بقلم: الحاج بن معمر
في عصر تتنافس فيه المؤسسات المالية على ثقة العملاء لا على ودائعهم فقط، باتت الصورة الذهنية للمصرف قيمتها تعادل قيمة أصوله.
ففي مشهد مصرفي إسلامي يشهد تحولات متسارعة، يبرز بنك البركة كواحد من المؤسسات التي أدركت أن الصيرفة الإسلامية لم تعد مجرد عقود ومنتجات متوافقة مع الشريعة، بل أصبحت “فن حضور” في وعي الجمهور.
من البحرين إلى باكستان، ومن مصر إلى الجزائر، تبدو إستراتيجية بنك البركة في التصوير الإعلامي أقرب إلى فلسفة متكاملة: كيف تبني ثقة لا تمسها التقلبات، وكيف تجعل من الشفافية أداة تسويق، ومن الإعلام مرآة تعكس جوهر المصرفية الإسلامية؟
البعد الرقمي
عندما تنبض الصورة عبر الشاشات لا يمكن الحديث عن إستراتيجية بنك البركة في التصوير دون التوقف أمام تحولها الرقمي المتسارع، الذي بات يشكل العمود الفقري لعلاقتها بالجمهور.
ففي عالم تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي، لم يعد الفروع المادية وحدها كافية لبناء الصورة المؤسسية، بل أصبحت واجهات التواصل الرقمي هي المعيار الحقيقي لمدى تقدم المؤسسة.
هنا، استثمر بنك البركة بعمق في خلق حضور بصري ورقمي يعكس حداثته مع الحفاظ على ثوابته الإسلامية.
في البحرين، أطلق بنك البركة الإسلامي خدمة العملاء عبر تطبيق واتساب، متجاوزًا بذلك القنوات التقليدية في تقديم الدعم، هذه الخدمة لم تكن مجرد إضافة تقنية، بل كانت رسالة واضحة: البنك حيثما يكون العميل، وفي الوسيلة التي يفضلها.
فبحسب فاطمة العلاوي، رئيسة الخدمات المصرفية للأفراد في بنك البركة البحرين، فإن البنك أدرك أن “الطريقة التالية الأفضل لخدمة عملائنا هي منحهم الفرصة لتلبية استفساراتهم أثناء التنقل”، ولا يوجد أفضل من استخدام تطبيق المراسلة الأكثر تفضيلاً في العالم الآن، واتساب .
هذا التحول الرقمي لم يكن مجرد استجابة لحاجة عابرة، بل جاء ضمن إستراتيجية متكاملة لتعزيز الصورة الذهنية للبنك كجهة عصرية ومتطورة، مع الحفاظ على الخصوصية التي تميز المصرفية الإسلامية.
فالتصوير هنا ليس صورة ثابتة في إعلان مطبوع، بل هو “تفاعل مباشر” عبر واجهات رقمية حديثة تضع العميل في قلب التجربة.
المصداقية عبر الشفافية
من البث المباشر إلى الجوائز العالمية في خطوة غير مسبوقة في المنطقة، حصل بنك البركة الإسلامي على جائزة “أفضل حملة تسويق عبر البث المباشر الافتراضي في البحرين” عام 2022، في حفل نظمته جوائز التمويل الدولية (International Finance Awards).
لم تكن هذه الجائزة مجرد تقدير لحملة تسويقية، بل كانت اعترافًا باستراتيجية عميقة تقوم على الشفافية كقيمة مصرفية.
فالبث المباشر الافتراضي الذي أطلقه البنك للإعلان عن الفائزين بجوائز “البركات” الكبرى، كان نموذجًا للإعلام المصرفي المباشر الذي لا يستخدم وسيطًا تقليديًا، بل يتواصل مع الجمهور وجهاً لوجه عبر الشاشات.
ووفقًا للبنك، فإن هذا البث المباشر مكّن المؤسسة من “ترسيخ مستوى متين من الشفافية”، في عصر باتت فيه الشفافية عملة نادرة في عالم المال، كان هذا التوجه إعلانًا ضمنيًا من البنك " نحن لا نخفي شيئًا، ونحن مستعدون للتواصل معكم مباشرة".
فاطمة العلاوي، الرئيس التنفيذي للخدمات المصرفية للأفراد في بنك البركة الإسلامي، علقت على هذا الإنجاز قائلة: “نحن فخورون جدًا بكوننا الأوائل في المنطقة الذين يحصلون على هذه الجائزة المرموقة، والتي تأتي نتيجة جهودنا المتواصلة في استخدام منصاتنا الاجتماعية للترويج لمنتجاتنا وخدماتنا المصرفية لعملائنا الكرام بطرق شخصية ومبتكرة ومميزة” .
