185
0
أنا من فلسطین – ودیع مرجیة: قصیدة تتحوّل إلى وطنٍ لا یُغادَر

بقلم: رانیة فؤاد مرجیة
وأنا أقرأ قصیدة ”أنا من فلسطین“ للشاعر الراحل الحيّ فینا، العم ودیع مرجیة، لم أشعر أنني أمام نصٍ أدبي فحسب، بل أمام مرآةٍ حیّة تعیدني إلى ذاتي الأولى؛ إلى ذلك الانتماء الذي لا یُعلَّم، بل یولد فینا كما یولد النبض. ھنا، لا نقرأ قصیدة... بل نستعید وطناً بالكلمات.

منذ العتبة الأولى، ”أنا من فلسطین“، یعلن الشاعر انتماءه لا بوصفھ تعریفا،ً بل بوصفھ موقفاً نھائیاً في وجھ المحو. الـ”أنا“ في النص لیست فرداً معزولا،ً بل صوتاً جمعیا،ً تختلط فیھ سِیَر الأجداد بدماء الشھداء، وتتجاور فیھ الذاكرة مع الحلم. إنھا ”أنا“ ممتدة، تقف في وجه العدم وتقول: نحن ھنا.
وحین یقول إنّ الله ”جبل ترابھا من ذھب“، فإنّنا لا نقف أمام صورةٍ بلاغیة عابرة، بل أمام قلبٍ للمعادلة: لیست فلسطین ھي التي تُشبَّھ بالذھب، بل الذھب ھو الذي یستعیر قیمتھ منھا. ھكذا تتحول الأرض إلى معیار، لا إلى موضوع قیاس؛ إلى قداسةٍ حیّة، لا إلى مجرد جغرافیا.
یمضي الشاعر لیؤسس نسباً روحیاً عمیقا،ً رابطاً فلسطین ببلاد الأنبیاء، حیث البدایات الأولى للنور والمعنى. ھذا الاستدعاء لا یأتي للزینة، بل لیؤكد أن الفلسطیني لیس طارئاً على التاریخ، بل ھو امتدادٌ لرسالةٍ إنسانیة كبرى. ومن ھنا، تتجلّى العروبة في القصیدة بوصفھا ھویةً حضاریة، تتجذر في العلم، والأدب، والإسھام الذي أنار العالم.
بساطتھا، تختزن أخلاقاً كاملة: الصمت تخلٍّ، والكلمة موقف. ھنا، یصبح الشعر فعلا،ً وتتحول اللغة إلى شكلٍ من أشكال المقاومة، لا لكن النص لا یستكین إلى الماضي، بل ینفجر في الحاضر. الشاعر الفلسطیني ”لا یسكت عن ضیم العدى“، وھذه العبارة، رغم یقلّ شأناً عن أي مواجھة.
ثم تتفتح القصیدة على جغرافیا الروح، حیث تتحول المدن إلى كائناتٍ نابضة. نابلس ”جبل من النار“، صورة مكثفة لصمودٍ لا یخمد. وجنین تتحول إلى عقیدة، حیث الشھادة لیست نھایة بل اختیار حیاة. رام الله تفیض بحمیمیة السلام، فیما الناصرة ترتقي إلى نشید عشقٍ صاف،ٍ یقدّمھ الشاعر فداءً لأمّھ وأبیھ، في ذروة التماھي بین الإنسان والمكان.
وفي الذروة، ترتفع القدس إلى مقامھا الكوني. لیست مدینة، بل قلب المعنى، حیث تتقاطع الرسالات وتلتقي الأزمنة.
في فضائھا یمشي المسیح، وتتنفّس مریم، ویُسرى بالنبي محمد، في مشھدٍ یتجاوز التاریخ إلى الرمز الإنساني الأعمق. ھنا، لا تُعرض القدس
كقضیة، بل كحقیقةٍ أكبر من الاختزال، وأبقى من الطمس.
لغة القصیدة، على بساطتھا الظاھرة، تحمل كثافة شعوریة عالیة. التكرار یمنحھا إیقاعاً أقرب إلى الھتاف، والصور تشحنھا بطاقةٍ داخلیة لا تخبو. إنھا قصیدة تُلقى كما تُعاش، وتُحسّ قبل أن تُحلّل.
وفي ختامھا، یكتب الشاعر یقینھ: الأقصى لیس وحیدا،ً وأي یدٍ تمتد إلیھ ستعود خائبة. لیس ھذا وعداً شعریا،ً بل إیمانٌ متجذر في وجدان شعبٍ عرف الألم، لكنھ لم یساوم على الأمل.
ھذه القصیدة لا تُضاف إلى الأدب الفلسطیني فحسب، بل تُعید تعریفھ: الأدب ھنا لیس ترفا،ً بل ذاكرةٌ حیّة، وضمیرٌ یقظ، وصوتٌ لا یُقھر. إنھا نصٌّ یقولنا بقدر ما نقولھ، ویحرس فینا ما نخشى فقدانھ.
