184
0
أن نختلف دون أن نلغي.. في إنصاف عزمي بشارة

بقلم: رانية مرجية
في الثقافة الحيّة لا تُقاس قيمة المفكر بمدى الاتفاق معه، بل بقدر ما يفتحه من أسئلة وما يثيره من نقاش.
فالأفكار التي تستحق أن تبقى ليست تلك التي تمنحنا الطمأنينة، بل تلك التي تُقلق يقيننا وتدفعنا إلى التفكير من جديد.
ولهذا فإن الاختلاف، في جوهره، ليس أزمة ثقافية، بل علامة صحة الفكر وحيويته.
من هنا أقول بوضوح: قد أختلف مع المفكر والكاتب والسياسي الفلسطيني عزمي بشارة، لكنني لا ألغيه.
ليس لأنني أتفق مع كل ما يكتبه أو يقوله، بل لأن الثقافة التي تحترم نفسها لا تُدار بمنطق الشطب، بل بمنطق الحوار والقراءة والنقد.
ينتمي بشارة إلى ذلك الصنف من المثقفين الذين لا يكتفون بمراقبة العالم من بعيد، بل يشتبكون مع أسئلته الكبرى. فقد جاء إلى المجال العام من خلفية فلسفية تشكّلت خلال دراسته في جامعة هومبولت في برلين، حيث تعمّق في الفلسفة الحديثة والنظرية الاجتماعية، قبل أن يكرّس جهده لمحاولة فهم التحولات التي يعيشها العالم العربي من خلال مفاهيم الدولة، والديمقراطية، والمجتمع المدني، والهوية، والطائفية.
ولم يكن اشتغاله على هذه المفاهيم تمرينًا نظريًا معزولًا، بل محاولة جادة لإعادة التفكير في اللغة التي نتحدث بها عن السياسة والمجتمع.
ففي كتاباته حول الدولة الحديثة، أو في تحليلاته للطائفية، أو في قراءاته للتحولات العربية، سعى إلى تجاوز التفسيرات السطحية، وإعادة الظواهر السياسية إلى سياقاتها التاريخية والاجتماعية.
غير أن تجربة عزمي بشارة لا تُختزل في إنتاجه الفكري وحده، فقد خاض العمل السياسي المباشر ممثلًا للفلسطينيين في الداخل، قبل أن يتفرغ لاحقًا للمشروع الفكري والمؤسساتي.
وفي هذا السياق أسهم في تأسيس المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الذي تحول خلال سنوات قليلة إلى واحد من أبرز المراكز البحثية في العالم العربي، كما شارك في إطلاق معهد الدوحة للدراسات العليا، وهو مشروع أكاديمي يسعى إلى ترسيخ البحث العلمي في العلوم الاجتماعية والإنسانية باللغة العربية.
إن حضور المفكر في المجال العام يجعله، بطبيعة الحال، موضوعًا للنقاش والاختلاف.
وهذا أمر طبيعي بل ضروري في أي حياة فكرية حقيقية، فالمفكر لا يُقاس بمدى الإجماع حوله، بل بقدر ما يثيره من حوار وما يفتحه من أفق للنقاش.
غير أن ما يلفت الانتباه في كثير من النقاشات العربية هو سرعة الانتقال من النقد إلى الإلغاء، فيُختزل المفكر أحيانًا في موقف سياسي أو قراءة ظرفية، ويُنسى مشروعه الفكري بأكمله. وكأن الثقافة تحوّلت إلى ساحة اصطفاف، لا إلى فضاء حوار.
لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين النقد والإلغاء.
النقد فعل ثقافي يعترف بقيمة الفكرة ثم يحاورها أو يفندها.
أما الإلغاء فهو محاولة لمحو القيمة من أصلها، وغالبًا ما يكون تعبيرًا عن عجزٍ عن خوض النقاش الفكري الحقيقي.
لقد أسهم عزمي بشارة، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا، في إدخال قدر أكبر من التحليل المفهومي إلى النقاش العربي حول قضايا معقدة مثل الديمقراطية والطائفية وسؤال الدولة.
وهذه مساهمة فكرية يصعب إنكار أثرها في زمنٍ يميل فيه الخطاب العام إلى الاختزال والشعارات.
إن الثقافة العربية اليوم ليست بحاجة إلى المزيد من الإقصاء الفكري، بل إلى فضاء أوسع للنقاش.
فالمشهد الثقافي الصحي لا يقوم على الإجماع، بل على التعدد. ولا يُبنى على شطب المفكرين، بل على قراءة أعمالهم بجدية ومناقشتها بصرامة.
ولهذا أعود إلى الفكرة الأولى التي بدأت بها:
قد اختلف مع عزمي بشارة، وربما أعارضه في بعض قراءاته ومواقفه، لكنني لا ألغيه.
لا ألغيه لأن الفكر ليس محكمة تفتيش، بل مساحة للأسئلة.
ولا ألغيه لأن الثقافة التي تخشى الاختلاف لا تستطيع أن تنتج معرفة حقيقية.
ولا ألغيه لأن الاعتراف بقيمة المفكر لا يعني تبني أفكاره، بل احترام أثره في مسار النقاش الفكري.
فالإنصاف، في النهاية، ليس مجاملةً لأحد، بل فضيلة ثقافية.
وأن نختلف مع مفكر دون أن نلغيه هو أول شروط هذه الفضيلة.