هذا الكلام يعكس إدراكًا عميقًا بأن الصورة المؤسسية لم تعد تُصنع في غرف الاجتماعات المغلقة، بل في مساحات مفتوحة من التواصل المباشر والصادق.
من لغة الإشارة إلى الشمول المالي وإنسانية الصورة
لا تقتصر إستراتيجية التصوير في بنك البركة على الجانب الرقمي والتقني، بل تمتد لتشمل قيماً إنسانية عميقة تعكس صورة المصرف ككيان اجتماعي مسؤول.
ففي مبادرة لافتة، نظم بنك البركة الإسلامي في البحرين دورة تدريبية في لغة الإشارة لموظفيه، بالتزامن مع اليوم العالمي للغة الإشارة.
هذه الدورة لم تكن مجرد ورشة عمل عابرة، بل كانت جزءًا من إستراتيجية تدريبية تهدف إلى تطوير قدرات الموظفين لتحسين تجربة العملاء من ذوي الهمم.
في تعليقها على هذا البرنامج، أوضحت فاطمة العلاوي: “تماشياً مع استراتيجيات البنك لتعزيز ثقافة الاحترام تجاه احتياجات جميع عملائنا بغض النظر عن حالتهم، ولتعزيز دور البنك الريادي في مجال المسؤولية الاجتماعية، جاء البرنامج التدريبي كخطوة ضرورية لتحقيق هذا الهدف”.
هذه المبادرة ترسم صورة للبنك لا تقتصر على كونه مؤسسة مالية، بل تمتد لتكون جزءًا من النسيج الاجتماعي، تسعى لتوفير فرص متكافئة للجميع.
هذه الإنسانية في التعامل تنعكس أيضًا في التوجه نحو الشمول المالي، وهو ما يجسد الصورة الأوسع للبنك كمؤسسة تضع التنمية المجتمعية في صميم أولوياتها.
في مصر، وقع بنك البركة مذكرة تفاهم مع جامعة الدلتا للعلوم والتكنولوجيا، ضمن احتفالات اليوم العربي للشمول المالي، هذه الشراكة لم تكن مجرد اتفاقية ورقية، بل ترجمت إلى برامج تدريبية عملية للطلاب المتميزين في فروع البنك، مما أتاح لهم فرصة اكتساب خبرات حقيقية في بيئة مصرفية مهنية .
عبد العزيز سمير، نائب الرئيس التنفيذي للتجزئة المصرفية في بنك البركة مصر، أكد على هذا التوجه قائلاً: “نؤمن في بنك البركة مصر أن تعزيز الثقافة المالية وتمكين الأفراد، وخاصة الشباب، هو المفتاح لإطلاق العنان للفرص الاقتصادية الناشئة في مجتمعنا” .
بهذه الكلمات، يرسم البنك صورة لنفسه كشريك في بناء المستقبل، ليس فقط عبر تقديم الخدمات المصرفية، بل عبر تمكين الأجيال القادمة بأدوات المعرفة المالية.
الصورة كأداة للميزة التنافسية الدراسات الأكاديمية الحديثة تؤكد ما وصل إليه بنك البركة من وعي استراتيجي.
في دراسة أُجريت حول تسويق الخدمات المصرفية ودوره في تحقيق الميزة التنافسية للمصارف الإسلامية، تناول البحث حالة بنك البركة الجزائري - وكالة غرداية، وخلصت الدراسة إلى أن “جميع أبعاد الجودة وتسويق الخدمة المصرفية تحقق ميزة تنافسية لمصرف البركة الجزائري” .
هذا يعني أن إستراتيجية التصوير والإعلام في البنك ليست مجرد نشاط تسويقي معزول، بل هي عامل أساسي في بناء ميزة تنافسية مستدامة.
هذه الميزة التنافسية تظهر جليًا في جوائز متتالية حصل عليها البنك في مجال الإعلام الرقمي.
ففي عام 2021، حصل بنك البركة الإسلامي على جائزة “أفضل بنك في التواصل الاجتماعي في البحرين” للعام الثاني على التوالي من جلوبال بانكينج آند فاينانس ريفيو (Global Banking and Finance Review).
الجائزة جاءت اعترافًا بـ”جهود البنك البارزة في ترسيخ مكانته كرائد في مجال التواصل الاجتماعي في قطاع المصارف والتمويل في المملكة، بالإضافة إلى أدائه المتميز في إدارة حملاته الرقمية على وسائل التواصل الاجتماعي”.
