22
0
جيلٌ تحت التهديد الرقمي.. قسنطينة تحتضن يوماً دراسياً لتحصين الناشئة من "الانحراف الإلكتروني
مختصون يؤكدون أن الوعي والرقابة الأسرية يشكلان صمام الأمان في مواجهة مخاطر الابتزاز والاستغلال الإلكتروني

ص دلومي
نُظّم اليوم السبت بدار الثقافة مالك حداد بقسنطينة، يوم تحسيسي وتوعوي حول “الإعلام والانحراف الرقمي” تحت شعار: «معاً لبيئة رقمية آمنة»، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الوعي بمخاطر الاستخدام غير السليم للوسائط الرقمية وانعكاساته على مختلف فئات المجتمع، خاصة فئة الشباب والمراهقين.

الأستاذ نصر الدين بوزيان يحذر من مخاطر الانحراف الإلكتروني ويدعو إلى تعزيز الوعي وحماية الأطفال
أكد الأستاذ نصر الدين بوزيان، من كلية علوم الإعلام والاتصال والسمعي-البصري بجامعة قسنطينة 3، خلال مداخلته، أن المنصات الاجتماعية باتت تحظى بأهمية متزايدة من حيث الانتشار والاستخدام، مبرزاً أرقاماً قياسية تعكس حجم هذا التحول الرقمي عبر العالم، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت حوالي 6.04 مليارات مستخدم، فيما يناهز عدد الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي 5.66 مليارات حساب، أي ما يمثل حوالي 93.8 بالمائة من مستخدمي الشبكة العنكبوتية، في حين يصل عدد مستخدمي “فايسبوك” إلى نحو 3.07 مليارات مستخدم، إلى جانب مليارات المستخدمين عبر منصات أخرى مثل “يوتيوب” و”إنستغرام”.
وأوضح المتحدث أن هذا الانتشار الواسع للوسائط الرقمية يعكس التحول العميق في أنماط التواصل، حيث لم تعد هذه المنصات مجرد أدوات ترفيه، بل أصبحت فضاءات للتفاعل والتعلم والعمل ونقل المعلومات، وهو ما جعل تأثيرها يمتد إلى مختلف مجالات الحياة اليومية، خاصة لدى فئة الشباب والأطفال.
وفي سياق حديثه، تطرق الأستاذ بوزيان إلى المقاربة الكيفية للوسائط الرقمية، مشيراً إلى خصائصها الاتصالية القائمة على اللامكانية واللازمانية والتفاعلية، إضافة إلى تعدد الاستخدامات وتنوعها وفق الاحتياجات الفردية، سواء في الاتصال الشخصي أو الجماعي أو المهني، أو حتى في مجالات الترفيه والتعلم، وهو ما جعلها جزءاً أساسياً من الحياة اليومية المعاصرة.
وشدد المتحدث على أن حسن الاستخدام يبقى العنصر الحاسم في التعامل مع هذه المنصات، من خلال الوعي بالمخاطر النفسية والاجتماعية والأخلاقية، واعتماد استخدام عقلاني يقوم على وجود هدف واضح، وتحديد مدة الاستعمال، واختيار التوقيت المناسب، مع السعي إلى تحقيق الفائدة المرجوة، في إطار استخدام متوازن بعيد عن الإفراط أو التفريط.
وأشار الأستاذ إلى أن الهدف من هذه المداخلة يتمثل في التوعية بمخاطر الاستعمالات السيئة للإنترنت، وما يرتبط بها من مظاهر الانحراف الرقمي، إلى جانب نشر ثقافة الاستخدام الآمن والإيجابي لمختلف المنصات الرقمية، بما يضمن حماية الأطفال والمراهقين وباقي شرائح المجتمع من مخاطر الابتزاز والسرقة الإلكترونية ونشر المعلومات المضللة والإدمان الرقمي.
