34
0
علماء الجزائر ينيرون أرجاء العالم
في يوم العلم ...بركة نيوز تسلط الضوء على مسيرة الكفاءات الوطنية

تزخر الساحة العلمية العالمية بحضور جزائري وازن صنعته كفاءات اختارت أن تشق طريقها في أكثر البيئات الأكاديمية تنافسا ، لتفرض أسماءها ضمن نخبة الباحثين والمؤثرين في مسارات الابتكار.
نسرين بوزيان
هذا الحضور لم يعد مجرد امتداد لكفاءات مهاجرة بل تحول إلى قوة علمية فاعلة تسهم في إنتاج المعرفة وصياغة الحلول في مجالات دقيقة واستراتيجية، داخل الجامعات الكبرى ومراكز البحث المتقدمة ، تعكس رصيدا بشريا نوعيا أصبح جزءا من ديناميكية المشهد العلمي العالمي و مشاركا في صناعته لا على هامشه.
إنجاز أول خريطة وطنية لسرعة الرياح
من بين هذه الكفاءات العلمية البارزة تبرز الباحثة قصباجي نشيدة التي تعد من أوائل العالمات الجزائريات اللواتي اقتحمن مجال الطاقات المتجددة في وقت مبكر، قبل أن يكتسب هذا التخصص مكانته الاستراتيجية على المستوى العالمي.
ولدت في 19 نوفمبر 1958 بحي عميروش بالعاصمة، وقد بدت ملامح نبوغها العلمي مبكرا من خلال ذكاء لافت وسرعة استيعاب، وفضول معرفي دفعها منذ طفولتها إلى التساؤل والبحث، ما مهد لتشكل مسار علمي واعد منذ سن مبكر.
التحقت سنة 1964 بمدرسة "العقيد عميروش" بحسين داي خلال مرحلة كانت فيها المنظومة التربوية في طور البناء، ورغم رغبتها المبكرة في الالتحاق بالدراسة في سن الخامسة إلا أن غياب الإمكانيات آنذاك أجل دخولها عاما إضافيا، ومع انطلاق مسارها الدراسي برز تفوقها سريعا حيث لفتت انتباه أساتذتها، لتنتقل مباشرة من السنة الثانية إلى الرابعة ابتدائي.
واصلت الباحثة قصباجي دراستها إلى غاية السنة السادسة لكنها لم تتمكن من الانتقال إلى مرحلة المتوسط رغم اجتيازها امتحان نهاية التعليم الابتدائي، وذلك بسبب اكتظاظ الأقسام وصغر سنها، ما استدعى إعادة السنة السادسة الابتدائية لتتحصل بعدها على الشهادة الابتدائية سنة 1971م، وقبل انتقالها إلى المرحلة المتوسطة، أتيح لها اختيار لغة الدراسة بين العربية أو الفرنسية فاختارت اللغة العربية بدافع الانتماء والاعتزاز.
لتلتحق بثانوية عائشة أم المؤمنين بحسين داي التي كانت تضم مرحلتي المتوسط والثانوي ودرست بها لمدة أربع سنوات، تتلمذت خلالها على يد أساتذة من المشرق العربي في مختلف المواد التعليمية.
في سنة 1974م نالت الباحثة قصباجي شهادة التعليم المتوسط عن جدارة واستحقاق مما سمح لها بالمواصلة في نفس الثانوية في شعبة الرياضيات، لتواصل بعدها مسارها الدراسي بثبات، وتتوج سنة 1978م بحصولها على شهادة البكالوريا بمعدل 12 بتقدير متوسط، وظفرت بالرتبة الأولى من بين الناجحين.
بعد هذا التتويج وبحكم حبها لمادة الفيزياء وتمكنها فيها، اختارت التخصص في الفيزياء، فالتحقت سنة 1978م بقسم الفيزياء في جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا بباب الزوار حيث درست إلى جانب نخبة من الطلبة البارزين، من بينهم البروفيسور مطاوي فاطمة، والبروفيسور راشدي مليكة.
درست الباحثة قصباجي تخصص الفيزياء لمدة ثلاث سنوات ثم انتقلت في السنة الرابعة إلى تخصص ميكانيك الموائع بكلية الفيزياء، لتحصل سنة 1983م على شهادة الدراسات الجامعية العليا.
وبعد هذا التكوين تقدمت للالتحاق بمرحلة الماجستير غير أنها لم تتمكن بسبب ضياع ملف التسجيل وعدم عرضه على المجلس العلمي، ما دفعها إلى التوجه مباشرة إلى مركز المحافظة السامية للبحث للتسجيل في ماجستير الطاقات المتجددة إلا أن فترة التسجيل كانت قد انتهت، تقدمت بطلب إلى مدير التكوين للالتحاق بالمركز رغم اقتراب موعد الامتحان، وتمكنت من التحضير في فترة وجيزة واجتازت الامتحانات بنجاح.