فاطمة العلاوي علقت على هذا التتويج قائلة: “نحن فخورون جدًا بفوزنا بهذه الجائزة المرموقة للعام الثاني على التوالي، حيث يأتي هذا كنتيجة لجهودنا المستمرة في استخدام منصات التواصل الاجتماعي بنجاح للترويج لمنتجاتنا وخدماتنا” .
وأضافت أن المنصات الاجتماعية تركز على “المحتوى التفاعلي والإعلامي مثل استضافة جلسات مباشرة للأسئلة والأجوبة مع متابعينا للرد على أي استفسارات قد تكون لديهم” .
هذا التفاعل المباشر يعيد تعريف العلاقة بين البنك وعملائه، محولاً إياها من علاقة طرفين إلى شراكة حوارية.
الإعلان الخارجي
حين تصبح المدينة لوحة إعلانية لا تقتصر إستراتيجية الصورة لدى بنك البركة على العالم الرقمي فقط، بل تمتد لتشمل الفضاء المادي في أكثر المدن ازدحامًا.
في القاهرة، أطلق البنك حملة إعلانية على الشاشات الرقمية الخارجية، حملت شعارًا بسيطًا لكنه قوي: “افتح حسابك في البيت.. انضم للبنك”.
الإعلان الذي ظهر بتصميم أحمر نابض بالحياة، يعكس الثقة والوعد المالي، ويقدم رسالة واضحة للجمهور: الخدمة المصرفية أصبحت أقرب مما تتصور، ويمكن الوصول إليها من المنزل بكل سهولة.
هذه الحملة لم تكن مجرد إعلانات منتشرة، بل كانت امتدادًا لفكرة التصوير المتكامل التي ينتهجها البنك.
فمن خلال اختيار الشاشات الرقمية في العاصمة المصرية، يضع البنك صورته في قلب المشهد الحضري، ليؤكد حضوره في الوعي الجمعي.
كما أن الرسالة المرافقة (افتح حسابك في البيت) تعكس تطورًا في مفهوم الخدمة المصرفية نفسها، حيث لم تعد تتطلب التواجد الفيزيائي في الفروع، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في المنزل.
بناء الجسور عبر التصوير
من الصادرات إلى الحلال التحول الأبرز في إستراتيجية بنك البركة للصورة يأتي من خلال مبادرات تتجاوز الإطار المصرفي التقليدي.
في باكستان، تحت قيادة محمد عاطف حنيف، الرئيس التنفيذي لبنك البركة (باكستان)، شهد البنك تحولًا جذريًا في استراتيجيته، حيث ركز على الابتكار والتمايز.
من أبرز هذه المبادرات، إطلاق “مبادرة التعاون المشترك بين فروع مجموعة البركة” عام 2023، التي تربط المصدرين الباكستانيين بأسواق جديدة من خلال ندوات عبر الإنترنت بدأت بجنوب إفريقيا .
هذه المبادرة، التي حظيت باعتراف دولي كمنصة مصرفية تكنولوجية تحويلية، تعكس صورة البنك كجسر يربط الأسواق، وكمنصة تمكينية للتجارة الدولية، كما أنها ترسم صورة للبنك لا تقتصر على كونه وسيطًا ماليًا، بل كشريك استراتيجي في تنمية الصادرات وفتح أسواق جديدة.
ولعل الأكثر دلالة على تطور هذه الإستراتيجية هو احتضان بنك البركة (باكستان) لقطاع الاقتصاد الحلال، حيث استضاف البنك أول مؤتمر للاقتصاد الحلال في باكستان، ودعم المصدرين في منتدى لندن للحلال، لعرض إمكانات المنتجات الحلال في مجالات الدواجن والحلويات والمواد الغذائية والأزياء الإسلامية .
هذا التوجه يعيد تعريف الصورة الذهنية للبنك، لم يعد مجرد مصرف إسلامي، بل أصبح منصة للاقتصاد الحلال بمعناه الشامل، داعمًا للصناعات والمنتجات التي تلبي احتياجات المجتمعات الإسلامية.
التحدي المزدوج
التصوير بين الأصالة والحداثة ما يميز إستراتيجية بنك البركة في التصوير هو قدرتها على المزج بين قيم الأصالة التي تمثل جوهر المصرفية الإسلامية، وبين متطلبات الحداثة والابتكار. هذه المعادلة ليست سهلة، فكثير من المؤسسات المالية الإسلامية تقع في فخ الانغلاق عندما تركز على الجانب الشرعي فقط، أو في فخ التغريب عندما تطارد الحداثة دون ضوابط. لكن بنك البركة يبدو أنه وجد صيغته الخاصة.