وھكذا، یبقى العم ودیع مرجیة، رغم الغیاب، حاضراً فینا لا كذكرى، بل كصوتٍ مستمر صوتٍ یكتبنا كلما حاولنا أن ننسى، ویعیدنا إلى فلسطین، كلما ظننا أن الطریق قد طال
أانا من فلسطین – للشاعر الفلسطیني الراحل ودیع توفیق مرجیة
أنا مِنْ فِلَسْطیـنٍ جُـدودي وَأَبـي جَبَلَ الإلـھُ تُرابَھـا مِـنْ ذَھَـبِ
وَأَنا الفِلِسْطینِـيُّ لا أَسْكُـتُ عَـنْ ضَیْمِ الْعِدى ، حَتّى أُحَقِّـقَ مَطْلَبـي أنا مِنْ بِـلادِ الأنْبِیـاءِ الصّالِحـینَ ، إذا انْتَسَبْتُ ، أَجَبْتُ : إنّي عَرَبِي
في الطِّبِّ ، في التّاریخِ ، في كُلِّ الْعُلومِ ، كَذاكَ في أَرْقى النِّتـاجِ الأدَبـي قَوْمـي أنـاروا العالَمیـنَ بِعِلْمھم ِْ ما وَھَبـوهُ ، غَیْرُھُـمْ لَـمْ یَھَـبِ
ھُمُ مَنْھَلٌ عَـذْبٌ لِكُـلِّ حَضـارَةٍ وَعَلَتْ ذُراھا فَوْقَ أعْلـى الرُّتَـبِ
قَوْمي امْتَطَوْا بِجَـدارَةٍ فـي عِزِّھِـمْ بَدَلاً مِنَ الْخَیْـلِ مُتـونَ السُّحُـبِ
ھُبّوا بَنـي قَوْمـي نُجَـدِّدُ مَجْدَنـا لِمَ لا ؟ فَإنّي لَمْ أَجِـدْ مِـنْ سَبَـبِ
ھَلْ زُرْتَ نابُلْسَ الْعَظیمَةَ ؟ ، إنَّھـا جَبَلٌ مِنَ النّـارِ ، شَدیـدُ اللَّھَـبِ
أبْناؤُھـا الشُّجْعـانُ آسـادُ الفَـلا نابُلْـسُ أُغْنِیَتـي ، وَفیھـا طَرَبـي
تَعْذِلَنْ یـا صـاحِ صَبّـاً مُغْرَمـاً بِجِنینَ ، فَھْيَ السَّیْفُ ماضي الْمَضْرِبِ
كَمْ مِنْ شَھیـدٍ قَدَّمَتْـھُ فِـدىً لَنـا فَھْيَ الْعَرینُ لِشَعْبِنـا الْحُـرِّ الأَبـي كُلُّ امْرِىءٍ فیھا إذا الْوَطَنُ اسْتَجـارَهُ ، صاحَ فَوْراً ألشَّھادَةُ مَذْھَبـي)
أھْلي بِھا ، فیھا ( وَحیدٌ ) صاحِبـي مِـنْ آلِ جَـرّارٍ ، كِـرامِ النَّسَـبِ
أُھدي السَّلامَ إلَیْـكِ رامَ اللّـھِ یـا أرْقى الْمَدائِنِ ، أرْضَ أھْلي النُّجُـبِ
وَھُــمُ عَمالِـقَـةٌ فِلَسْطینِـیَّـةٌ ھُمُ حِصْنُنا ضِدَّ الْغَریـبِ الأجْنَبـي
فیھِمْ حَنـانٌ لَبْـوَةُ الشَّعْـبِ الَّتـي ھِيَ دِرْعُنا في وَجْـھِ أعْتـى النُّـوَبِ
مَـنْ رامَ إیـذاءً لأشْبـالٍ لَـھـازَأرَتْ حَنانٌ : إحْذَرَنْ مِـنْ غَضَبـي
شَعْبٌ ، حَنـانٌ بِنْتُـھُ ، لا بُـدَّ أَنْ یَحْظـى ، یَقینـاً ، بِبُلـوغِ الأرَبِ
ھَلْ مِثْلَ ناصِرَتـي وَجَـدْتَ مَدینَـة ًأفْدیـكِ ناصِرَتـي بِأُمّـي وَأَبــي
بِكِ عَیْنُ عَذْراءِ الْجَلیلِ وماؤُھـا الْعَـذْبُ الْمُقَـدَّسُ لَـذَّةٌ لِلشـارِبِ
أَلقُـدْسُ عاصِمَتـي ، قِیامَتُنـا بِھـا قَبْرُ الْمَسیحِ بِھا ، كَما فـي الْكُتُـبِ
وَعَظَ الأَنامَ مَسیحُنا الْفادي ابْنُ مَـرْیَمَ ، طافَ في رَحَباتِھا وَھْـوَ صَبـيّ
وَمَشَتْ بِھا الْعَـذْراءُ مَرْیَـمُ أُمُّـھُ رَمْزُ الطَّھارَةِ فـي جَمیـعِ الْحِقَـبِ
لِلْمَسْجِدِ الأقْصى الشَّریفِ الْمُفْتَدى أَسْـرى مُحَمَّدُنـا النَّبِـيُّ الْیَعْرُبـي ألْقُدْسُ عاصِمَتـي وفیھـا صَخْرَتـي لَكِ قُبَّـةٌ زانَـتْ جَمیـعَ القُبَـبِ
أُّ