ثم درست من سنة 1983 إلى جوان 1984 الدراسة النظرية ومن بين المواد التي درستها: ميكانيك الموائع، التحول الحراري، والطاقات الشمسية، تحت إشراف البروفيسور بلهامل، مدير محطة تجريبية للطاقات الشمسية.
وبعد ذلك أبرم المركز اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي لإرسال الطلبة في تربصات حسب مواضيعهم البحثية، كانت وجهتها إلى إيطاليا لدراسة الجانب التطبيقي لمدة سنة ونصف، رفقة البروفيسور مرزوق مصطفى الذي اختار نفس موضوع البحث.
في 26 جوان 1986م نوقشت بالجزائر أطروحة الماجستير التي لفت إعلانها انتباه عموم الناس حيث دعي لحضورها عبر الصحف، وقد حملت الأطروحة عنوان: "المساهمة في تحديد الأداءات النظرية والتجريبية لثلاثة مستشعرات في اللوحات الشمسية المسطحة" بالمحافظة السامية للبحث.
وفي سنة 1992 واصلت الباحثة مسارها في البحث العلمي حيث سجلت في مرحلة الدكتوراه رفقة زوجها، وبعد قبولهما في جامعتين فرنسيتين متباعدتين جغرافيا اختارت الباحثة التنازل عن منصبها من أجل التفرغ لتربية ابنها.
كما عرفت الباحثة قصباجي بحبها للفنون اليدوية خاصة ملحقات التزيين والمجوهرات ، الطرز ولوحات الموزاييك، وخياطة الملابس، وأعمال الرزين، وقد أصبحت هذه الهواية جزءا أساسيا من حياتها، تمارسها في أوقات فراغها بعد أن تعلمتها على يد والدتها التي كانت أول من غرست فيها هذا الشغف.
مباشرة بعد تخرجها التحقت الباحثة بمحطة التجريب الشمسية كانت أولى مهامها تثبيت حاسوب مهدى من منظمة اليونسكو للمركز، وقد تولت إلى جانب زوجها مصطفى مرزوق والأستاذ بوحجار مهمة نقله وتشغيله داخل محطة التجريب بنجاح.
في سنة 1990 قدمت الباحثة قصباجي ملفا للانتقال من باحثة مشاركة إلى رتبة مسؤولة بحث رفقة أربعة من زملائها من بينهم زوجها، غير أن ملفها تم رفضه بحجة تشابه نشاطها العلمي مع نشاط زوجها وهو ما اعتبرته قرارا غير منصفا، أمام هذا الوضع لجأت الباحثة إلى الطعن لدى المحافظة السامية للبحث ، ليعاد النظر في القرار وتمنح الترقية إلى رتبة مسؤولة بحث بعد إنصافها.
اختارت الباحثة بعد ذلك إعادة توجيه مسارها المهني بشكل مستقل، قررت الانفصال عن العمل المشترك مع زوجها داخل فرع الطاقات الحرارية، وتقدمت بطلب إلى مدير المركز الذي اقترح عليها الالتحاق بفرع طاقات الرياح وتأسيس فريق بحث سنة 1992.
ومن أجل دعم هذا التوجه الجديد باشرت دراسة الإعلام الآلي لربطه بمجال تخصصها وعملت على تطوير أنظمة المعلومات الخاصة بقطاع طاقات الرياح، ثم ساهمت في إنشاء قاعدة بيانات خاصة بالمغرب العربي.
واصلت الباحثة نشيدة قصباجي مسارها العلمي و أعدت أول خريطة للجزائر في طاقات الرياح سنة 1994م، وفي سنة 2000م أنجزت أول خريطة لسرعة الرياح في الجزائر، موضحة فيها المناطق ذات الإمكانات الطاقوية الكبيرة لاستغلال الرياح وإمكانية إقامة محطات إنتاج الطاقة، وقد برزت ولاية أدرار كأول منطقة مناسبة لذلك.