كما نبه إلى أن الجريمة الإلكترونية عرفت تزايداً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مع توقعات بارتفاع وتيرتها في المستقبل، خاصة في ظل توسع الجزائر في مسار الرقمنة وتحديث مختلف المعاملات والخدمات الإدارية والمالية، ما يستدعي، حسبه، مواكبة علمية ومجتمعية لهذا التحول من خلال التوعية والتأطير المستمر.
وأكد أن هذا الجهد الوطني في الرقمنة يحتاج إلى مرافقة من طرف المختصين لضمان الاستخدام الآمن للوسائط الرقمية، مشيراً في الوقت ذاته إلى أهمية إدماج هذه الوسائل في التعليم، باعتبارها توفر منصات تعليمية حديثة تساعد التلاميذ والطلبة على التعلم والتطور، لكنها في المقابل تتطلب وعياً كبيراً بكيفية استخدامها.
وأضاف أن المخاطر الرقمية لا تقتصر على الأطفال فقط، بل تمس مختلف فئات المجتمع، غير أن التركيز يظل منصباً على التلاميذ والمراهقين باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة للاستغلال، سواء عبر الابتزاز أو الاستدراج أو شبكات الجريمة المنظمة، أو حتى عبر استهدافهم في قضايا أخلاقية وفكرية وسلوكية.
وفي هذا السياق، حذر من بعض الألعاب والمنصات التي قد تشكل خطراً مباشراً على الأطفال، مثل لعبة “الحوت الأزرق”، التي وصفها بالنموذج الخطير للاستغلال النفسي، حيث تعتمد على تحليل سلوك الطفل والتحكم في استجاباته تدريجياً إلى أن تدفعه نحو سلوكيات مدمرة.
كما أشار إلى وجود محاولات استغلال أخرى تستهدف المراهقين والطلبة عبر التشكيك في معتقداتهم أو التأثير على أفكارهم وانتماءاتهم، وهو ما يستوجب، حسبه، ضرورة الحذر من التفاعل مع أشخاص مجهولين عبر المنصات الرقمية، وتعزيز الرقابة الأسرية والتوجيه التربوي.
وختم الأستاذ نصر الدين بوزيان بالتأكيد على أن الوعي الرقمي أصبح ضرورة ملحة في ظل هذا التطور المتسارع، داعياً إلى تكاثف الجهود بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية والأمنية، من أجل بناء بيئة رقمية آمنة تضمن الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا وتحمي الأجيال الصاعدة من مختلف المخاطر والانحرافات الرقمية.

مخدرات على شكل حلويات ومؤثرات رقمية تستهدف التلاميذ… وتحذيرات من خطر مزدوج يهدد الأطفال
من جانبه، دعا عميد الشرطة لعبيدي كريم الأولياء إلى ضرورة إحاطة أبنائهم بتربية حسنة ومتابعة دقيقة لسلوكهم، مؤكداً أن المجتمع اليوم “مستهدف” بمختلف أشكال التأثيرات السلبية، ما يستدعي، حسبه، تظافر جهود جميع الفاعلين من أجل حماية الناشئة من مخاطر الفضاء الرقمي.
وأوضح المتحدث أن مسؤولية التوعية لا تقع على الأسرة وحدها، بل تشمل مختلف القطاعات، على غرار الإعلام والمساجد والمؤسسات التربوية وقطاع الرياضة، باعتبارها فضاءات أساسية في بناء الوعي وتوجيه السلوك، مشدداً على أهمية التنبيه المستمر إلى مخاطر الاستعمال غير الواعي للتكنولوجيات الحديثة، التي أصبحت، رغم ضرورتها، سلاحاً ذا حدين في المجتمع المعاصر.
وفي السياق ذاته، دعا عميد الشرطة إلى تكاثف الجهود من أجل الوقاية، خاصة في ما يتعلق بفئة المراهقين الذين قد يكونون عرضة للاستدراج عبر منصات التواصل الاجتماعي، وحتى عبر بعض الوسائط الرقمية الأخرى، بما في ذلك التلفزيون الذكي، الذي أصبح، حسبه، نافذة مفتوحة على مختلف التطبيقات والمحتويات دون رقابة كافية من الأولياء.
