16

0

فوضى ذاكرة المكان بين الطفولة والكهولة:

 

 بقلم أ.د. خالد محمد صافي

شكل فوضى تفاصيل المكان حلقات مفقودة في ذاكرتي بين تباشير الطفولة وبين تباشير الكهولة. بعثرة ملامح حواس في ثنايا صفحات الذاكرة. تباشير الحواس في طفولتي تبدأ من ذالك البيت الذي شهدت سنوات طفولتي وقدومي إلى هذا العالم. ملامح من تأخر فطامي بسبب سلسلة من حرد أمي، وبعثرة المكان في ذاكرتي بين هذه الطفولة الممزقة بين بيت العائلة الأول في بلوك 4 في مخيم البريج حيث ولدت، وبين بيت خالي في خانيونس حيث حبوت اتلمس على أربع تفاصيل المكان حولي.

 

واكتشف بحواسي الخمس ملامح الحياة التي سوف اسير في دروبها. تيه طفولة في مسالك مجهولة في خلافات أسرية لا تنقطع. ومع ذلك ربما يشكل فقدان الذاكرة وعدم تبلورها، وكثرة الثقوب فيها مما يساعد على النسيان. ولكن فقدان الارتباط بمكان منذ تباشير الطفولة يبدو ظل عالقا في تفاصيل حياتي. بعد سنتين من ولادتي في منزل ربما لم اعش به سوى شهور مبعثرة على شرفة الخلافات الأسرية تنتقل طفولتي إلى بيت آخر اشتراه أبي في بلوك 2 في المخيم. هذا الانتقال ربما ساهم أيضا في خلق نوع من الفوضى في تفاصيل المكان في حياتي.

بين مكان جديد وخلافات أسرية مستمرة جعل طفولتي مقسمة بين بيت أبي وبيت خالي. وحتى البيت الجديد الذي أكملت فيه تبعثر سنوات طفولتي الأولى بقي فيه بعض الذكريات العالقة، صراخ طفولة رغم أن أمي كانت تردد على مسامعي أنني أتيت لأبي ثلاثة بنات من أمي، وثاني ذكر في البيت بين خمس بنات، اثنتين من أبي وثلاثة كما ذكرت تباشير أمي. أي ذكر يأتي بعد تسع سنوات عجاف على أبي. فأختي الثالثة من أبي وأمي كان نصيبها عدم ترحيب أبي، وغضبه في تعثر تسميتها، صارخا سموها  خر........ ومع أن نصيبي في الاستقبال كان جيدا بعد ثلاثة بنات، لكم لم يكن على أرض الواقع افضل حالا في طفولة مبعثرة. ورغم أن أبي كان سعيدا بقدومي بعد ثلاثة بنات، وألبسني جلبابا وطاقيه، واصطحبني معه مرات كثيرة في ذهابه وإيابه، لكن الخلافات الأسرية كما قلت بعثرة تفاصيل المكان داخلي. وها نحن نتعرض للانتقال من المكان مرة ثانية، ولكن هذه المرة كان انتقالا قسريا. حين قرر الاحتلال مواجهة حركة المقاومة الوطنية في المخيم في بداية سبعينيات القرن الماضي، وكان يعني قراره تقسيم المخيم إلى بلوكات أمنية مربعة محاطة بشوارع واسعة، تجعل آلياته تتحكم فيها بدل الحارات والأزقة الضيقة التي تضمن للفدائيين حرية الانتقال والتخفي. ولذلك كان منزلنا ضحية إقامة امتداد شارع مكانه يفصل بلوك 2 عن بلوك 1 الملاصق. هنا تبدأ رحلة نزوح في تفاصيل طفولة لم تتعمق بعد في شرايين الذاكرة. طفولة هشة تحمل أغراض المنزل في تيه تنقل ورحيل لم ينقطع في حياتي. انتقال جديد قسري إلى بلوك 3، حيث حي جديد يضاف على أطراف المخيم الغربية. قطعة أرضية تصادرها أو تستأجرها الحكومة، وغرف من الطوب الاسمنتي والقرميد الأسود بنيت على حساب وكالة الغوث.

