900

0

الحرف التقليدية في القصبة...إرث يصارع الزمن من أجل البقاء

بواسطة: بركة نيوز

في جولته بأزقة حي القصبة العتيق، رصد طاقم بركة نيوز استمرار الحرف التقليدية نابضة بالحياة رغم التحديات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، ما يعكس إصرار الحرفيين على مواصلة إرث أجدادهم والتمسك بروح الحرفة وعراقتها عبر الأجيال.

نسرين بوزيان 

ومن خلال هذه الأزقة، تتجسد قصص حرفيين ورثوا المهنة عن آبائهم واختاروا الاستمرار فيها رغم التحولات التي يشهدها العصر، إذ تتنوع الحرف في الحي بين صناعة الأحذية، وتصليح الأجهزة الكهربائية، وتزيين أواني النحاس، وتحمل كل حرفة قصة فريدة تظهر شغف أصحابها بالحفاظ على التراث والمهارة اليدوية، مؤكدين أن الحرف التقليدية ليست مجرد عمل يومي، بل هي إرث يربط الماضي بالحاضر ويضمن استمرارية المهارة عبر الأجيال.

 

دقة وصبر الصانع التقليدي


في ورشة صغيرة، يركز الحرفي مسعود على تشكيل قطعة جلد بعناية في مشهد يوضح دقة العمل وصبر الصانع التقليدي، فالحرفة التي يمارسها تمثل إرثا طويلا، إذ تعلمها عن والده منذ الصغر واستمر في تطويرها على مدى أكثر من عشرين سنة، مع متابعة مستمرة لتغير الأدوات والأساليب واختيار المواد الأولية.
ويوضح مسعود أن صناعة الحذاء التقليدي تمر بمراحل دقيقة تبدأ بتحضير الجلد، ثم تشكيله وخياطته يدويا، قبل تثبيت النعل وترصيعه، ثم الانتقال إلى التزيين النهائي والختم الذي يمنح الحذاء شكله المميز ويعكس جودة الصنعة. ويشير إلى أن كل خطوة تعتمد على الخبرة وأن الاختيار الصحيح للمواد الأولية يؤثر مباشرة في متانة الحذاء.
وفي زاوية أخرى من الورشة، يعمل الخياط محمد على آلة الخياطة التقليدية بحركة متأنية، مؤكدا أن الخياطة اليدوية تمثل روح الحرفة وقد مكنته خبرته التي تجاوزت الأربعين سنة من التعامل مع كل مرحلة بدقة وفهم عميق للمواد المختلفة. 
ورغم ذلك، يلاحظ محمد أن الحرفة فقدت جزءا من رونقها في الوقت الحاضر، إذ أصبح الجيل الجديد أقل اهتماما بالتعلم المباشر نتيجة الاعتماد على الآلات الحديثة منذ السبعينيات والثمانينيات ما أدى إلى انخفاض مستوى التدريب العملي التقليدي.

قلة الوعي تهدد الحرفة التقليدية


بعد جولتنا في ورشة صناعة الأحذية، توجهنا إلى محل تصليح التلفزيون ، حيث يبرز بدر الدين كحرفي متمرس منذ صغره، تعلم أساسيات الحرفة على يد خبير ألماني مقيم في فرنسا قبل أن يعود إلى الوطن لممارستها بخبرة دقيقة مكنته من التعامل مع مختلف الأعطال، بدءا من التلفزيونات التقليدية وصولا إلى الأجهزة الحديثة مثل البلازما مع إدراك كامل لمراحل الصيانة وقدرته على التعامل مع الأعطال المعقدة.