وأكد أن العديد من الحالات المسجلة تخص فتيات تتراوح أعمارهن ما بين 11 و24 سنة، تم استدراجهن عبر مجموعات على شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يتعرضن لعمليات ابتزاز واستغلال إلكتروني، وهو ما يستدعي، وفقه، تعزيز دور الرقابة الأسرية، ومرافقة الأبناء داخل العالم الرقمي، وعدم تركهم في مواجهة مفتوحة مع هذه المنصات.
وشدد المتحدث على أن دور الأسرة يظل محورياً في الحماية الأولية، على أن يتكامل مع دور المدرسة، والمدارس القرآنية، والجمعيات التربوية، وكذا النوادي الرياضية، مشيداً في هذا السياق بدور الكشافة الإسلامية التي، كما قال، تساهم بشكل فعال في تأطير الشباب وتوعيتهم وتوجيههم نحو الاندماج الإيجابي داخل المجتمع.
كما حذر من ما وصفه بمحاولات استهداف الشباب من خلال وسائل متعددة، منها المخدرات والفضاء الرقمي، مبرزاً أن بعض الممارسات الخطيرة أصبحت تستهدف حتى تلاميذ الطور الابتدائي، عبر ترويج مواد مخدرة على شكل حلويات أو مواد ملونة، وهو ما يشكل، حسبه، خطراً كبيراً على صحة الأطفال وسلامتهم.
وأضاف أن هذه المواد قد تكون أشد خطورة من المخدرات التقليدية، نظراً لتأثيرها المباشر على سلوك الطفل وصحته، حيث قد تؤدي إلى اضطرابات خطيرة، من بينها الأرق وتغيرات سلوكية حادة، وهو ما يستدعي يقظة دائمة من طرف الأولياء والمؤسسات التربوية على حد سواء.
وختم بالتأكيد على أن الفضاء الرقمي، مثلما يحمل من فوائد، فإنه قد يتحول إلى مصدر إدمان خطير إذا لم يتم التعامل معه بوعي، داعياً إلى ترسيخ ثقافة الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا، وتكثيف الجهود التوعوية من أجل حماية الأطفال والشباب من مختلف أشكال الاستغلال والانحراف الرقمي.

الأخصائي النفساني حسام زرمان يحذر من تأثير الاستهلاك الرقمي على سلوك وانتباه الأطفال
أكّد الأخصائي النفسي حسام زرمان خلال مداخلته في فعاليات اليوم التحسيسي والتوعوي حول “الإعلام والانحراف الرقمي” المنظم تحت شعار “معاً لبيئة رقمية آمنة”، أن التحولات الرقمية المتسارعة التي يعرفها العالم اليوم لم تعد مجرد أدوات ترفيه أو وسائل تواصل، بل أصبحت منظومة تأثير عميقة تمس سلوك الأطفال والمراهقين بشكل مباشر، وتعيد تشكيل أنماط التفكير والانتباه والاستجابة لديهم بطريقة غير مسبوقة.
وأوضح المتحدث أن النشاطات البدنية لدى الأطفال أصبحت أقل مقارنة بالسنوات الماضية، في مقابل ارتفاع كبير في زمن التفاعل مع الهواتف الذكية والألعاب الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن هذا التحول لم يعد بريئاً أو بسيطاً، بل يرتبط بآليات نفسية وعصبية معقدة، أبرزها ما يتعلق بنظام المكافأة في الدماغ وإفراز مادة “الدوبامين”، التي تمنح شعوراً سريعاً بالمتعة والتحفيز، لكنها في الوقت نفسه تُحدث خللاً في القدرة على التركيز الطويل والصبر والتعلم التدريجي.