وخلال الفترة ما بين 2003 و2007م، أصبحت الباحثة مسؤولة عن فرع طاقات الرياح بالمركز ،وعملت على إعداد خريطة دقيقة للجزائر من خلال تتبّع القياسات التفصيلية في مختلف البلديات والولايات، بالاعتماد على برنامج خاص بقياس سرعة الرياح وتدربت بشكل فردي على استخدام هذا البرنامج لمدة ثلاث سنوات كاملة، ما مكنها لاحقا من تحديد المكامن الطاقوية بدقة واستخراج كميات الطاقة الكهربائية الممكن إنتاجها، كما تعاملت مع شركة سونلغاز لتكوين أعضائها على كيفية استخدام هذا البرنامج، وكانت من نتائج هذا التعاون أن قامت الشركة بتركيب محطات طاقوية في ولاية أدرار.
وقد شغلت الباحثة قصباجي لاحقا منصب مسؤولة فرع طاقة الرياح ورئيسة المجلس العلمي بمركز الطاقات المتجددة لمدة سنة ونصف، ثم تولت رئاسة وحدة تنمية الأجهزة الشمسية ببوسماعيل ، قبل أن تلتحق بميدان الطاقات الحرارية حيث عملت رفقة فريقها على إنتاج الطاقة الكهربائية باستخدام الألواح الكهروضوئية.
من سنة 2019 إلى يومنا هذا، تشغل الباحثة منصب بروفيسور في جامعة البليدة بكلية الطاقات المتجددة وقد أشرفت على أطروحة دكتوراه الطالب “حسان بوكلي” في جامعة وهران، بمرافقة الأستاذ “لوكارفي “ كمشرف مساعد لتفادي حالة رفض سابقة باعتبارها أستاذة من جامعة أخرى.
ويعد الطالب حسان بوكلي من أوائل الحاصلين على دكتوراه في طاقة الرياح وهو يشغل حاليا منصب مسؤول بالمدرسة العليا للإلكترونيك بجامعة تلمسان، كما أشرفت الباحثة على مناقشة أكثر من 15 مذكرة ماستر، و3 رسائل ماجستير، و11 أطروحة دكتوراه.
وبعد عودة زوجها من فرنسا سنة 1997م، بدأت الباحثة سنة 1998م التحضير لنيل الدكتوراه، إلى غاية مناقشتها سنة 2006م بجامعة تلمسان.
أما عن أبرز إنجازاتها، قد قامت خلال الفترة ما بين 1986م و1990م بصناعة جهاز استقبال شمسي مسطح داخل ورشة عمل، أطلق عليه اسم "أول نموذج مبدئي" ومن أجل اختبار فعاليته قامت بجلب الخطة التجريبية من معهد إيطاليا، كما أنجزت جهازا لتسخين المياه بالطاقة الشمسية، إضافة إلى مشروع في حمام ريغة يهدف إلى استغلال حرارة المياه الجوفية في تدفئة البيوت.
من بين المشاريع التي أولتها أهمية كبيرة مشروع "محطات الطاقة الشمسية على الطريق السريع" خلال الفترة ما بين 2016 و2019م حيث كانت أول محطة تم تزويدها بالألواح الشمسية محطة اسطاوالي بالعاصمة بالتعاون مع شركة نفطال سنة 2000م، ما دفع الشركة لاحقا إلى تعميم تزويد محطات البنزين بالألواح الشمسية.
كما كانت أول محطة على الطريق السريع تزود بالطاقة الشمسية هي محطة ولاية سطيف، لتتبعها لاحقا تسع محطات أخرى استفادت من هذا النموذج في إنتاج الطاقة الكهربائية، وقد تم تركيب الألواح الشمسية في أربع محطات مختلفة شملت محطة تيبركانين على الطريق السريع، ونقوسة بورقلة، وإسكرام منذ سنة 2007، إضافة إلى أدرار.
في سياق المشاريع التطبيقية، أنجزت مشروعا في مجال تجفيف المنتجات عبر استغلال نفايات الفواكه والخضر القادمة من المصانع الغذائية وتجفيفها بالطاقة الشمسية ثم تحويلها إلى غذاء موجه للدواجن، وعملت سنة 2013 على مشروع تهوية الحمامات المعدنية باستخدام الطاقة الشمسية.
وتمتلك الباحثة قصباجي تسع براءات اختراع وطنية أنجزت خلال عامين داخل وحدة تنمية الطاقات الشمسية، كما تم تكريمها من طرف مؤسسة "وسام العالم الجزائري" سنة 2022م تقديرا لجهودها وإسهاماتها العلمية.
أول من ربط الجزائر بشبكة الإنترنت

على مسار موازي لمسارات الكفاءات العلمية الجزائرية في الخارج، يبرز البروفيسور منتالشة يوسف كأحد أعمدة العلم في الجزائر ومن أوائل الحاصلين على دكتوراه الدولة في الفيزياء، وأحد الرواد الذين أسسوا فعليا لبنية الإعلام الآلي في البلاد بعد الاستقلال في مرحلة كانت فيها الجزائر بصدد بناء منظومتها الجامعية والعلمية من الصفر تقريبا.
