32598
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 180

بقلم إسماعين تماووست
هاهي الأسماء تعود لتطفو على السطح من جديد، أسماء شكّلت النواة الصلبة لأخطر التنظيمات الدموية التي عرفتها البلاد. فباقتضاب وسرد موثّق، نذكر أبرز هؤلاء:
م /ملياني، الذي نصّب نفسه نائبًا لمجرم واد الرومان زعيم العصابة، وكان رفيق دربه، وذراعه اليمنى، وسائقه الخاص، لا يفارقه في حلّ ولا ترحال. ولعلّ في هذا الرجل صورة مصغّرة عن تلك النفوس البشرية التي حين تتعلّق برأس فتنة أو مجرم، تفقد بوصلتها الأخلاقية، فتمضي خلفه مسلوبة الإرادة. إذ أنّ الشرّ حين يستقرّ في النفوس الضعيفة، يجعلها ترضى بالانصهار في ظلاله، وإن أودى بها إلى الهاوية.
م/ عبد العزيز، ذلك التابع الوفيّ لزعيمه، حيث كان في سنة 1984 قد وفّر ملاذًا آمنًا لزعيم الإرهابيين، داخل منزله الكائن بحي العبازيز ببلدية بوقرة، في الوقت الذي كان هذا الأخير فارًّا من العدالة، مطاردًا من قبل مصالح الأمن. وهنا يبرز سؤال فلسفي حادّ: ما الذي يدفع إنسانًا لأن يخاطر بحياته، وأمن أسرته، وسمعته، من أجل قاتل فارّ؟ أي شعور بالقوة يمنحه التطرّف لأتباعه، حتى يتجرؤوا على تحدّي القانون والدولة والمجتمع؟ إنها صورة من صور الانقلاب الأخلاقي الذي يجعل الباطل حقًا والقتل بطولة.
ثم يأتي ذكر ع/شبوطي الذي كان إمامًا، منحدرًا من ولاية المدية، ومقيمًا ببلدية أولاد علي بسيدي موسى. كان هذا الرجل شيطانًا في صورة بشر، مستشارًا دينيًا متطرفًا لدى المجرم، ينفث سمومه الفكرية وسط الأتباع، ويوغل في التحريض والتجنيد. ولعلّ الأشدّ إيلامًا أن يُوظّف الدين، ذاك الركن النبيل في حياة الشعوب، ليكون أداة لتبرير سفك الدماء، وتكفير الأبرياء. فكم من عقول مغفّلة سلّمت مصائرها لهؤلاء الدجّالين، وهم يجرّونهم إلى مستنقع الظلام.
إلى جانبه ل/ عبد العزيز، مدرّسٌ بمؤسسة ابتدائية ببراقي بالعاصمة. كان، مع عدة شركاء آخرين، من المتعطشين المتطرفين، مكلفًا بالدعاية المغرضة لاستقطاب الناس، خصوصًا من الرعاع والمهمّشين، لخدمة تمرّدهم. وهنا تتبدّى مأساة أخرى: أن يتحوّل مربٍّ لمستقبل الأجيال إلى أداة لهدم الوطن، بدل أن يكون حارسًا على القيم وموجّهًا نحو النور. إنها إحدى ثغرات المجتمع التي تستغلّها التنظيمات المتطرّفة، حيث يتسلل الفساد العقائدي إلى المؤسسات التربوية.
ولا ننسى ب/جعفر، المقيم بحي باب الواد بالعاصمة، والذي عُرف بوفائه الأعمى للوحش القاتل. كان هو الآخر مكلفًا بالدعاية والتحصيل المالي لفائدة العصابة، مستغلًا الأحياء الفقيرة حيث كانت المفاوضات تجري مع المتعاطفين من ذوي العقول المغيبة. فالجهل والتهميش يصنعان بيئة خصبة لولادة التطرف.
وتواصلت التحقيقات. إذ بعد يومين أو ثلاثة فقط من الاعتداء الإجرامي على المدرسة الوطنية للشرطة، تلقيت استدعاءً رسميًا للحضور بمقر المديرية العامة للأمن الوطني. وفور وصولي، استقبلني أحد الإطارات السامية.