هنا استقرت سنوات طفولتي حينا فيما تبعثرت حياة من أتي بعدي بين بيت الأب والخال. فالبعثرة هنا من نصيب الطفل الأصغر دوما. ولذلك مع قدوم آخرين نالوا هم نصيب بعثرة المكان فيما كان نصيبي كم أسلفت استقرار المكان وليس استقرار الأسرة. هكذا شكل عدم الاستقرار والنزوح تلال ترسبات في أعماق الذاكرة. وفوضى بعثرة المكان على شرفة المجهول. 
بعد الثانوية بدأت رحلة بعثرة لم تتوقف في سنوات دراسة في الضفة الغربية في جامعة بيرزيت. احببت رام الله أكثر من غزة، حياة الجامعة في بيئة منفتحة، بيئة جديدة من آفاق العلم وبناء الشخصية بعيدا عن حياة مخيم روتينية محافظة، مرهقة على شرفة البؤس، وضفاف اليأس. هناك في رام الله تباشير جديدة حالمه بمستقبل أفضل. ومع ذلك لم تخلوا تلك السنوات من فوضى المكان وتبعثره. فبين حين وأخر مظاهرة وسقوط شهداء وجرحى وإغلاق الجامعة لشهور عدة. هنا شكل الاحتلال حالة اليد الطولى في فوضى المكان وتأرجحه بين غزة والضفة. ثم فوضى الخوف والاعتقال في الانتفاضة الأولى. بين جدران المخيم قبل التخرج بشهور عدة وبين جدران زنزانة السجن في معتقل الظاهرية في الخليل. حيث اعتقلت وانا على مقاعد الدراسة الشعبية التعويضية لما تبقى من ساعات دراسية أكاديمية للتخرج. الاحتلال مصر على بعثرة المكان في تفاصيل حياتنا. مصر أن نحمل في ثنايا ذاكرتنا تفاصيل جدران هنا وهناك. جدران بيت أو جدران زنزانه نخط عليها بعجم الزيتون بعضا من حروف اسمائنا وهذيان قريحتنا في دروب الاعتقال. سنوات انتفاضة عجاف من الخوف والاقتحامات، وقنابل الغاز المسيلة للدموع التي تزهق ارواحنا كل يوم عصرا حتى مغيب الشمس. شهداء وجرحى وقنابل صوتية وازير الرصاص وكما قلت قنابل غازية مسيلة تدمع عيوننا، وتقطع أنفاسنا مرارا وتكرارا. وليال طوال من عملية شاقة من اقتحامات لرفع متاريس النهار، وطلاء الجدران حيث الشعارات الوطنية بالجير الأبيض، وإزالة بقايا رماد واسلاك اطارات السيارات. حتى ليلة فرحي لم تسلم من هذه الأعمال التي أصبحت روتينية في حياتي في حي يشهد يوميا هذه الحوادث الانتفاضية. 
لست أدري لماذا اصبحت بعثرة الأماكن حالة استمرارية في تجاويف الذاكرة. رحيل جديد بارادتي إلى الأردن لإكمال دراستي مع الأسرة، ثم رحيل جديد بعد ذلك إلى ألمانيا لإكمال دراستي العليا بدون الأسرة. ثم بدء تأسيس بيت جديد خارج نطاق البيت العائلي. هذه المرة على أطراف المخيم الجنوبية في بلوك 10، في أحياء جديدة تبنى على أراضي زراعية محيطة بأحياء المخيم القديم. 
وها هي فوضى المكان تعود ثانية ونحن على أبواب الكهولة، حرب إبادة للبشر والحجر والشجر وتفاصيل الذاكرة. تفاصيل موت يومي في ثنايا الواقع البائس. وحلقات من نزوح قسري كفئران مذعورة خائفة من مكان لآخر. تجوب دروب قطاع غزة من شماله لجنوبه، بأزقته وحاراته، بساحله وشاطئه الحزين. نعود إلى فوضى المكان، وذاكرة الجدران المترنحة في غياب الواقع البائس. نهجر تفاصيل جدران البيت بين رحلة نزوح وأخرى. ثم تهاوي جدران البيت على تلال الخراب. فوضى الذاكرة مبعثرة فوق فوضي الخراب والركام. ندور في حلقة نزوح مبعثر في غياهب الذاكرة بين فوضى تفاصيل المكان في تباشير الطفولة، وفوضى تفاصيل المكان في تباشير الكهولة، وما بينهما من عقود تيه على شرفة وطن، وضفاف قضية في دروب السراب.  تبدلت الأحلام الصغيرة إلى كوابيس كبيرة تحمل على أجنحة الخوف المحلقة فوق غيوم رمادية تبدد زرقة السماء. لا شيء سوى الفوضى في كل شيء المكان والذاكرة.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services