ولد البروفيسور منتالشة يوسف في 27 نوفمبر 1934 بولاية البليدة، برزت ملامح النبوغ العلمي منذ سنواته الأولى إذ تمكن وهو في سن الحادية عشرة من اجتياز امتحان الالتحاق بالمرحلة الثانوية، غير أن الظروف الاجتماعية والمادية الصعبة حالت دون استمراره في التعليم الثانوي، ما دفعه إلى التوجه نحو التكوين التقني، ثم واصل مساره العلمي لاحقا واجتاز امتحان البكالوريا شعبة الرياضيات والتكنولوجيا بتقدير جيد، وهو ما فتح أمامه آفاق الدراسة في مجال الطيران والتقنيات الدقيقة.
غير أن اندلاع الثورة التحريرية سنة 1954 شكل نقطة تحول حاسمة غيّرت مسار حياته بالكامل، كما غيرت مسارات جيل كامل من الطلبة الجزائريين آنذاك.
وبسبب نشاطه وعلاقته بحركات التحرر الوطني ضد الاحتلال الفرنسي ، اضطر إلى مغادرة الجزائر سرا أواخر سنة 1954 نحو فرنسا حيث بدأت مرحلة جديدة من مساره جمعت بين الدراسة والعمل والنشاط السياسي في آن واحد، وعمل في مدينة مرسيليا أستاذ الرياضيات والفيزياء في مراكز التكوين، كما خاض تجربة في الصحافة الرياضية من خلال إنجاز حوارات وتقارير مع رياضيين من شمال إفريقيا لصالح صحف محلية.
في الوقت ذاته واصل دراسته الجامعية بكلية العلوم في فرنسا، غير أنه تعرض لمضايقات بسبب نشاطه السياسي انتهت بمتابعته واعتقاله سنة 1958 حيث قضى عدة أشهر في السجن بين مرسيليا وباريس، قبل أن يوضع تحت الإقامة الجبرية في تجربة أثرت بشكل كبير على مساره الشخصي والفكري.
ومع تصاعد أحداث الثورة تمكن من مغادرة فرنسا سرا سنة 1960، متنقلا عبر سويسرا وألمانيا وإيطاليا وصولا إلى تونس حيث التحق بإطارات جبهة التحرير الوطني ضمن جهاز وزارة التسليح والاتصالات العامة، وأسهم في تكوين الكوادر الجزائرية في مجال الاتصالات والإذاعة في مرحلة كانت فيها الجزائر بحاجة ماسة إلى بناء جهاز إداري وتقني استعدادا للاستقلال.
في سنة 1969 قدم البروفيسور منتالشة مقترحا متكاملا لإنشاء مركز وطني للإعلام الآلي الذي أصبح لاحقا النواة الأولى للمدرسة الوطنية العليا للإعلام الآلي، وقد تبنت الدولة هذا المشروع وأشرفت عليه بشكل مباشر وتم تدشينه سنة 1969 بواد السمار بحضور الرئيس الراحل هواري بومدين.
عمل البروفيسور على بناء مؤسسة وطنية غير مرتبطة بالعاصمة فقط بل تستقطب الطلبة من مختلف الولايات، مع توفير الإقامة والتكوين الأساسي وكانت الانطلاقة في ظروف صعبة ، من قاعات بسيطة ووسائل محدودة، قبل أن يتحول المعهد إلى قطب علمي إقليمي يستقطب طلبة من إفريقيا، ويؤسس لنخب علمية شغلت لاحقا مناصب في مؤسسات عالمية.
تقلد البروفيسور منتالشة خلال مساره المهني عدة مناصب علمية وإدارية، من بينها مدير التكوين والبحث بالمحافظة الوطنية للإعلام الآلي، ثم مسؤول برامج دولية في اليونسكو، ورئيس لوحات الابتكار التكنولوجي، إلى جانب عمله مستشارا وخبيرا لدى الاتحاد الأوروبي والمكسيك وعدد من الدول.
وقد شارك في تطوير برامج الإعلام الآلي في دول عديدة من بينها المغرب وتونس والسنغال وموريتانيا، كما ساهم في تحديث أنظمة التعليم والتكنولوجيا في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، ما جعله أحد الفاعلين في الديناميكية الدولية لبناء مجتمع المعلومات.
