622

0

بين سحر الصورة وتشويه الذاكرة: قراءة في فيلم "الست"

بقلم: سامية عرموش - إعلامية وباحثة في ثقافة السينما من حيفا

في أول أيام عيد الأضحى المبارك، وبين أجواء العيد وهدوئه، جلستُ لمشاهدة فيلم "الست"، ذلك العمل الذي أثار وما زال يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الفنية والثقافية وعبر منصات التواصل الاجتماعي.

 

 

 

أعادتني التجربة مباشرة إلى ديسمبر الماضي (2025)، حين قدّمتُ محاضرة ثقافية عن كوكب الشرق أم كلثوم، تزامنت بشكل لافت مع العرض التجاري الأول للفيلم وبداية العاصفة النقدية التي رافقته.

وبحكم اهتمامي بالتوثيق الثقافي واشتغالي سابقاً على سيرة "الست" كتابةً ومحاضرات—منذ مقالي المنشور في صحيفة "المدينة" الصادرة في حيفا بتاريخ 8 شباط 2019، مروراً بعدة تدوينات عبر صفحتي الشخصية، وصولاً إلى محاضرتي الأخيرة—وجدتُ نفسي أمام هذا العمل بعين لا تكتفي بالمشاهدة، بل تفتّش في التفاصيل وتختبر صدقية الصورة أمام الذاكرة والتوثيق.

وبعيداً عن الجدل المستهلك حول الشبه الخارجي والملامح، استوقفني أولاً ذلك الجهد البصري الهائل؛ من هندسة الديكور وإدارة الإضاءة إلى زوايا التصوير وتصميم المشاهد، التي بدت وكأنها لوحات سينمائية مشغولة بعناية عالية، قادرة على أسر العين واستحضار زمن كامل بحس جمالي لافت. غير أن هذا الإبهار البصري اصطدم، في المقابل، بمغالطات تاريخية واضحة أربكت كل من يعرف قيمة التوثيق ودقة السيرة.

من أبرز هذه المغالطات مشهد تقديم أم كلثوم دعماً مالياً بقيمة خمسة آلاف جنيه للصحفي محمد التابعي لتأسيس مجلة "آخر ساعة"، وهي الرواية التي نفتها بشكل قاطع ابنته شريفة التابعي، مؤكدة أن والدها أسس مجلته بعصامية كاملة، ومعتبرة أن "التاريخ أصبح مستباحاً". ولم تتوقف المبالغات عند هذا الحد، بل امتدت إلى تصوير أم كلثوم وكأنها أول امرأة تكتب في الصحافة، في تجاهل واضح لرائدات سبقنها بعقود مثل هند نوفل وملك حفني ناصف ومي زيادة ومنيرة ثابت، وغيرهن ممن شققن الطريق مبكراً أمام المرأة العربية في المجالين الصحافي والفكري.

كما لفت الفيلم الانتباه إلى تضمينه أغنية "يا ليلة العيد"، التي غنّتها أم كلثوم لأول مرة ضمن فيلم "دنانير" عام 1939، قبل أن تُضاف إليها لاحقاً عام 1944 مقاطع امتدحت فيها الملك فاروق، لتصبح لاحقاً جزءاً من الجدل المرتبط بعلاقتها بالقصر الملكي والتحولات السياسية في مصر خلال تلك المرحلة.

ورغم هذه السقطات، لا يمكن إنكار ضخامة المشروع وأهميته كعمل سينمائي معاصر يحمل توقيع ثنائي رسّخ حضوره في السينما العربية الحديثة: المخرج مروان حامد والسيناريست أحمد مراد. خمس سنوات تقريباً من البحث والتحضير والإنتاج في عمل شاركت فيه عدة شركات، أبرزها "سينرجي للإنتاج الفني" و"فيلم سكوير" و"فيلم كلينك"، إلى جانب دعم وتمويل مرتبط بمشروعات عرض وإنتاج كبرى من بينها "Big Time". وقد انعكس هذا التنوع في منظومة الإنتاج، إضافة إلى ميزانية قاربت ثمانية ملايين دولار، بشكل واضح على جودة التنفيذ والإخراج البصري.

ولعل من أبرز التقنيات التي ميّزت الفيلم دمج المواد الأرشيفية الوثائقية داخل النسيج الدرامي؛ وهي تقنية تمنح العمل قدراً من الشرعية التاريخية وتخلق جسراً بين المتخيل والواقعي، خصوصاً في المشاهد الكبرى التي يصعب إعادة إنتاجها بالصدق والعفوية نفسيهما، مثل مشاهد الحروب والجنازات الجماهيرية واللحظات الوطنية المفصلية.

غير أن السؤال الأعمق الذي يطرحه الفيلم لا يتعلق فقط بالدقة التاريخية، بل بعلاقتنا نحن كجمهور برموزنا الثقافية.

هل كان ما أزعج الناس فعلاً هو أداء منى زكي؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الفيلم تجرأ على إظهار أم كلثوم كامرأة قابلة للانكسار؟

نحن، في كثير من الأحيان، لا نتعامل مع رموزنا بوصفهم بشراً، بل نحوّلهم إلى أيقونات مقدسة محاطة بهالة مثالية تمنع عنهم الضعف والخطأ والهشاشة الإنسانية. وعندما تأتي السينما لتقترب من تلك المناطق الحساسة—الوحدة، المرض، جرح الكبرياء، الخذلان—يشعر المشاهد وكأن ذاكرته تتعرض للاهتزاز.

وفي هذا السياق تحديداً، يقدّم فيلم "الست" مقاربة تقوم على أنسنة أم كلثوم، التي تحولت عبر العقود بفعل الهالة الأسطورية إلى صورة شبه خارقة تتجاوز البشر العاديين. غير أن الفيلم يقترب منها بوصفها إنسانة كاملة، بكل ما تحمله التجربة البشرية من وحدة وقلق وهشاشة وإهمال للذات. وهذه العناصر، التي قد تُفهم بوصفها مساساً بصورة "الأسطورة"، لا تنتقص منها بقدر ما تعيدها إلى سياقها الإنساني الطبيعي، وتمنحها قرباً أعمق من الجمهور لا ابتعاداً عنه.

فكل واحد منا يمر بلحظات مشابهة؛ لحظات طويلة ومضنية تعكس طبيعتنا البشرية المشتركة. وكما قد تُحجب شمس أحدنا لفترة، فإنها لا بد أن تعود لتشرق من جديد، وربما بقوة أكبر. وأظن أن هذا الجانب تحديداً هو ما أثار انزعاج البعض، دون أن يُتأمل فيه بعمق كافٍ.

السينما، بطبيعتها، تبحث عن الإنسان داخل الأسطورة، بينما يبحث الجمهور عن الأسطورة كما حفظها في وجدانه. وبين هذين المسارين، يقف فيلم "الست" كعمل بصري مبهر وطموح، نجح في صناعة الفرجة السينمائية، لكنه في المقابل ضحّى أحياناً بصرامة التوثيق لصالح الحبكة والإيقاع الدرامي.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services