778
0
فضيحة تحويل أراض فلاحية خصبة إلى تحصيص إجتماعي في باتنة
بلدية الزانة البيضاء تتحدى تعليمات رئيس الجمهورية وتحول 3.5 هكتار من أجود الأراضي الفلاحية إلى 76 قطعة أرضية ضمن تحصيص إجتماعي

في تناقض صارخ مع التوجيهات الرئاسية الصارمة بحماية الأراضي الفلاحية التي تعتبرها الدولة "خطًا أحمر"، تكشف "بركة نيوز" عن ملف خطير يتعلق بتحويل بلدية الزانة البيضاء (ولاية باتنة) قطعة أرضية فلاحية بامتياز بمساحة 3.5 هكتار إلى تحصيص اجتماعي بـ 76 قطعة أرضية.في وقت رفضت فيه السلطات المركزية ثلاث مرات متتالية اقتطاع أرض لبناء مستشفى جامعي بـ 500 سرير ببلدية وادي الشعبة، بحجة أنها أرض فلاحية مصنفة.
تحقيق: ضياء الدين سعداوي
ويأتي هذا التحصيص قبل أشهر قليلة من إنتهاء عهدة المجالس المحلية، وهو ما يطرح تساؤلات عدة حول إختيار هذا التوقيت بالذات من طرف رئيس المجلس الشعبي البلدي لإقرار هذا التحصيص، وبطريقة وصفتها مصادر مطلعة بأنها "ملتوية".
حرص الدولة على حماية الأراضي الفلاحية
علمت "بركة نيوز" من مصادر مطلعة أن السلطات المركزية رفضت بشكل قاطع ثلاث طلبات متتالية مقدمة من السلطات المحلية لاقتطاع أرضية فلاحية ببلدية وادي الشعبة (دائرة باتنة) بهدف إنجاز مستشفى جامعي بسعة 500 سرير. وجاء الرفض استناداً إلى طبيعة الأرضية المصنفة كأرض فلاحية، وهو القرار الذي يؤكد الحرص الكبير للدولة على حماية الثروة الزراعية، تنفيذاً للتعليمات المتكررة لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي أكد في أكثر من مناسبة على أن "الأراضي الفلاحية خط أحمر، ولا يمكن المساس بها مهما كانت أهمية المشاريع". هذا الرفض المتكرر كان محل تقدير من قبل المهتمين بالشأن الزراعي، إذ يعكس إرادة الدولة في المضي قدماً لحماية الأراضي المنتجة والحفاظ على الأمن الغذائي الوطني.
المفارقة الصادمة في بلدية الزانة البيضاء
لكن المفارقة العجيبة التي وقفت عليها "بركة نيوز" تكمن في ما قامت به بلدية الزانة البيضاء، حيث حولت قطعة أرضية فلاحية ذات جودة إستثنائية كانت تنتج أجود أنواع القمح والشعير والبطاطا، بمساحة 3.5 هكتار، إلى تحصيص إجتماعي بـ 76 قطعة أرضية، في تحد واضح للقوانين والتعليمات الرئاسية.
وحسب وثائق حصلت عليها "بركة نيوز" فإن لجنة المعاينة المشكلة من عدة مصالح (الفلاحة، أملاك الدولة، الري) لم تبد موافقتها على إختيار هذه القطعة، وذلك لأن القطعة أرض فلاحية بامتياز ولا يمكن تغيير طابعها إلا باقتطاع من مجلس الوزراء، بالإضافة إلى وجود مراسلات مركزية متعددة تؤكد الطابع الفلاحي للأرض، فضلاً عن مراسلة من مدير سابق للمصالح الفلاحية تلزم رئيس البلدية بالمحافظة على الطابع الفلاحي وحماية الأرض من أي اعتداء. ورغم كل هذه المراسلات والترسانة القانونية، ضربت البلدية عرض الحائط بكل القرارات والتعليمات، لتبدأ عملية التحويل والتوزيع.