كما شارك البروفيسور في مؤتمرات علمية كبرى بالولايات المتحدة الأمريكية والصين ،و تولى عضوية مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بين 1966 و1969، كما واصل ارتباطه الوثيق بالجزائر من خلال الإسهام في مشاريع وطنية كبرى، من بينها إدخال الإنترنت إلى الجزائر سنة 1993 عبر ربط تقني مع مركز بيزا في إيطاليا، إضافة إلى مساهمته في تطوير مشاريع البريد والخطوط الجوية الجزائرية.
وتولى البروفيسور مناصب مؤسساتية مهمة أيضا من بينها تأسيس وإدارة المحافظة الوطنية للإعلام الآلي من 1970 إلى 1981، ثم قيادة برامج حكومية ودولية كبرى إلى غاية منتصف التسعينيات، كما عرف باهتمامه الكبير بتكوين الكفاءات حيث أشرف على برامج تكوين واسعة وفتح المجال أمام الطلبة الأفارقة للدراسة في الجزائر، مما جعل المدرسة التي ساهم في تأسيسها محطة أساسية لتكوين كفاءات التحق عدد منها لاحقا بشركات عالمية كبرى مثل جوجل وإنتل.
توجت مسيرته العلمية والعملية بعدة تكريمات أبرزها وسام "العالم الجزائري" سنة 2022، إلى جانب العديد من التكريمات الوطنية والدولية اعترافا بإسهاماته في بناء منظومة الإعلام الآلي وتطوير البحث العلمي في الجزائر.
صاحب الألف اختراع

بعد المسار العلمي المتميز للبروفيسور منتالشة يوسف وإسهاماته البارزة في تأسيس وتطوير منظومة الإعلام الآلي في الجزائر، يبرز اسم جزائري آخر فرض حضوره بقوة على الساحة الدولية، هو البروفيسور حبة بلقاسم أحد أبرز رواد الابتكار في مجالات الإلكترونيات الدقيقة والرقائق الذكية وتكنولوجيا النانو.
وينظر إليه اليوم كأحد أكثر العلماء إنتاجا على مستوى العالم من حيث براءات الاختراع، وهو ما جعله يلقب بـ"صاحب الألف اختراع" نظرا إلى حجم مساهماته العلمية وتنوعها عبر عقود من البحث والتطوير داخل كبرى الشركات والمراكز العلمية الدولية.
ولد بلقاسم حبّة سنة 1957 بمدينة المغير بولاية وادي سوف في بيئة بسيطة لم تمنعه من تحقيق التفوق الدراسي، التحق بالمدرسة الابتدائية "علي خليل" سنة 1963 وقد تميز بتفوق واضح في مادة الرياضيات إذ كان ينهي التمارين بسرعة لافتة وبحلول دقيقة.
بعد حصوله على الشهادة الابتدائية واصل البروفيسور تعليمه في المرحلة المتوسطة حيث درس على يد أساتذة جزائريين وأجانب، ما أتاح له تنوعا في أساليب التكوين خاصة في مادة الرياضيات التي كانت نقطة قوته الأساسية، وفي سنة 1973 نال شهادة التعليم المتوسط، ثم التحق بثانوية "الأمير عبد القادر" بتقرت في شعبة الرياضيات حيث ازداد شغفه بالعلوم الدقيقة داخل بيئة تعليمية تنافسية.
مكنه حصوله على شهادة البكالوريا من الالتحاق بقسم الفيزياء بجامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا بباب الزوار سنة 1976، ضمن نخبة من الطلبة الذين أصبحوا لاحقا من أبرز الكفاءات العلمية داخل الجزائر وخارجها، وهو ما أسهم في صقل مساره الأكاديمي وترسيخ توجهه العلمي.
وبعد تخرجه حصل البروفيسور حبّة على منحة للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1980، فالتحق بجامعة "ستانفورد" بولاية كاليفورنيا وهي واحدة من أرقى الجامعات العالمية حيث نال شهادتي ماجستير في الفيزياء التطبيقية وهندسة المواد الصلبة، ثم حصل على شهادة الدكتوراه سنة 1988 في مجال الطاقة الشمسية.
في مرحلة لاحقة انضم إلى مركز البحث التابع لشركة ٠آي بي إم" وكلف بحل مشكلات تقنية معقدة تتعلق بالأقراص الصلبة، وبعد عامين من البحث تمكن رفقة فريقه من التوصل إلى استخدام تقنية أشعة الليزر لإصلاح الأعطاب الدقيقة وهو إنجاز شكل أولى براءات اختراعه وفتح أمامه مسارا عالميا في مجال الابتكار الصناعي.