دارت جلّ محادثتنا حول الفاعلين الذين نفذوا ذاك الهجوم الغادر. وقد استعرض ذلك المسؤول الرفيع أمامي مذكرة أمنية بالغة الأهمية، مؤرّخة في 08/06/1985، كنت قد أعددتها شخصيًا آنذاك، فأثنى عليها بحرارة واعتبرها وثيقة مرجعية، قائلاً:
"هكذا يكون العمل الأمني… وبهكذا فراسة نكتشف الخيوط الأولى لأي جريمة."
ولعلّ ما يبعث على الأسى أن تلك المذكرة التحذيرية، التي صيغت بغيرة الشرطي الوطني الساهر على أمن وطنه، لو أُخذ بها في حينها، لما تمكّن أولئك الإرهابيون المجرمون من شنّ هجومهم الغادر على أكاديمية الشرطة بالصومعة. كانت رسالة واضحة، دقّت ناقوس الخطر مبكرًا، فكان التجاهل حينها ثمنًا دفعته الأرواح البريئة لاحقًا.
في كلّ ورقة من تلك المذكرة، كنت أضع حدسي وفراستي وتجربتي الميدانية. لم تكن مجرّد تقارير مكتبية، بل عصارة سنوات من المتابعة والتحليل البوليسي الدقيق. وأدركت حينها معنى مقولة الحكيم الصيني صن تزو: "المعركة الحقيقية تبدأ قبل أن تُرفع السيوف."
وأقف هنا عند حكمة تعلمتها من مهنة التحقيق:
"لا شيء يُخفى عن عين الساهر على أمن وطنه… فحتى الظلّ إن تحرّك، كان له أثر في سجل العدالة."
إن الشرّ لا يولد فجأة، بل ينمو في ثنايا الإهمال والجهل، ويجد سنده في المضللين وأتباعهم. وهو واجب حتمي على رجال الأمن أن يكونوا دومًا في يقظة مستمرة، لا يطمئنون لركود الأحداث، لأن الجريمة لا تنام، بل تتحيّن الفرص لتعود بوجه أكثر بشاعة.
وفي خضمّ هذه الوقائع المتتالية، كنت أرى أن التاريخ يعيد نفسه بصيغ شتى، وأنّ ما عشناه في تلك السنوات العجاف لم يكن سوى امتدادًا لحقب سالفة، عبث فيها دعاة الفتنة بمصائر الناس، مستغلّين هشاشة النفوس وضعف الوعي الجمعي. فكما استعمل المستعمر بالأمس عملاء الداخل لضرب صفوف الثوّار، وجد الإرهاب الحديث وكلاءً له بين أبناء الوطن، سخّرهم لغرس الكراهية ووأد بذور السلم.
ولأنّي عاصرت هذه الحقبة بمرارتها، وألمها الدفين، أدركت أن الحرب ضدّ التطرف ليست معركة سلاح فقط، بل معركة وعي وفكر. معركة تُخاض في المدارس، والمساجد، والبيوت، وفي دواخل العقول قبل الأزقّة والجبال. وما لم تُحاصر هذه الآفة بالفكر المستنير، ستظل تجد لنفسها مستنقعات آمنة بين الحشود الغافلة.
بعدها، نهض ذلك المسؤول السامي من مقعده. كنت قد لمحت في ملامحه شرارة غضب مكبوت، كأنّ أمواجًا هائجة كانت تتلاطم في صدره، قبل أن يتدارك نفسه ويستعيد رباطة جأشه. مرّت لحظات صمت ثقيلة، ثم ناداني بلقبي المهني: "المفتش."
وفي تلك اللحظة، أصدر أمرًا مباشرًا لا يقبل التأجيل ولا النقاش: أن أتولّى شخصيًا مهمة متابعة ثلاثة من أخطر الإرهابيين، وهم: م/ ملياني، شبوطي/ ع، ولحويج /ع. وبرّر ذلك القرار الحاسم بأن هؤلاء الثلاثة لم يكونوا مجرّد عناصر في تنظيم دموي، بل كانوا، على حدّ تعبيره، أخطر وأجبن المجرمين، إذ يجمعون بين الخيانة والجبن والدموية، وهي أخطر تركيبة نفسية يمكن أن يحملها إنسان.