"عائلة بخوش".. صراع من أجل البقاء
"بركة نيوز" انتقلت إلى عين المكان، حيث وقفت على الأعمال الجارية لتهيئة الأرض من طرف مقاولة مكلفة من بلدية الزانة البيضاء، حيث تم تمرير قنوات الصرف الصحي وشبكة المياه ضمن مشروع التحصيص الإجتماعي. هناك التقينا نصر الدين، أحد أفراد عائلة بخوش، المستثمرين في هذا الوعاء الفلاحي منذ فجر الإستقلال، الذي قال بحسرة إن عائلته عائلة فلاحية بامتياز أباً عن جد، تقوم بتربية المواشي والأبقار الحلوب، وتملك على هذه القطعة التي تبلغ مساحتها حوالي 13 هكتاراً 1500 شجرة مثمرة وصناديق لتربية النحل، بالإضافة إلى زراعة القمح والشعير والبطاطا، إلا أن البلدية لم تتركهم في حالهم.
وأضاف نصر الدين أن السنة الماضية أرادت البلدية قطع هذه الأشجار بحجة شق طريق فوقها، طريق لم يكن له لزوم بتاتاً ، إلا أن العدالة أوقفت قرار القطع. واليوم، يضيف، ها هي البلدية تعود للإعتداء على الأرض التي خدمها أبوه وإخوته منذ الإستقلال، رغم أن العائلة تملك كل الوثائق والعقود التي تعطيها الأحقية في استغلال هذه الأرض منذ الاستقلال، حيث يقول إنه حتى الثورة الزراعية لم تجردهم منها.
وكشف نصر الدين عن مخطط منسق قال إن رئيس البلدية بدأ بتنفيذه، حيث بدأ خطته بمنعهم من زراعتها قمحا أو شعيرا بالقوة، ثم بدأت البلدية في رمي النفايات الهامدة فوق الأرض لإعطاء انطباع بأن الأرض بور، بهدف تمرير مشروع التحصيص الإجتماعي. وفي تطور خطير، كشف محدثنا أن المقاول المكلف بالإنجاز قام بإفساد شبكة الري عنوة، وقطع المياه عن الأشجار، مما جعل 1500 شجرة مهددة بالجفاف بعدما قام بقطع الأنابيب التي تنقل الماء من البئر الارتوازي إلى الأشجار، واصفاً إياها بأنها جريمة أخرى تضاف إلى مجموعة الجرائم.
وأكد نصر الدين أن العائلة تملك كل الوثائق التي تثبت حقها في إستثمار الأرض، بما في ذلك عقود الكراء من مديرية أملاك الدولة في منتصف الثمانينيات، وعقود الحيازة التي تحصلوا عليها لاحقاً ح. واختتم بالقول إنهم قاموا بدق جميع الأبواب محلياً ومركزيا و ولائيا، ورغم المراسلات العديدة من الجهات المركزية، إلا أنه وبتواطؤ من جهات محلية وولائية، لم يتم إحترام قوانين الجمهورية خاصة المتعلقة بحماية الأراضي الفلاحية، متسائلاً عن إستمرار رئيس البلدية في استخدام نفوذه لتجريدهم من الأرض بطرق غير قانونية.
إعتداء على ممتلكات الغير وقناة مياه الشرب الرئيسية
في سياق متصل، كشف التحقيق الميداني الذي أجرته "بركة نيوز" عن تجاوزات أخرى خطيرة، حيث قامت بلدية الزانة البيضاء بضم قطعة أرضية أخرى إلى تحصيص 76 قطعة أرضية، وهي قطعة تابعة لتحصيص إجتماعي قديم يعود إلى سنوات التسعينيات. وحسب مراسلة من الوكالة العقارية لولاية باتنة (حصلت "بركة نيوز" على نسخة منها)، فإن هذه القطعة الأرضية هي ملك لمستفيدين آخرين دفعوا الأقساط واستلموا العقود الخاصة بهم منذ التسعينيات، إلا أن البلدية لم تعر أي اعتبار لهذه الوقائع.
كما وقفت "بركة نيوز" على أن موقع تحصيص 76 قطعة أرضية تمر تحته القناة الرئيسية لتزويد سكان الزانة البيضاء بالمياه الصالحة للشرب، كما يمر فوق هذا التحصيص شبكة الكهرباء ذات الضغط العالي. هذه المعطيات تطرح تساؤلات جادة حول كيفية حصول المشروع على التراخيص اللازمة، ومن الذي أجاز إقامة تحصيص سكني فوق خط أنابيب المياه الرئيسي وتحت خطوط الضغط العالي، في مخالفة صريحة لشروط السلامة والأمان.