ورغم العروض المغرية التي تلقاها رفض الانتقال إلى شركات كبرى في البداية ،واختار العودة إلى الجزائر سنة 1990 حيث التحق بجامعة "محمد خيضر" ببسكرة أستاذا محاضرا لرغبته في نقل خبرته العلمية إلى الداخل، غير أن الظروف الأمنية ونقص الإمكانيات البحثية في تلك الفترة اضطرته إلى مغادرتها سنة 1991 نحو اليابان ليلتحق بشركة "إن إي سي" بمدينة كاواساكي.
وشكلت تجربته في اليابان محطة علمية مفصلية إذ أسس مختبرا بحثيا متقدما وشارك في تطوير حلول تكنولوجية في مجال الإلكترونيات الدقيقة، ما عزز مكانته داخل مجتمع البحث الصناعي الياباني المعروف بدقته العالية ومعاييره الصارمة.
ليعود بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية ويلتحق بشركة "تيسيرا" حيث قاد فريقا بحثيا مختصا في تطوير الشرائح الإلكترونية الذكية خاصة تلك المستخدمة في الهواتف المحمولة، وهو ما ساهم في تقليص حجم الأجهزة الإلكترونية وتحسين أدائها بشكل كبير.
وخلال مسيرته العلمية، تمكن البروفيسور حبّة من تسجيل أكثر من 500 براءة اختراع في الولايات المتحدة، وأكثر من 1500 براءة اختراع عالميا بالتعاون مع شركات كبرى مثل "تيسيرا" و"إكسبير"، ليصبح أحد أكثر المخترعين إنتاجا على مستوى العالم، ويحصد لقب "مخترع العام" لعدة سنوات متتالية بين 2004 و2007.
كما أسس عدة شركات تكنولوجية رائدة من بينها شركة "سيليكون بايب كوربوريشن" التي تخصصت في تطوير حلول إلكترونية متقدمة، قبل أن تستحوذ عليها شركة "سامسونغ" وأطلق لاحقا شركة "رامبوس" التي ركزت على تطوير تقنيات الذاكرة والأنظمة الرقمية.
وساهم أيضا في مشاريع كبرى لصالح شركات عالمية مثل "غوغل" من خلال تحسين أداء أنظمة معالجة البيانات وتسريع عمليات البحث، ولا يزال البروفيسور حبّة يواصل نشاطه البحثي ضمن شركة "إكسبيري" إلى جانب اهتمامه بنقل خبراته إلى الجزائر عبر مشاريع تعاون علمي وتكنولوجي في إطار دعم الابتكار المحلي وربط البحث العلمي بالصناعة.
وقد تم إدراج اسمه ضمن قائمة أفضل 100 مخترع في العالم لسنوات متتالية منذ 2008 وهو تصنيف عالمي يعتمد على التأثير العلمي والابتكار المستمر، ما جعله ضمن نخبة العقول المؤثرة عالميا.
وتكريما لمسيرته العلمية نال عدة أوسمة رفيعة، من بينها وسام الاستحقاق الوطني بدرجة عشير سنة 2021 من طرف رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، إضافة إلى وسام "العالم الجزائري" سنة 2015 تقديرا لإسهاماته في الابتكار والتكنولوجيا.
ورغم هذا النجاح العالمي، لا يزال حلمه الأكبر مرتبطا بالجزائر حيث يؤكد باستمرار رغبته في إنشاء مخبر علمي بمعايير عالمية داخل الوطن يكون منصة لتكوين الباحثين ونقل التكنولوجيا، معتبرا أن هذا المشروع هو الإنجاز الحقيقي الذي يطمح لتحقيقه.
مسار علمي متميز في خدمة الطب الحديث

بعد المسار العلمي الحافل للبروفيسور حبّة الذي تألق في مجالات التكنولوجيا والابتكار الصناعي على المستوى العالمي، يبرز اسم البروفيسور إلياس زرهوني الذي تمكن بدوره أن يحقق حضورا لافتا في كبرى المؤسسات العلمية الدولية، حتى لقب من قبل العديد من العلماء بـ"حكيم الصحة" تقديرا لإسهاماته في تطوير الطب الحديث.
ولد إلياس زرهوني سنة 1951 بولاية تلمسان، قبل أن تستقر عائلته لاحقا بالعاصمة الجزائر حيث نشأ وتلقى تعليمه، وقد تميز منذ سنواته الأولى بتفوق علمي لافت أهّله للالتحاق بكلية الطب بجامعة الجزائر التي تخرج منها طبيبا سنة 1975.