كان ذلك المسؤول محقًّا، فقد عرفت من خلال سنوات العمل في الميدان، أن أشدّ الأعداء خطورة هم من يتدثّرون بلبوس الجبناء، لأنهم حين يتيقّنون من قرب نهايتهم، يتحوّلون إلى وحوش مسعورة مستعدة لحرق الأخضر واليابس.
أردف المسؤول قائلًا، بنبرة حملت من الجدية ما يُشبه البيان الأخير:
"هذه الأشكال، يا مفتش، لا يصلح معهم سوى الاستئصال. لو تُركوا أحياء، لن يتردّدوا في نشر مأساتهم على كامل التراب الوطني، وتحويل الوضع إلى كارثة أمنية حقيقية."
ثم أكّد على أن القضاء عليهم يُعدّ الدواء الوحيد لوقف النزيف، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالأمر لم يعد يتعلّق باعتداء معزول، بل بمخطط يتربّص بأمن الدولة ككل.
كنت مدركًا، منذ أن وطئت قدماي مكتبه ذلك اليوم، أنني سأُكلَّف بمهمة ليست كغيرها. فقد رأيت في نظراته تلك الرسالة الصامتة التي تعني: "إفعل ما يجب فعله… وبكل الوسائل." لم يصرّح صراحة بما ينتظره منّي، لكنه ترك لي حريّة القرار في طريقة التعامل مع هؤلاء المجرمين.
وكما يقول الفيلسوف الإيطالي مكيافيلي:
"حين يكون بقاء الدولة مهدّدًا، تُصبح بعض القوانين مجرّد نصوص، لأن حماية الوطن تعلو فوق كل شيء."
لهذا، لم أتردد لحظة. فقد كنت مقتنعًا أن هؤلاء ليسوا بشرًا، بل نفايات بشرية، لا يجدر بهم أن يظلوا يتنفسون بين الأحياء. وكنت على يقين أن تصفيتهم ليست مجرّد انتقام، بل واجب وطني، وإجراء احترازي لحماية الأبرياء الذين يتربّص بهم شبح الموت في كل لحظة.
قبل أن أغادر مكتبه، تقدّمت منه بكلمات صادقة:
"سيدي، أعدك أن الشرطة الوطنية ستفكّ شيفرة هذه المأساة في أقرب وقت ممكن، وسنطارد هؤلاء إلى آخر شبر… حتى لا يبقى لهم ظلّ على أرض الجزائر."
وأنا معه في مكتبه وهو يحدثني ،كان بداخلي مزيجًا من الأمل والثأر. كنت أعلم أن الحرب ضد الإرهاب ليست مواجهة سلاح فحسب، بل حرب عقول وإرادات. فمن الخطأ أن يُعتقد أن مواجهة الإرهاب تُحسم في الميدان فقط. فهناك، في دهاليز الفكر، وفي أعماق النفوس المستلبة، تبدأ المعركة الحقيقية.
وكانت قناعتي أن الأمني الحقيقي لا يُقاس بحجم رتبته أو بعدد سنوات خدمته، بل بقدرته على قراءة ما خلف السطور، واستشعار الخطر قبل أن يولد. كما يقول الحكيم الصيني صن تزو:
"المعركة التي تُكسب دون قتال، هي المعركة الأذكى."
وهكذا، قررت في سريرتي وانا أُحدّث نفسي:
"لا تراجع… إما أن يكون الوطن آمنًا، أو لا نكون."
وأنا استمع لحديثه ،كنت أرسم في ذهني و الوقت ذاته سيناريوهات المطاردة والقبض على تلك الرؤوس الفاسدة، وأقسمت أن لا أعود إلا وقد طهّرت الأرض من نجاستهم.
.يتبع.....

