أشبه بشرطي متحفّز على الدوام، يتعامل مع كل حركة بريبة وحيطة، فلا يفلت من نظره أي تفصيل مهما بدا صغيرًا، كنت على يقين أنّ ما قد يغيب عن أعين زملائي، الذين يفتقر بعضهم إلى فضيلة الحذر، لن يغيب عني. ففي مثل هذه العمليات، لم تكن الحيطة مجرّد خيار، بل كانت واجبًا صارمًا، بل شرطًا مقدّسًا على كل محققٍ أن يلتزم به التزامًا لا رجعة فيه، خاصّة وأنّ الأمر يتعلّق بالحياة أو الموت،  في ذلك الصباح، بلغ شكي ذروته، فقد كنت مدركًا أنّ عليّ أن أكون أشدّ حذرًا من أي وقت مضى، لا لشيء سوى لإنقاذ نفسي وحماية رفاقي أيضًا.
ولم يكن هذا السلوك إلّا انعكاسًا لإيماني العميق بالقضية العادلة التي نقاتل من أجلها، تلك القضية الوطنية المقدّسة التي نذرنا أنفسنا لها، كان تفانينا المشترك بمثابة الإسمنت المسلّح الذي صهرنا جميعًا في بوتقة واحدة، حتى صار الرابط بيني وبين رجال فريقي صلبًا، لا يتزعزع، متينًا كالخرسانة التي لا تنكسر،  لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا، فقد توطّد هذا الرابط في زمن قياسي، ثمّ استحال قوة جماعية تقف في وجه أي خطر محدق.
كنّا آنذاك نعيش أواخر سنة 1986، بل ربما أوائل شهر ديسمبر،  وقد وُضعنا وجهًا لوجه أمام شياطين حقيقيين، لا يعرفون سوى لغة الدم والقتل، وحوش بشرية تجسّدوا في صورة جلادين متعطّشين لإراقة الأرواح، ومتوحشين لا يردعهم وازع ولا قانون.

خضنا معارك متواصلة لا تعرف التراجع ولا التهاون، عاقدين العزم على إنهاء رعبهم الدموي إلى الأبد،  لم يكن أمامنا أي خيار آخر سوى الاستمرار، فقد كان همّهم الوحيد نشر الفوضى العارمة، وزرع بذور الخراب والدمار، في سبيل هدف خسيس: تدمير وطننا الحبيب، الوطن الأوحد الذي لا نملك سواه، ثم بيعه كما تُباع السلع في أسواق الخيانة والعار.
ذلك كان قدرنا، وتلك كانت رسالتنا: أن نقف سداً منيعًا أمام قوى الشر والهمجية، وأن ندفع أرواحنا ثمنًا لحماية وطنٍ غالٍ، عزيز، لا يُقدّر بثمن.

يتبع ...

 



شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services