ففي الوقت الذي يتبنى فيه أحدث التقنيات الرقمية مثل البث المباشر والواتساب والشاشات الرقمية، فإنه يحافظ في الوقت نفسه على جوهر هويته الإسلامية من خلال التركيز على مفاهيم مثل الشفافية، والمسؤولية الاجتماعية، والشمول المالي، ودعم الاقتصاد الحلال.
هذه الهوية المزدوجة تنعكس في الصور التي يقدمها البنك للجمهور: صور تظهر حداثة متأصلة في قيم أصيلة. حتى في المنتجات والخدمات، يحرص البنك على تقديم صور متكاملة. على موقعه الإلكتروني في باكستان، يقدم البنك شرحًا مفصلاً لمنتجاته المتوافقة مع الشريعة مثل المرابحة، والمشاركة المتناقصة، والإجارة، مع التركيز على أنها ليست مجرد بدائل للمنتجات التقليدية، بل هي حلول متطورة تلبي احتياجات متنوعة .
هذا النوع من التواصل الإعلامي، الذي يمزج بين الشرح المفصل والصورة البسيطة، يساهم في بناء صورة ذهنية للمصرف الإسلامي كجهة واضحة وشفافة. تحديات المستقبل: كيف تواصل الصورة تطورها؟ مع استمرار التحولات التكنولوجية، تواجه إستراتيجية التصوير في بنك البركة تحديات جديدة. المنافسة في الفضاء الرقمي تتطلب استمرار الابتكار، ليس فقط في الأدوات، بل في المحتوى نفسه.
فبعد أن أثبت البنك قدرته على استخدام المنصات الحديثة، يأتي التحدي التالي في كيفية صناعة محتوى بصري ورقمي يعمق العلاقة مع الجمهور، ويحول العملاء إلى سفراء للعلامة التجارية.
كما أن التوسع الجغرافي لمجموعة بنك البركة، التي تتواجد في أكثر من 15 دولة، يتطلب إستراتيجية تصوير موحدة في جوهرها، لكنها مرنة بما يكفي للتكيف مع الخصوصيات الثقافية لكل سوق.
فما يصلح في البحرين قد لا يكون مناسبًا في باكستان أو مصر أو الجزائر. هنا تظهر أهمية الإدارة المركزية للصورة، مع ترك مساحات للابتكار المحلي. ولعل التحدي الأكبر يتمثل في الحفاظ على “الصدقية” مع تطور الأدوات. فمع انتشار الذكاء الاصطناعي والمحتوى المُنتَج آليًا، سيكون التحدي الحقيقي هو كيف تحافظ الصورة المؤسسية على “اللمسة الإنسانية” التي ميزت مبادرات مثل تدريب لغة الإشارة أو دعم الشباب الجامعي.
الخلاصة
الصورة كاستراتيجية لا كأداة بعد هذا الاستعراض، يمكن القول إن بنك البركة قد نجح في تحويل الصورة المؤسسية من مجرد أداة تسويقية إلى إستراتيجية متكاملة. إستراتيجية تقوم على أربع ركائز أساسية: التحول الرقمي كوسيلة للتواصل المباشر، الشفافية كقيمة تبني الثقة، المسؤولية الاجتماعية كمرآة تعكس إنسانية المؤسسة، والابتكار في المحتوى كوسيلة للتمايز.
إن الجوائز التي حصدها البنك في مجال التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي ليست مجرد شهادات تعلق على الجدران، بل هي اعتراف بفلسفة متكاملة ترى في الإعلام مرآة تعكس جوهر المصرفية الإسلامية.
في عالم تتصارع فيه المؤسسات المالية على ثقة العملاء، يثبت بنك البركة أن الصورة ليست ما تراه العيون فقط، بل ما تشعر به القلوب وتثق به العقول.
“فوي”… تلك الكلمة التي تحمل في طياتها معاني “التوجه” و”البؤرة”، تعبر بدقة عن جوهر ما يفعله بنك البركة: تركيز الكاميرا على ما هو جوهري، وتوجيه البوصلة نحو بناء صورة مصرفية إسلامية معاصرة، تجمع بين متطلبات العصر وثوابت الشريعة، بين الحداثة والإنسانية، وبين الشفافية والابتكار.
في النهاية، يظل السؤال الأهم: إلى أين تتجه البوصلة بعد هذا المسار؟ الإجابة تتوقف على مدى قدرة البنك على الاستمرار في تجديد صورته، كما جدد هويته المصرفية لعقود.