غادر الجزائر نحو الولايات المتحدة الأمريكية للالتحاق بجامعة جونز هوبكنز، حيث تخصص في التصوير الإشعاعي وتطبيقاته في التشخيص الطبي، وهو المجال الذي بدأت فيه ملامح مسيرته الأكاديمية بالظهور إذ عين سنة 1978 أستاذا مساعدا ثم واصل تقدمه العلمي داخل الجامعة بوتيرة متسارعة، وخلال سنوات الثمانينيات التحق بقسم الطب الإشعاعي بولاية فرجينيا الشرقية حيث ركز على تطوير أساليب الكشف المبكر عن السرطان عبر التصوير الطبي في وقت كانت هذه التقنيات لا تزال في مراحلها الأولى من التطور، ما ساهم في تحسين تقنيات التصوير المجسم معتمدا على توظيف معارفه في الفيزياء والرياضيات لرفع دقة التشخيص.
مع عودته إلى جامعة جونز هوبكنز واصل مساره الأكاديمي، تم تعيينه أستاذا سنة 1992، ثم رئيسا لقسم الطب الإشعاعي سنة 1996 ليتدرج بعدها إلى مناصب قيادية عليا شملت نائبا تنفيذيا للعميد ثم عميدا للأبحاث والشؤون السريرية، ما رسخ مكانته كأحد أبرز رواد الطب الإشعاعي عالميا.
وبالتوازي مع نشاطه الأكاديمي يمتلك البروفيسور زرهوني رصيدا علميا بارزا شمل أكثر من 157 بحثا محكما وثماني براءات اختراع في مجال التصوير الطبي، ومن أبرز إسهاماته تطوير تقنيات تعتمد على صور السكانير لقياس نسبة الكالسيوم في الأنسجة، ما ساهم في تحسين دقة تشخيص الأورام وتقليل الحاجة إلى التدخل الجراحي في العديد من الحالات، إضافة إلى تطوير أنظمة متقدمة لرفع جودة الصور الطبية.
كما تولى مناصب استشارية رفيعة من بينها مستشار علمي لدى البيت الأبيض ومنظمة الصحة العالمية، قبل أن يعين سنة 2002 مديرا عاما للمعاهد الوطنية للصحة بالولايات المتحدة وهي أكبر هيئة بحثية طبية حيث أشرف على شبكة واسعة من المراكز والبرامج العلمية.
ولم يقتصر حضوره على البحث الأكاديمي بل امتد إلى مجال الابتكار وريادة الأعمال من خلال مشاركته في تأسيس عدة شركات في القطاع الصحي، كما عزز مكانته الدولية باختياره مستشارا علميا للرئيس الأمريكي باراك أوباما وتعيينه مبعوثا خاصا للعلوم والتكنولوجيا إلى الشرق الأوسط.
وتقديرا لمسيرته العلمية نال البروفيسور زرهوني عددا من الأوسمة والتكريمات الدولية أبرزها وسام " فارس جوقة الشرف" من فرنسا سنة 2008، إلى جانب دكتوراه فخرية من جامعتي الجزائر وجونز هوبكنز.
وعلى المستوى الوطني، شغل منصب مستشار خاص لدى الوكالة الوطنية للأمن الصحي، كما حظي باستقبال من رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون سنة 2025، في إطار تعزيز التعاون في مجالات البحث العلمي والصحة ونقل التكنولوجيا.
رائد عالمي في تطوير بطاريات الليثيوم

لا يقتصر الحضور الجزائري على مجال الطب فحسب بل يمتد إلى مجالات استراتيجية أخرى، في مقدمتها الطاقة وتكنولوجيات المستقبل حيث يبرز البروفيسور كريم زغيب كأحد أبرز روادها على المستوى العالمي، من خلال إسهاماته في تطوير تقنيات تخزين الطاقة والبطاريات المتقدمة لاسيما بطاريات "ليثيوم-أيون" والجيل الجديد من البطاريات الصلبة.
وينطلق البروفيسور زغيب إلى هذا المشهد العلمي الدولي من خلفية أكاديمية صلبة إذ نشأ في ولاية قسنطينة، المدينة التي تجمع بين العمق التاريخي والبعد الثقافي والعلمي، قبل أن يشق طريقه نحو مسار أكاديمي دولي اتسم بالتدرج والانفتاح على أبرز المدارس العلمية في العالم وقد عرف بتفوقه في العلوم الدقيقة، ما فتح أمامه أفاقا بحثية واسعة عبر محطات علمية متعددة.
واصل تكوينه الأكاديمي في مرحلة الدراسات العليا بفرنسا وتحصل درجتي الماجستير والدكتوراه في الكيمياء الكهربائية من جامعة "بوليتكنيك" بمدينة غرونوبل خلال سنتي 1987 و2001، كما تحصل على شهادة التأهيل في الفيزياء ودرجة الأستاذية من جامعة "السوربون" وقد شكلت هذه المرحلة منعطفا مهما في مساره العلمي لاسيما في مجال علوم الدقيقة والطاقة.