نائب رئيس البلدية يفضح اللجنة ويبرئ ذمته
في تطور مواز، وجه نائب رئيس المجلس الشعبي البلدي لبلدية زانة البيضاء تقريراً رسمياً إلى والي ولاية باتنة، يفضح فيه مخالفات خطيرة في عمل اللجنة المكلفة بدراسة ملفات الإستفادة من 76 قطعة أرضية ضمن برنامج التخصيص الإجتماعي، محملاً رئيس المجلس البلدي مسؤولية تجاوزات عدة، ومعلنا رفع يده من أي تبعات قانونية.
وكشف التقرير، الذي تحوز "بركة نيوز" نسخة منه، أن اللجنة تشكلت دون أي محضر رسمي، حيث تم إختيار أعضائها شفهيا من طرف رئيس المجلس البلدي، الذي قام بإعداد "مسودة جاهزة" للمستفيدين دون إشراك أعضاء اللجنة. ومن بين المخالفات التي أوردها نائب الرئيس، أن بعض أعضاء اللجنة قاموا باقتراح أنفسهم أو أحد أقاربهم للإستفادة من القطع الأرضية، في محاولة لتمرير القائمة للمداولة دون التقيد بأي معايير موضوعية. وأكد التقرير على أن عدد الملفات المودعة بلغ 1203 ملفا، وهو عدد يتطلب دراسة معمقة، غير أن اللجنة لم تعمل وفق أي ضوابط مهنية أو قانونية.
وجاء التقرير موجهاً إلى والي باتنة، ووزعت نسخ منه لكل من وزير الداخلية والجماعات المحلية، ورئيس المجلس الشعبي الولائي، وقائد مجموعة الدرك الوطني بباتنة، ورئيس دائرة سريانة، وقائد فرقة الدرك الوطني بثنية السدرة.
تساؤلات تنتظر الإجابات
في الوقت الذي ترفض فيه الدولة اقتطاع أراض فلاحية لإنشاء مستشفى جامعي استراتيجي، نجد بلدية الزانة البيضاء، وبعد أشهر قليلة من إنتهاء عهدة المجالس المحلية، تحول أراض فلاحية خصبة إلى تحصيص إجتماعي بـ 76 قطعة أرضية، متجاوزة تعليمات رئيس الجمهورية، والمراسلات الوزارية، ورفض لجنة المعاينة، وحقوق عائلة فلاحية استثمرت الأرض منذ الإستقلال، وملكية الغير لقطع أرضية ضمن التحصيص، وشبكات المياه والكهرباء الرئيسية.
تطرح "بركة نيوز" جملة من التساؤلات التي تنتظر إجابات شفافة من الجهات المعنية، أبرزها: كيف تمت الموافقة على تحويل أراض فلاحية مصنفة إلى تحصيص إجتماعي دون موافقة مجلس الوزراء؟ وأين كانت مصالح الفلاحة والدائرة والولاية عن هذه التجاوزات؟ ومن أعطى التراخيص لتمرير تحصيص سكني فوق القناة الرئيسية للمياه وتحت خطوط الضغط العالي؟ ولماذا لم تتحرك الجهات الرسمية رغم التقارير المتعددة المقدمة من أعضاء المجلس البلدي؟ وكيف يمكن لمقاول أن يقطع المياه عن 1500 شجرة مثمرة دون تدخل فوري من الجهات المعنية؟ وما سر الإسراع في إنجاز هذا التحصيص قبل أشهر من نهاية العهدة المحلية، وهل له علاقة بتسوية أوضاع أو تمرير قوائم مستفيدين خارج الإطار القانوني؟
"بركة نيوز" تضع هذا الملف بين يدي الرأي العام والجهات القضائية والإدارية المعنية، وتنتظر التحقيق في هذه التجاوزات التي تمثل، إن صحت، اعتداءا صارخاً على القانون والثروة الفلاحية وحقوق المواطنين.

