29
0
إطعام عابر السبيل مظهر من مظاهر التكافل والتآزر في الشهر الفضيل
ارتسمت بمطعم إفطار الصائم بجسر قسنطينة

يُشكّل إطعام عابر السبيل في الجزائر سلوكًا اجتماعيًا متأصّلًا في الثقافة الشعبية، يجمع بين التعاليم الدينية والعادات المتوارثة، فالجزائريون بطبعهم يُعرفون بحسن الضيافة، ويعتبر إكرام الغريب عندهم واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون مجرد تصرف اختياري، وهو ما تأكد لنا بمطعم عابر السبيل بجسر قسنطينة بالعاصمة.
مريم بعيش
يحظى عابر السبيل بمكانة واضحة في مجتمعنا، وينعكس ذلك في سلوك المجتمع الجزائري عبر مختلف ربوع الوطن، سواء في المدن أو القرى أو حتى في المناطق الصحراوية، حيث كان المسافر يجد المأوى والطعام دون سؤال أو مقابل، وخلال شهر رمضان، تتجلى هذه القيمة بأوضح صورها، إذ تنتشر موائد الرحمن في المساجد والساحات العمومية وعلى جوانب الطرقات، خصوصًا في المدن الكبرى مثل الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة.
تُقام هذه الموائد بمبادرات من جمعيات خيرية ومحسنين، حيث يُدعى إليها الصائمون من عابري السبيل والعمال والطلبة وغيرهم ممن أدركهم وقت الإفطار خارج بيوتهم، أو حتى في الطريق السريع، ولا يقتصر الأمر على رمضان فقط، بل يمتد طوال السنة، خاصة في القرى والمناطق الداخلية، حيث ما يزال تقليد "الضيف حبيب الله" قائمًا، ففي بعض المناطق، يُعتبر من العيب الاجتماعي أن يبيت غريب جائعًا أو دون مساعدة.
هذه القيم تعزز الروابط الاجتماعية وتُشعر الفرد بالأمان والانتماء، حتى وإن كان بعيدًا عن أهله، فإطعام عابر السبيل في الجزائر ليس مجرد ممارسة خيرية، بل هو تعبير عن هوية جماعية تقوم على التضامن والتكافل، وفي ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة، تبقى هذه المبادرات دليلًا على أن روح التآزر لا تزال حية في المجتمع الجزائري، وأن قيم الكرم والإحسان ما زالت راسخة في الوجدان الشعبي.
مطعم الرحمة بجسر قسنطينة: يستقبل أكثر من 300 عابر سبيل يوميا
لندعم موضوعنا حول إطعام عابر السبيل، توجهت "بركة نيوز" إلى أحد مطاعم الرحمة المنتشرة بالجزائر العاصمة، وبالتحديد ببلدية جسر قسنطينة، أين وجدنا فريقا من أشخص اختلفت أعمارههم من الرجال والنساء منهمكين بالتحضير للإفطار ولكل منهم مهمة عكف على أدائها.
من بين المتطوعين لإعداد الإفطار خالتي نورة التي كانت تحضر طبق "الشوربة" و"الدولمة" و"اللحم الحلو"، إلى جانب ابنتها سعاد التي تكفلت بالسلطة وتقطيع الخبز، اقتربنا منهما فأطلعتنا خالتي نورة أنها اختارت التطوع هذه السنة للطهي للمعوزين وعابري السبيل مرددة عبارة: "يا سعدك يا فاعل الخير واش راح ندو معانا" وأخبرتنا أنها وابنتها يوميا تحضران للمطعم من أجل الطهي والمساعدة في إفطار عابري السبيل.
يونس ومحمد شابان جامعيان كانا يقومان بتحضير الموائد ووضع الأطباق والتمر وقارورات المياه وبدا عليهما نشاط لا مثيل له، وعند سؤالنا قال يونس إنه منذ وأن توفي والده قرر التطوع في مطاعم الرحمة مثلما كان يفعل، ويحثه دائما على فعل ذلك، وهو الذي أقنع صديقه للالتحاق بالعمل الخيري.
وأمثال خالتي نورة والشابان آخرون كثر تشاركت جهودهم لهدف واحد وهو إطعام المعوزين وعابري السبيل وممن رفع آذان المغرب عليهم وهم لا يزالون في الطريق يحرصون على صنع أجواء عائلية تنسي كل من يقصد المطعم للإفطار أنه بعيد عن ذويه وقد تم تخصيص شاشة تلفاز عملاقة لعرض الأعمال الرمضانية أثناء الفطور.
طلبنا لقاء صاحب المطعم وكان ذلك صعبا لأنه يرفض الظهور ويحرص أن يبقى عمله خيريا وفقط، علمنا منه أن مطعمه هو قاعة ولائم سائر أشهر السنة، وفي رمضان اعتاد على تحضير موائد إفطار للصائمين من عابري السبيل والمحتاجين ويقوم باستقبال 300 صائم يوميا طيلة شهر رمضان وهو جد سعيد لذلك.
وفيما يخص التمويل علمنا من صاحب المطعم أنه يتكفل بمصاريف الإفطار شخصيا ماعدا الماء الذي يتبرع به محسن آخر من المنطقة، وعن المتطوعين أخبرنا أن هناك فريقا متكاملا يتزايد في كل مرة، فحتى بعض عابري السبيل اختاروا التطوع وخدمة بعضهم البعض.