ثم انتقل البروفيسور زغيب إلى اليابان حيث التحق بـ"معهد أوساكا القومي للأبحاث" لمدة ثلاث سنوات، كما عمل باحثا زائرا مع وزارة الاقتصاد الدولي والصناعة خلال الفترة الممتدة من 1993 إلى 1995، وقد أتاح له هذا المسار الاندماج في بيئة بحثية متقدمة، مكنه من اكتساب خبرة دقيقة في تصنيع وتطوير المواد الموجهة لبطاريات "ليثيوم-أيون" داخل أحد أكثر المراكز العلمية تطورا على المستوى العالمي.
في سنة 1995 التحق البروفيسور بمعهد "هيدرو كيبيك في كندا وكان من أوائل الباحثين الذين ساهموا في تأسيس أبحاث بطاريات الليثيوم-أيون داخل المؤسسة، ثم تدرج في مساره المهني داخل هذا الصرح البحثي إلى أن تولى سنة 2017 رئاسة مركز التميز في كهربة النقل وتخزين الطاقة، مشرفا على فريق بحثي دولي يضم أكثر من مائة باحث من ست عشرة جنسية.
وبالتوازي مع نشاطه البحثي يواصل البروفيسور زغيب حضوره الأكاديمي أستاذا محاضرا في جامعة "ميغيل" الكندية حيث يساهم في تأطير جيل جديد من الباحثين في مجال البطاريات المتقدمة.
على صعيد الإنتاج العلمي يعد البروفيسور زغيب من الأسماء البارزة في هذا المجال إذ يمتلك رصيدا بحثيا لافتا يتمثل في 550 براءة اختراع، و60 ترخيصا و420 مقالة علمية محكمة إضافة إلى 22 دراسة علمية نشرت إما بشكل فردي أو بالشراكة مع باحثين دوليين.
كما أسهمت أبحاثه في رفع أداء هذه البطاريات بما أتاح بلوغ مدى قيادة يصل إلى 800 كيلومتر في الشحنة الواحدة، إلى جانب تحسين قدرات تخزين الطاقة وإعادة توظيف الفائض منها في الاستخدامات المنزلية.
جرى تعيينه مؤخرا مستشارا استراتيجيا لدى مؤسسة "كيبيك أنفيستيسمون" في مقاطعة كيبيك، كما يتولى البروفيسور زغيب منذ عام 2017 رئاسة مركز التميز في مؤسسة "هيدرو كيبيك" إحدى أكبر المؤسسات العالمية في إنتاج الكهرباء عبر الطاقة المائية.
وقد حظي البروفيسورزغيب خلال مسيرته بعدة تكريمات علمية مرموقة تقديرا لإسهاماته في قطاع الطاقة ودوره في دعم التحول نحو الحياد الكربوني عالميا أبرزها إدراجه ضمن قائمة "كلاريفيت أناليتكس" لأهم العقول العلمية تأثيرا في العالم لثلاث سنوات متتالية (2015 و2016 و2017)، وتوج سنة 2019 بجائزة "ليونيل بوليه"، ونال سنة 2025 وسام " ضابط في وسام كندا"وهو من أعلى الأوسمة المدنية في البلاد.
كما حافظ البروفيسور على ارتباطه بوطنه الأم حيث عبر في أكثر من مناسبة عن استعداده لنقل خبرته والمساهمة في تطوير صناعة بطاريات الليثيوم محليا ضمن مشاريع تعاون علمي وتكنولوجي.
وقد شكل لقائه مع رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون في الثامن من أفريل الماضي محطة بارزة حيث ناقش معه "مشاريع ملموسة" لإطلاق صناعة بطاريات الليثيوم في الجزائر، بالشراكة مع وزارة الطاقة ومجمع " سوناريم" في خطوة تعكس توجها نحو إدماج الجزائر في سلاسل القيمة العالمية للطاقة المستقبلية.
ختاما يتضح جليا من خلال هذا المشهد العلمي المضيء أن الكفاءات الجزائرية في المهجر ليست مجرد أسماء لامعة في سجلات الجامعات ومراكز البحث العالمية بل هي روافد حقيقية لمدرسة علمية ممتدة، استطاعت أن تفرض حضورها في أكثر البيئات تنافسية ودقة، وأن تسهم بفعالية في إعادة تشكيل مسارات البحث العلمي على المستوى الدولي.