وأضاف الأخصائي أن الدماغ البشري، وخاصة لدى الفئات الصغيرة، يتأثر بشكل كبير بالمحتويات السريعة والمتغيرة باستمرار، مثل مقاطع الفيديو القصيرة والألعاب الإلكترونية، حيث يصبح الطفل أكثر ميلاً للبحث عن الإثارة الفورية، وأقل قدرة على التفاعل مع الأنشطة التي تتطلب جهداً ذهنياً أو وقتاً أطول مثل الدراسة أو القراءة. واعتبر أن هذه الظاهرة أصبحت اليوم من أبرز التحديات التربوية، لأنها لا ترتبط فقط بالسلوك الظاهر، بل تمس البنية العصبية لطريقة التفكير والتعلم.
وفي سياق حديثه، توقف عند ما وصفه بتراجع مستوى الانتباه لدى عدد من الأطفال والتلاميذ، مبرزاً أن حالات التشتت والملل السريع أصبحت أكثر انتشاراً، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الأداء الدراسي. وأشار إلى أن بعض الحالات التي كانت تحقق نتائج ممتازة سابقاً أصبحت تعاني من تراجع ملحوظ في التحصيل، ليس بسبب ضعف القدرات، وإنما نتيجة نمط الاستهلاك الرقمي الذي يعيد تشكيل آلية التركيز داخل الدماغ.
كما أشار إلى أن المخاطر الرقمية لم تعد تقتصر على الجوانب النفسية والسلوكية فقط، بل امتدت إلى تهديدات مباشرة يعيشها الأطفال والمراهقون على منصات التواصل، من بينها الابتزاز الإلكتروني، وسرقة المعلومات، واستغلال الصور والمعطيات الشخصية، وهو ما قد يترك آثاراً نفسية عميقة تستدعي أحياناً تدخلاً علاجياً ومرافقة نفسية متخصصة، إضافة إلى إشراك الأسرة والجهات الأمنية عند الضرورة.
وتحدث حسام زرمان عن ما وصفه بـ”نظام الاستهلاك الرقمي”، موضحاً أن الإشكال لا يكمن فقط في استخدام التكنولوجيا، بل في طريقة استخدامها، حيث يتم في كثير من الحالات ترك الطفل أو المراهق في مواجهة مفتوحة مع محتوى رقمي يتم تصميمه أساساً لجذب الانتباه لأطول فترة ممكنة. وبيّن أن منصات مثل الألعاب الإلكترونية ومقاطع الفيديو السريعة تعتمد على تحفيز مستمر لنظام المكافأة في الدماغ، ما يجعل المستخدم يدخل في دائرة من التكرار والاستهلاك دون وعي بالوقت أو التأثير.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن المحتوى الرقمي السريع يخلق نوعاً من الاعتياد العصبي على الإثارة المستمرة، مما يجعل العودة إلى الأنشطة التقليدية مثل الدراسة أو القراءة أمراً صعباً نسبياً لدى بعض الفئات، لأنها لا توفر نفس مستوى التحفيز الفوري. واعتبر أن هذا التفاوت هو أحد الأسباب الرئيسية وراء ضعف التركيز وتراجع القدرة على التحصيل عند بعض التلاميذ.
كما شدد المتحدث على أهمية التوجيه الأسري والتربوي في هذا المجال، مؤكداً أن التعامل مع الظاهرة لا يجب أن يكون بالمنع المطلق أو الإهمال، وإنما عبر بناء وعي رقمي لدى الطفل، يقوم على فهم المخاطر وكيفية التعامل مع المحتوى، وتحديد الزمن المخصص لاستخدام الهاتف، وربط الاستعمال الرقمي بأهداف واضحة، مثل البحث عن معلومة أو إنجاز مهمة محددة، بدل الاستخدام العشوائي الذي يؤدي إلى ضياع الوقت دون فائدة.
وأضاف أن من بين الإرشادات الأساسية التي ينبغي اعتمادها، ضرورة تحديد مدة استخدام الأجهزة الرقمية، وربطها بالواجبات المدرسية والأنشطة اليومية، إلى جانب تعزيز الحوار داخل الأسرة حول ما يتعرض له الطفل على الإنترنت، وتوعيته بضرورة التبليغ عن أي محاولات ابتزاز أو تهديد أو استغلال قد يتعرض لها.

