24
0
غزة بين الإبادة وهندسة اللاحل وإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني

أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" ، اليوم، تقدير موقف استراتيجي جديد أعده الدكتور صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة، بعنوان: "غزة بين الإبادة وهندسة اللاحل وإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني في ظل مفاوضات اليوم التالي"، يتناول أبرز وأخطر التحولات الجارية في القضية الفلسطينية في ظل استمرار حرب الإبادة على قطاع غزة ومحاولات إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسيا وجغرافيا وديموغرافيا.
وأشار عبد العاطي، من خلال ورقة التقدير، إلى أن ما يجري في غزة لم يعد مجرد عدوان عسكري أو حلقة جديدة من الصراع بل تحول إلى مشروع شامل لإعادة هندسة البيئة الفلسطينية بمختلف أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما يعيد تعريف علاقة الشعب الفلسطيني بأرضه ومؤسساته ومستقبله السياسي ، معتبرا أن الحرب الدائرة تدار ضمن مقاربة وصفها بـ"هندسة اللاحل"، تقوم على إدارة الصراع بدلا من حله وإبقاء الواقع الفلسطيني في حالة تعليق دائم، ومنع قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، وربط ملفات الإعمار والمساعدات بشروط سياسية وأمنية في مقدمتها نزع السلاح.
كما لفت رئيس حشد إلى ما آلت إليه غزة اليوم حيث تحولت إلى "مختبر مفتوح " لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني على مستويات متعددة ومتزامنة؛ تشمل المستوى الديموغرافي عبر القتل الجماعي والتهجير وإعادة توزيع السكان، والمستوى الجغرافي عبر تدمير المدن والأحياء وإقامة مناطق عازلة، والمستوى الاقتصادي عبر ضرب البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، وصولا إلى المستوى السياسي المرتبط بمحاولات إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني وإنتاج ترتيبات حكم وأمن جديدة، مشددا على أن أخطر ما تكشفه الورقة هو الانتقال من "الإبادة الجماعية المباشرة" إلى "الإبادة المركبة" التي تستهدف شروط الحياة الأساسية عبر التجويع والحرمان من الماء والدواء والوقود والخدمات، بالتوازي مع تفكيك النسيج الاجتماعي واستهداف القدرة على إنتاج نظام سياسي فلسطيني موحد وفاعل.
وأوضح التقدير أن إسرائيل بعد أكثر من عامين من العدوان، فشلت في تحقيق أهداف "الحسم العسكري" سواء بالقضاء على المقاومة أو فرض قيادة بديلة أو إحداث تهجير جماعي دائم، في ظل تصاعد الضغوط الدولية والأزمات الداخلية، ما دفع نحو الانتقال إلى نموذج "إدارة الصراع" بدل الحسم أو الحل النهائي.
وتناول التقرير أيضا مسار المفاوضات الجارية في القاهرة وعدد من العواصم، مؤكدا أنها تتجاوز ملف وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات لتشمل إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني برمته، بما في ذلك مستقبل الحكم في غزة، والترتيبات الانتقالية، والأجهزة الأمنية، وآليات الإعمار، والعلاقة بين غزة والضفة الغربية، ومستقبل السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، إضافة إلى ملف سلاح المقاومة.
وحذر عبد العاطي من محاولات تحويل مشاريع مثل "مجلس السلام" والإدارات الانتقالية وقوات الاستقرار الدولية إلى أدوات لإدارة القضية الفلسطينية بدلا من حلها عبر نقلها من مسار التحرر الوطني وإنهاء الاحتلال إلى مسار إدارة السكان" وإدارة الأزمة، بما يركز على النتائج
الإنسانية دون معالجة جذور الصراع.
كما أشار إلى أن ملف الإعمار يستخدم في بعض المبادرات كأداة ضغط سياسي وأمني من خلال ربطه بشروط مسبقة، في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من القطاع وغياب تمويل كافي، ما يجعل عملية الإعمار جزءا من منظومة "هندسة اللاحل".
وسلط التقدير الضوء على الأزمة البنيوية للنظام السياسي الفلسطيني والتي تفاقمت مع حرب الإبادة والانقسام الطويل، من تآكل الشرعيات وتعطل المسار الديمقراطي واستمرار الانقسام وتراجع فاعلية المؤسسات، مؤكدا أن إعادة بناء النظام السياسي وتجديد الشرعيات وتحقيق الوحدة الوطنية باتت ضرورة مركزية لحماية المشروع الوطني.
واقترحت الورقة برنامجا وطنيا للمرحلة المقبلة، يقوم على تثبيت وقف دائم للحرب، والضغط من أجل انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية بشكل مستدام وغير مشروط، واعتبار الإعمار حقاً إنسانياً وقانونياً، إلى جانب تفعيل آليات دولية لحماية المدنيين ومنع استخدام الغذاء والدواء والمياه كسلاح.
كما طرحت الورقة سيناريوهات مستقبلية، مرجّحة استمرار نموذج" هندسة اللاحل" في المدى المنظور في حال عدم استعادة المبادرة الوطنية الفلسطينية عبر إنهاء الانقسام، وإعادة بناء منظمة التحرير، وتشكيل قيادة موحدة، وصياغة استراتيجية كفاحية شاملة.
وفي ختام التقدير، أكد صلاح عبد العاطي أن المرحلة المقبلة ستشهد معركة مزدوجة: حماية الإنسان الفلسطيني من القتل والتجويع والنزوح والانهيار الإنساني، وحماية المعنى السياسي للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية حرية وعودة وتقرير مصير، محذرا من خطورة تحويل الكارثة الإنسانية إلى مدخل لتصفية الحقوق الوطنية، بدلا من أن تكون منطلقا لإعادة بناء الوحدة الوطنية واستعادة المشروع الوطني الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتشاركية.