 


وأوضح بدر الدين أن أبرز التحديات تكمن في اللوحات الإلكترونية، إذ غالبا ما تكون تكلفة تصنيعها أعلى من سعر التلفاز نفسه، كما أن العديد من المواد المستخدمة لا تأتي مع ضمان ما يؤثر في جودة الإصلاح واستمرارية الأجهزة.
علاوة على ذلك، يشير إلى أن الإقبال على هذه الحرفة تراجع بشكل ملحوظ إذ لم يعد الزبائن يقصدون المحل كما في السابق نتيجة انتشار الأجهزة منخفضة الجودة أو المستوردة، إضافة إلى قلة الوعي بأهمية الإصلاح بدل الاستبدال الكامل. 
لذلك، يرى بدر الدين أن نقل المهارات إلى الشباب وتوفير أدوات عالية الجودة هو السبيل الوحيد لضمان استمرار المهنة وحماية المستهلكين.

سر إتقان الحرفة

عقب ذلك، زار طاقمنا محل تزيين أواني النحاس، حيث يمارس بلال حرفة "تشلال النحاس" التي تعلمها عن والده وشقيقه الأكبر. 
وأشار إلى أن هذه المهنة تمثل رابطا بين الماضي والحاضر، وما زالت تمارس من قبل فئات تحرص على الحفاظ على التراث العائلي للنحاس، حيث يستقبلون الزبائن من مختلف الفئات لتجديد القطع القديمة أو استخدامها للزينة.
وأوضح أن العمل في هذه الحرفة يتطلب دقة ومجهودا كبيرين، إذ غالبا ما تكون المواد المستخدمة نادرة وتشترى من المخازن القديمة، وقد تتعرض اليد أحيانا للحساسية نتيجة التعامل المباشر مع النحاس. 
وأشار إلى أن الأدوات لا تزال تقليدية، مثل المسحاة والمطارق الخاصة بالحرفة، وأن فحص جودة النحاس يعتمد على اللمس واستخدام المغناطيس، مؤكدا أن ضمير البائع هو العامل الأساسي الذي يضمن إتقان العمل وتميز القطعة.
كما نوه بلال إلى أن نشاط الحرفة اليوم أقل مقارنة بالماضي، إذ كانت القطع تستخدم يوميا ويكثر إصلاحها، بينما أصبح الناس يقتنونها الآن لأغراض الزينة فقط، ما أثر سلبا على استمرارية العمل في الحرفة.
ومع ذلك، أبدى تصميمه على نقل المهارات والمعرفة إلى الأجيال الجديدة لضمان استمرارية الحرفة وحمايتها من الاندثار.

 

تراجع اهتمام الشباب بالحرف


انتهت جولتنا بزيارة محل تصليح الآلات الكهربائية والمنزلية، حيث يمارس الحرفي بوجمعة مهنته منذ أكثر من 15 سنة،  مكتسبا خبرة واسعة أهلته للتعامل مع جميع أنواع الأعطال سواء البسيطة أو المعقدة. 
ويعتبر بوجمعة أن المهنة ليست مجرد عمل يومي، بل تتطلب معرفة دقيقة بالأجهزة والقطع المختلفة، إضافة إلى الصبر والتركيز أثناء عمليات التصليح.
كما يشير إلى أن الحرفة ما زالت تحتفظ بأهميتها، حيث يحرص الزبائن على إصلاح أجهزتهم بدل التخلص منها وهو ما يعكس ثقة المجتمع في خبرة الحرفيين. 
لكنه يلاحظ أيضا أن الجيل الجديد بدأ يبتعد تدريجيا عن هذه المهن بسبب الجهد البدني والتركيز الذهني، إضافة إلى طول ساعات العمل والتحديات اليومية، ما يشكل تحديا لاستمرارية الحرفة في ظل التطورات التكنولوجية السريعة.
وفي الختام، يرى بوجمعة أن حرفة تصليح الآلات الكهربائية ليست مجرد مهنة، بل فن قائم على الخبرة والدقة.

غادرنا الحي ونحن فخورون بعزيمة الحرفيين وإصرارهم على الحفاظ على إرث الأجداد، إذ تظل الحرفة التقليدية شاهدة على صمود التراث وإبداع الأجيال عبر الزمن.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services